خرج من دمشق يوم الجمعة الرابع من ربيع الأول، ونزل بمرج الصُّفَّر، ثم رحل عنه قبل العصر إلى قريب الصنمين (^١). قال العماد: وخرجت معه وقلبي مروع (^٢) إلى أهلي، فما نزلت منزلًا "إلا نظمت أبياتًا (^٣) " فقلت يوم المسير وقد عبرت بالخيارة (^٤):
أقُولُ لركب بالخيارة نُزلُ … أشيروا؛ فما لي في المقام خيارُ
هُمُ (^٥) رحلوا عنك الغداةَ وما دَرَوا … بأنهمُ قد خَلّفوك وساروا
حَليفَ اشتياق [لا ترى من تحبُّه] (^٦) … وفي القلب من نار الغرام أُوارُ
أجيروا من البلوى فؤادي فعندكم … ذِمَامٌ له يا سادتي وجوارُ
وقلت وقد نزلنا بالفُقيع (^٧):
رأيتُني بالفَقيع منفردًا أضـ … يعُ من فقع قاعها [الضائع] (^٨)
بعتُ بمصر دمشق عن غَررٍ … منّى فيا غبن صفقة البائع
صبرى والقلب عاصيان، وما … غير همومي وأَدمُعِي طائعِي
وقلت بالفُوّار (^٩):
تحدّرَ بالفوار دمعي على الفور … فقُلتُ لجيراني أجيروا [مِنَ الجَوْرِ] (^١٠)
وأصعبُ ما لاقيت أنِّى قانعٌ … من الطيف مُذ بنتُم بزورٍ من الزورِ
_________________
(١) الصنمان: قرية من أعمال دمشق في أوائل حَوران بينها وبين دمشق مرحلتان. معجم البلدان. ج ٣ ص ٤٢٩.
(٢) "يروع" في نسخة ب.
(٣) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٤) الخِيَارَةُ: قرية قرب طبرية من جهة عكا قرب حطين بها قبر شُعيب النبي -﵇-. معجم البلدان، ج ٢، ص ٥٠٣.
(٥) "هموا" في نسخة ب وهو خطأ. والمثبت من نسخة أ؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٧٩.
(٦) "لا يرى من يحبه" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ٦٧٩.
(٧) يتضح من الشعر أن الفقيع مكان صحراء يقع في شرق الأردن. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٧.
(٨) "الصنائع" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٧٩.
(٩) الفُوّار: اسم ماء. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٧، حاشية (٣).
(١٠) "لمن يجور" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت هو الصحيح من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٠.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وقلت بالزرقاء (^١):
وَلَم أنسَ بالزرقاء يوم وَداعِنا … أنامل تدْمي حيرةً للتّندُّم
أعدتُك يا زرقاء حمراء، إنني … بكيتُك حتي شِيبَ ماؤكَ بالدَّمِ
تأخَّر قلبي عندهم متخلِّفًا … وخالفتُهم في عزْمتي والتقدُّم
فيا ليت شعري هل أعود إليهم … وهل ليت شعري نافعٌ للمُتيَّمِ
قال: وقلت وقد عبرنا على مسالك قريبة من قلعة الشوبك، وفيها تخطف الإفرنجُ القاصدين إلى مصر:
طريقُ مصر ضيّق المسْلكِ … سالكُهُ لا شكَّ في مَهلكِ
وحُبُّ مصر صارَ [جُبًا] (^٢) لِمن … أوقعه في شبك "الشوبك"
لكِنّما من دونها كعبةٌ … محجوجةٌ مبرُورةُ المنسكِ
بها صلاح الدين يُشكي الذي … إليه من أيامه يشْتكيِ
قال ونظمت في طريق مصر قصيدة مشتملة على ذكر المنازل وهي:
هجرتُكم لا عن مَلالٍ ولا [غدْر] (^٣) … ولكن لمَقدُورٍ أُتيحَ منَ الأمرِ
وأعلم أنِّي مخطئٌ في فِراقِكُم … وعُذريَ في ذنبي، وذنبي في عُذري
أرى نُوبًا للدهر تحصى ولا أرى … أشدَّ من الهِجرانِ في نُوبِ الدهر
إلى أن قال:
أسيرُ إلى مصر وقلبي أسيرُكُم … ومن عَجَبٍ أسرى وقَلبِىَ في أَسْرِ
وهي قصيدة طويلة (^٤).
_________________
(١) الزرقاء: يقصد بها نهر الزرقاء الواقع شرق الأردن وهو على درب حجاج الشام. انظر: تقويم البلدان، ص ٢٤٧؛ الخريدة، قسم شعراء مصر: ج ١، ص ٧.
(٢) "حبا" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٠.
(٣) "عُذر" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٦؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٠.
(٤) انظر القصيدة كاملة في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٦؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٠ - ٦٨١.
[ ١ / ٢٤١ ]