لما سمع السلطان بنزول الفرنج على حارم برز من الديار المصرية قاصدًا إلى بلاد الشام؛ لغزو الفرنج ونزل في البركة (^٤) حتى خرجت العساكر، ورحل من البركة يوم عيد الفطر بعساكره، ووصل إلى أيلة في عاشر الشهر، واستناب بمصر أخاه الملك العادل، وأقام بها أيضا القاضي الفاضل بنيَّة الحج، وسافر العماد معه.
ووصل السلطان إلى دمشق في الرابع والعشرين من شوال (^٥)، وبها أخوه شمس الدولة مشغولًا بلذاته ولهوه، وكان قد بعث إلى الفرنج بمال مُصَانَعة، فعز على صلاح الدين ولامه وقبح فعله، وقال: أنت مشغول باللعب وتُضيع أموال المسلمين، وأقام صلاح الدين في دمشق.
_________________
(١) "بذاتهم" في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٧٠٦؛ كذلك ورد في الكامل، جـ ١٠، ص ٨٦ "الانهماك في اللذات".
(٢) انظر، الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٧٠٦، حيث ينقل عن العماد.
(٣) هو Philip of Flanders وكان قد قدم للتعاون مع Manuel Comnenus إمبراطور بيزنطة، وأصحاب الإمارات اللاتينية، في مهاجمة مصر. وفشل هذا الهجوم كفكرة بسبب النزاع حول الوصاية على ملك القدس الطفل Baldwin V، فتحولت الحملة بعد انصراف البيزنطيين عنها إلى هجوم محلي على حماة، ثم على حارم. انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٧٠٦ حاشية ٢؛ راجع أيضًا The Crusaders In The East،pp. ٢١٤ - ٢١٦.
(٤) المقصود بالبركة هنا: بركة الحجاج وتقع في الجهة البحرية من القاهرة وقد عرفت أولًا "بجب عميرة" ثم قيل لها "أرض الجب" ثم عرفت إلى زمن المقريزي "ببركة الحاج" من أجل نزول حجاج البر بها عند مسيرهم من القاهرة. انظر: الخطط، جـ ٢، ص ١٦٣.
(٥) أورد أبو شامة هذه الرواية بتصرف في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٧٠٧ - ٧٠٨.
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال العماد (^١): وخرج السلطان صلاح الدين للصيد في ذي الحجة نحو قارا (^٢)، فشكوتُ ضرسي، فرجعت مع عز الدين فرخشاه لحُمَّى عرتْهُ، فشكا منها، أن لا تزور إلا نهارًا جهارًا، ولا تفارق بعرق، بالضد من الحُمَّى التي وصفها أبو الطيب المتنبي. فنظمت فيه كلمة طويلة أوّلها:
يَمينُك دأبُها بَذلُ اليسَار … وَكفُّكَ صوبُها بِدَر النُّضارِ
وإنَّك من ملوكِ الأرْض طُرَّا … بمنزِلة اليمين مِنَ اليسارِ
وأنتَ البحرُ في بَثِّ العطَايَا … وأنتَ الطَّودُ في بادي الوقارِ
ومنها في وصف الحُمى:
وزائرةٌ وليسَ [بها] (^٣) حياءٌ … فليْسَ تزورُ إلا في النَّهَار
أَتتْ والقلبُ في وَهَجِ (^٤) اشْتِياقٍ … ليظهَرَ ما أُوَارِي مِنْ أُوارِي (^٥)
إلى أن قال:
أَيَا شَمسُ الملوكِ، بقيتَ شمسًا … تنيرُ على الممالكِ والدّيارِ