منها أنه ظهر رجل من قرية مَشْغَرَا (^٤) من معاملة (^٥) دمشق، وكان مغربيًا، فادعى النبوة، وأظهر شيئًا من المخاريق والمخاييل والشعبذة والأبواب النيرنجية (^٦)، فافتتن به طوائف من أهل تلك الناحية من الطغام (^٧) العوام، فتطلبه السلطان، فهرب في الليل من
_________________
(١) يقصد هنا أن يكون لهم شرق الجامع.
(٢) الأئمة الإثني عشرية: ويقال لهم "القطعية"، وسموا بالإثني عشرية لدعواهم أن الإمام المنتظر الثاني عشر من نسل علي بن أبي طالب - ﵁ -. انظر البغدادي: الفرق بين الفرق، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، ص ٦٤ - ٦٥، بيروت د. ت.
(٣) ورد في حاشية الروضتين أن حلب كانت دائما مركزًا من مراكز النشاط الإسماعيلي، والأدلة على ذلك موجودة في أحداث سنوات ٥٥١ هـ/ ١١٥٦ م، ٥٥٤ هـ/ ١١٥٩ م، ٥٧٠ هـ/ ١١٧٤ م. انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦١٠ حاشية ٢.
(٤) مشغرا: قرية من قرى دمشق من ناحية البقاع. معجم البلدان، ج ٤، ص ٥٤٠.
(٥) "مناملة" في نسخة ب وهو خطأ في النسخ.
(٦) النِّيرنْج: أَخْذٌ كالسحر وليس به. الجمع: نيرنجات ونيارج. انظر: المعجم الوسيط: مادة "نير"؛ كما ذكرها الفيروزابادي. وعرفها دوزي بالرقي أو الطلاسم أو السحر. Dozy: Supp. Dict. Ar.
(٧) الطغام: هم أراذل الناس وأوغادهم. انظر: المعجم الوسيط، مادة "طغم".
[ ١ / ٢٠٦ ]
مشغرا إلى معاملة حلب، فالتف عليه كل مقطوع الذنب، وأضلّ (^١) خلقًا من الفلاحين لا المفلحين، فتزوج امرأة أحبها، وكانت من أهل البطاح، فعلمها أن ادعت النبوة، فأشبها قصة مسيلمة وسجاح، لعنهما الله (^٢).
ومنها أن الشمس كسفت وقت طلوعها يوم الثلاثاء الثامن (^٣) والعشرين من ربيع الآخر، فبقيت كذلك إلى ضحوة عالية.
ومنها أن وزير الخليفة هرب، ونهبت داره.
ومنها أن سيف الدين غازي صاحب الموصل استوزر جلال الدين أبا الحسن علي (^٤) ابن جمال الدين الوزير الأصبهاني (^٥) فظهر منه من الكفاية والنهضة وحسن التدبير والكفاءة ما لم يكن من غيره، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة (^٦).
ومنها أن ابن الجوزي قال: في هذه السنة انتهى تفسيري للقرآن (^٧) على المنبر، فإني كنت أذكر في كل مجلس منه آيات، ففرغت منه في هذه السنة، وسجد على المنبر شكرا لله تعالي وقال: ما عرفت واعظًا غيري فسر القرآن كله على المنبر إلا أنا.
قلت: وكان شيخي أبو الروح عيسى الرمادي -﵀- قد فسر القرآن على المنبر في عينتاب مرتين كاملتين، وفي المرة الثالثة لما وصل إلى سورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (^٨)﴾ أدركته المنية.
_________________
(١) "واختل" في نسخة ب.
(٢) ورد هذا النص في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١١.
(٣) "الثاني" في نسخة ب.
(٤) جلال الدين أبو الحسن علي، تولى الوزارة لسيف الدين غازي بن قطب الدين مودود، وتوفي عام ٥٧٤ هـ/ ١١٧٨ م، ودفن أولًا بالموصل ثم نقلت رفاته إلى المدينة المنورة. وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٤٦ - ١٤٧؛ التاريخ الباهر، ص ١٧٧.
(٥) جمال الدين الوزير الأصفهاني: هو جمال الدين أبو جعفر محمد بن على الأصفهاني وزير صاحب الموصل أتابك زنكي، وقد وزر أيضًا لسيف الدين غازي ثم لأخيه قطب الدين مدة، ثم قبض عليه وحبسه حتى مات عام ٥٥٨ هـ/ ١١٦٢ م وقيل عام ٥٥٩ هـ/ ١١٦٣ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٤٣ - ١٤٦؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ١٨٥؛ التاريخ الباهر، ص ١٢٧، ١٣٠.
(٦) ورد هذا النص في التاريخ الباهر بتصرف، ص ١٧٧.
(٧) "القرآن" في نسخة ب؛ انظر المنتظم، ج ١٨، ص ٢١٣.
(٨) سورة البروج: آية (١).
