منها أن البرنس صاحب الكرك، عليه اللعنة، عمل مراكب في بحر القلزم؛ ليقطعوا الطريق على التجار والحجاج، وذلك لما عجز عن إيصال المسلمين الأذى في البر، فوصلت أذيتهم إلى عيذاب، وخاف أهل المدنية النبوية من شرهم، فأمر العادل أبو بكر ابن أيوب - أخو صلاح الدين - نائب مصر، الأمير حسام الدين لؤلؤ صاحب الأسطول، أن يعمل مراكب في بحر القلزم، لمحاربة برنس، ففعل ذلك، فظفروا بهم في كل موطن، قتلوا منهم وحرّقوا وغرّقوا وسبوا وقهروا وأسروا في مواطن كثيرة ومواقف هائلة، وأمن البر والبحر بإذن الله (^٢). وأرسل صلاح الدين إلى أخيه العادل أبى بكر يشكر من مساعيه، وأرسل إلى ديوان الخليفة يعرفهم بما أنعم الله به عليهم من الفتوحات برًا وبحرًا.
_________________
(١) أورد ابن الأثير هذه الأحداث بالتفصيل في الكامل، جـ ١٠، ص ١١٤ - ١١٥.
(٢) ورد هذا النص بتصرف في الكامل، جـ ١٠، ص ١١٧ - ١١٨؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٢؛ الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ١١٣ - ١١٤؛ مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٥.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وفى المرآة (^١): في هذه السنة كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج، خرج إبرنس صاحب الكرك إلى أيلة، فأقام بها ومعه الأخشاب على الجمال والصناع، فعمل المراكب، وكان قصده مكة والمدينة والغارات في البحر، فلما تم عملها ركب فيها ووصل إلى عيذاب في بحر القلزم، فأخذ مراكب التجار، ونهب وقتل وأسر، وسار يريد جدة. وبلغ الخبر إلى سيف الدين العادل أخى السلطان، فأمر [الحاجب حسام الدين لؤلؤًا] (^٢) فركب في بحر القلزم، وسار خلفهم، وساعده الريح فأدركهم وقد أشرفوا على مدينة النبي (- ﷺ -)، فهرب بعضهم في البر، وأسر الباقين، فأخذ مائة وسبعين أسيرا، وخَلَّص أموال التجار وردها عليهم، واستولى على مراكبهم، وعاد إلى القاهرة. وكتبوا إلى صلاح الدين بذلك، فقال: تُضرب رقاب الأسرى بعضهم بالقاهرة، وبعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، ففعلوا. وكتبوا بذلك إلى الخليفة.
وفى تاريخ المؤيد (^٣): وكان حسام الدين لؤلؤ مُظَفَّرًا فيه شجاعة، فسار في طلبهم مُجِدًا وأوقع بالذين يحاصرون أيلة، فقتلهم وأسرهم، ثم سار في طلب الفرقة الثانية، وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة، وسار "لؤلؤ" (^٤) يقفو أثرهم فبلغ رابغ (^٥) فأدركهم بساحل الحوراء (^٦)، وتقاتلوا أشد القتال، فَظَفَّرَهُ الله بهم وقتل لؤلؤ أكثرهم وأخذ الباقين أسرى، وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها، وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم. [٢٢٥ و]
وفى تاريخ بيبرس: قال ابن [الذروى] (^٧) يمدح لؤلؤ بأبيات منها:
مَرِّيومٌ من (^٨) الزمان عجيبٌ … كاد يُبْدِى فيه السُّرورَ الجمادُ
قُلتُ بعدَ التكبيرِ لما تَبدَّى … هَكَذَا هَكَذَا يكونُ الجهادُ!!
_________________
(١) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٥؛ كما ورد النص في الروضتين جـ ٢ ق ١، ص ١١٤.
(٢) "حسام الدين الحاجب لؤلؤ" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ١١٣ وهو الصحيح.
(٣) المختصر في أخبار البشر، جـ ٣، ص ٦٥.
(٤) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٥) رَابغ: واد يقطعه الحاج بين البزواء والجُحْفة. معجم البلدان، جـ ٢، ص ٧٢٧.
(٦) حَوْرَاء: كورة من كُوَر مصر القبلية في آخر حدودها، من جهة الحجاز، وهى على البحر في شرقى القلزم. معجم البلدان، جـ ٢، ص ٣٥٦.
(٧) "الدورى" في نسخته المخطوطة أ، ب، والمثبت من خريده القصر، قسم شعراء مصر، جـ ١، ص ١٨٧، وهو الوجيه بن الذروى أبو الحسن على بن يحيى المتوفى سنة ٥٧٧ هـ/ ١١٨١ م. انظر أيضًا الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ١١٤.
(٨) "في" كذا في نسخة ب.
[ ١ / ٣٢١ ]
ومنها (^١) أن عز الدين صاحب الموصل اجتمع هو [وشاه أرمن] (^٢) صاحب خلاط على قتال صلاح الدين؛ وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى شاه أرمن تستنجده وتستنصره على صلاح الدين، فأرسل شاه أرمن إلى صلاح الدين عدة رسل في الشفاعة بالكفِّ عن الموصل، وما يتعلق بعز الدين، فلم يجبه إلى ذلك، وغالطه، فأرسل إليه أخيرًا مملوكا له، يقال له سيف الدين بكتمر الذى ملك خلاط بعده (^٣)، فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب إليه أن يتركها ويرحل عنها، وقال له: إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ومحاربته، فأبلغه بكتمر الشفاعة، فَسَوَّفَ في الإجابة رجاء أن يفتحها، فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة بالتهديد، وفارقه غضبان، ولم يقبل منه خلعة ولا صلة، وأخبر (^٤) صاحبه الخبر، فسار إلى ماردين، وصاحبها قطب الدين بن ألبى، وهو ابن أخت شاه أرمن، وابن خال عز الدين وحموه، وحضر صحبة شاه أرمن دولة شاه صاحب بَدْليس (^٥) وأرزن (^٦)، وسار عز الدين من الموصل في عسكره جريدة من الأثقال. فلما سمع صلاح الدين باجتماعهم سير إلى ابن أخيه تقى الدين وهو بحماة يستدعيه، ورحل إلى رأس عين، فلما سمعوا برحيله تفرقوا، فعاد شاه أرمن إلى خلاط، واعتذر بأنه يجمع العساكر ويعود، وعاد عز الدين إلى الموصل، وأقام قطب الدين بماردين، وسار صلاح الدين فأقام تحت ماردين أياما (^٧).
وفيها (^٨)
وفيها: حج بالناس من العراق طاشتكين (^٩).
_________________
(١) ورد هذا النص في الكامل، جـ ١٠، ص ١١٦ - ١١٧.
(٢) "ساهر من" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الكامل، جـ ١٠، ص ١١٦، كذلك مما ورد من أحداث بعد ذلك في نص العينى الذى بين أيدينا.
(٣) يقصد هنا أن سيف الدين بكتمر ملك خلاط بعد شاه أرمن. الكامل، جـ ١٠، ص ١١٧.
(٤) "أبلغ" في نسخة ب.
(٥) بدليس: بلدة من نواحى أرمينية قرب خلاط. معجم البلدان، جـ ١، ص ٥٢٦.
(٦) أرزن: مدينة مشهورة قرب خلاط ولها قلعة حصينة وكانت من أعمر نواحى أرمينية. معجم البلدان، جـ ١، ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٧) إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، جـ ١٠، ص ١١٦ - ١١٧.
(٨) بياض بمقدار سطر ونصف في النسختين.
(٩) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٧.
[ ١ / ٣٢٢ ]