[ ١ / ٢٠٧ ]
ومنها أن ابن الجوزي (^١) قال: وسُلمت إلىَّ المدرسة التي بباب الأزج (^٢)، وكانت دار الوزير ابن جهير، وكانت بنفشَة (^٣) جهة (^٤) الخليفة المستضيء بأمر الله قد اشترتها وأوقفتها على أصحاب أحمد بن حنبل - ﵁ - وفوضت أمرها إلىَّ، وأوْقَفَت عليها قرية. وحضر درسي (^٥) قاضي القضاة (^٦)، وحاجب (^٧) الباب، وأرباب الدولة، وخُلعَ علَىَّ خلعةً نفيسةً، وذكرتُ دروسًا كثيرة، وكان يومًا مشهودًا، وخرجتُ وبين يدى الدُعاة، وارتفعت الأدعية للخليفة، ووقفت الناسُ صفوفًا مثل يوم العيدين. قال: وأصاب أهل المذهب -يعني الحنابلة- من ذلك غم عظيم؛ لأنهم حسدوني، وجلستُ تحت المدرسة يوم الأربعاء في شوال، فكان الجمع زيادة على خمسين ألفًا، فازداد غم أهل المذهب. وكان يقول ابن الجوزي (^٨): "والله لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كُنت حنفيًا (^٩) أو شافعيًا لحملني القوم على رؤسهم".
ومنها أن السلطان صلاح الدين استخدم في هذه السنة العماد الكاتب (^١٠)؛ وسببه أنه التقى القاضي الفاضل على حمص، ومدحه بأبيات من الشعر، فدخل الفاضل على صلاح الدين وقال له: غدًا يأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلها مثل العماد، فقال: مالي
_________________
(١) المنتظم، ج ١٨، ص ٢١٤.
(٢) باب الأزج: محلة كبيرة شرق بغداد بها العديد من الأسواق. معجم البلدان، ج ١، ص ٢٣٣.
(٣) بنفشة: هي بنت عبد الله الرومية كانت من خواص سواري الخليفة المستضيء بالله، توفيت سنة ٥٩٨ هـ/ ١٢٠٢ م. انظر: ابن الساعي، نساء الخلفاء، ص ١١١، ١١٥ (ذخائر العرب رقم ٢٨).
(٤) الجهة: هي المرأة الجليلة القدر، كما يكنى الرجل الجليل بالجناب، انظر: صبح الأعشي، ج ٥، ص ٥٠٢.
(٥) "درسي" يقصد بها درس عبد الرحمن بن الجوزي.
(٦) قاضي القضاة: من أجلِّ رتب أرباب العمائم والأقلام، ويطلق على قاضي القضاة أحيانا راعي الرعاة، ويقوم بكل الأمور الدينية كما يشرف على دار الضرب. انظر: الخطط، ج ٢، ص ٢٤٥، مكتبة الآداب؛ القلقشندي، ج ٤، ص ٣٤ - ٣٦.
(٧) حاجب الباب: وظيفة تركية تلى رتبة نيابة السلطنة، فحاجب الباب هو القائم مقام النواب في كثير من الأمور، إذ كان يقوم بالفصل في المنازعات التي تقوم بين الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات ثم تطور نظام حاجب الباب وصار اسمًا لعدة جماعات من الأمراء، الخطط، ج ٢، ص ٢٤٥؛ صبح الأعشي، ج ٤، ص ١٩ - ٢٠، ص ١٨٥، ص ١٨٨.
(٨) مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٠٦ وقد نقلها السبط بتصرف عن جده ابن الجوزي في المنتظم، ج ١٨، ص ٢١٤ - ٢١٥.
(٩) "شافعيًا أو حنفيًا" في نسخة ب.
(١٠) العماد الكاتب: هو أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبو الفرج محمد بن نفيس الدين أبي الرجا حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله، المعروف بابن أخي العزيز المعروف بألُهْ الملقب عماد الدين الكاتب الأصبهاني، توفي سنة ٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م بدمشق. انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٤٧ - ١٥٣.
[ ١ / ٢٠٨ ]
عنك مندوحة، أنت [كاتبي] (^١) ووزيري، وقد رأيت على وجهك البركة، فإذا استكتبتُ (^٢) غيرك تحدث الناسُ. فقال الفاضل: هذا يحل التراجم، وربما أغيبُ أنا ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبتُ قام مقامي فاستكتبهُ. وقال العماد: وأول ما أهديته للفاضل مدحَةً، حين لقيته بحمص في شعبان من هذه السنة بقصيدة.
منها قوله:
عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ، ورأيتُ شمـ … ـس فضيلةٍ، ووردتُ بَحْر فواضلِ
ورأيت (^٣) سَحْبَانَ (^٤) البلاغةِ ساحِبًا … ببيانهِ ذيلَ (^٥) الفَخَارِ لوائلِ (^٦)
أبصرتُ قُسًا في الفصاحةِ معجزًا … فعرفْتُ أني في فَهَاهَةِ (^٧) بَاقِل (^٨)
حِلْفُ الحصافةِ والفصاحةَ والسماحة … والحماسةِ والتقَى والنائلِ
بحرٌ من الفضل الغزير خِضَمُّه … طامِي العُبابِ ومالَهُ من ساحلِ
وجميعُ ما في الأرضِ سبعةُ أبحرٍ … وبحورُهُ تسوى بعشرِ أناملِ
في كفِّهِ قَلمٌ يُعَجِّلُ جَرْيُهُ … ما كان من أجلٍ ورزقٍ آجلِ
ومنها أن أخا السُلطان المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وصل من اليمن إلى دمشق، وأقام بها مدة، ثم حضر إلى الديار المصرية (^٩).
_________________
(١) "أبي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٠٨.
(٢) "سلمت" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٠٨.
(٣) "ولقيت" في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٣٧.
(٤) سَحْبَان: بليغ عربي من وائل يضرب به المثل. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٣٧، حاشية (٧).
(٥) "ثوب" في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٣٧.
(٦) "كوابل" في نسخة ب.
(٧) "فكاهة" في نسخة ب.
(٨) باقل: رجل يضرب به المثل في الْعِىِّ. انظر: لسان العرب، ج ١٣، ص ٦٧، مادة (بقل).
(٩) ورد هذا الخبر في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٦٣ نقلًا عن العماد؛ انظر أيضًا: النوادر السلطانية، ص ٥٢.
[ ١ / ٢٠٩ ]
ومنها أن في غيبة صلاح الدين بالشام اجتمعت بالقاهرة طائفة من جند الأرمن والإسماعيلية وجند المصريين وغلمان العادل أبي بكر، ونادوا بشعار أبي الطاهر بن العاضد، فلما سمع العادل بذلك أوقع بهم، وقتل منهم جماعة، واعتقل جماعة، ونفى آخرين. وكان الذي حملهم على ذلك الشريف ابن هانئ (^١).
ومنها أن بهلوان بن أيلدكز ملك مدينة تبريز، وهي من جملة بلاد آقسنقر الأحمديلي؛ وسبب ذلك أن البهلوان سار إلى مراغة (^٢) وحصرها، وكان آقسنقر الأحمديلى صاحبها قد مات، ووصى بالملك لولده فلك الدين، فقصده البهلوان ونزل على قلعة روندز (^٣) وحصرها، فامتنعت عليه، فتركها وحصر مراغة، وسير أخاه قزل أرسلان (^٤) في جيش إلى مدينة تبريز فحصرها أيضًا. ولما كان يقاتل أهل مراغة ظفروا بطائفة من عسكره، فخلع عليهم صدر الدين قاضيها وأطلقهم، فحسن ذلك عند البهلوان، وسعى القاضي في الصلح على أن يسلموا تبريزَ إلى البهلوان (^٥)، فأجابوه إلى ذلك، واستقر الأمر عليه، وحلف كل منهما لصاحبه، وتسلم البهلوان تبريز، وأعطاها أخاه قزل أرسلان، ورحل بعسكره عنها.
ومنها أن السلطان صلاح الدين بعث العساكر فأغاروا على بلاد الإسماعيلية، وأحرقوا سرمين (^٦)، ومعرة مصرين، وضياع جبل السُماق (^٧)، وقتلوا معظم أهله.
_________________
(١) الشريف ابن هانيء: هو محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور، ظهر في بلاط الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قبل مجيئه إلى مصر، وقال الشعر في مدح الخلافة الفاطمية ويؤخذ على شعره الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر. توفي في سنة ٣٦٢ هـ /٩٧٣ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٢١ - ٤٢٤؛ ابن أيبك الدواداري: كنز الدرر، ج ٦، ص ٢٤٠ - ٢٤٥، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة ١٩٦١ م؛ عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي، ص ٢٦٥، ط القاهرة د. ت.
(٢) مراغة: بلدة مشهورة بأذربيجان. معجم البلدان، ج ٤، ص ٤٧٦.
(٣) قلعة روندز: ذكرها أبن الأثير في الكامل، ج ١٠، ص ٧٠، "رويندز". وهي قلعة حصينة من أعمال أذربيجان قرب تبريز. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٧٥.
(٤) قزل ارسلان بن ألدكز ملك أذربيجان وإيران وهمذان وأصبهان والري، توفي سنة ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٠٩؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٨٩؛ المختصر في أخبار البشر، ج ٣، ص ٨١.
(٥) البهلوان: هو محمد بن البهلوان بن ألدكز الأتابك شمس الدين صاحب أذربيجان وعراق العجم، توفي سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م. انظر: شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٦٩.
(٦) سرمين: بلدة مشهورة من أعمال حلب وأهلها من الإسماعيلية. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٨٣.
(٧) جبل السُماق: جبل عظيم من أعمال حلب الغربية يشتمل على مدن كثيرة وقرى وقلاع عامتها للإسماعيلية. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٢١.
[ ١ / ٢١٠ ]
ومنها أنه وصلت النوبة من العراق في عشرة آلاف فارس وراجل، فنزلوا مراغة والباب، فقتلوا ثلاثة عشر ألفًا من الإسماعيلية، وسبوا نساءهم وذراريهم، وعادوا إلى العراق ومعهم الغنائم والرؤوس على رماحهم، وعلى القصب عشرون ألف (^١) أُذُن.
وفيها (^٢)
حج بالناس … (^٣). وتأخر الناس عن الحج في هذه السنة، ثم ساروا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية أيام دومًا، وهذا لم يسمع قبله بمثله.