ثم إن السلطان صلاح الدين خرج من القاهرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، واستصحب معه ولديه الأفضل عليًا والعزيز عثمان، وجعل طريقه على دمياط، فأقام بظاهرها يومين، ثم وصل إلى ثغر الإسكندرية.
قال العماد (^٥): وترددنا مع السلطان إلى الشيخ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي (^٦)، وسمعنا عليه ثلاثة أيام، الخميس والجمعة، والسبت، رابع شهر رمضان. قال: وشاهدنا ما استجده السلطان من السور الدائر، وما انصرفنا حتى أمر بإتمام الثغور وتعمير الأسطول.
_________________
(١) هذه البئر من العجائب، حفرها قراقوش، تدور البقر من أعلاها، فتنقل الماء من نقالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من أسفلها. وجميعها حجر منحوت. ويُنزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلثمائة درجة. انظر: الخطط، ج ٢، ص ٢٠٤.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة لازمة للإيضاح من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٨.
(٣) هذه المدرسة بجوار قبة الإمام الشافعي بقرافة مصر. انظر: الخطط، ج ٢، ص ٤٠٠ - ٤٠١، ص ٤٤٤.
(٤) نجم الدين الخبوشاني: هو أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن عبد الله؛ شافعي المذهب، قدم مصر للمرة الأولى سنة ٥٦٥ هـ / ١١٧٠ م من خيوشان بناحية نيسابور. وتوفي سنة ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م. انظر: طبقات الشافعية، ج ٤، ص ١٩٠؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٢٧٤؛ الروضتين، ج ٢، ص ١٩٥ [ط. وادي النيل، ١٢٨٧ هـ]؛ معجم البلدان، ج ٢، ص ٤٠٠.
(٥) انظر قول العماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٩.
(٦) الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلفي الأصبهاني، دخل ثغر الإسكندرية سنة ٥١١ هـ / ١١١٧ م وأقام بها، وقصده الناس من الأماكن البعيدة ولد سنة ٤٧٢ هـ/ ١٠٨٠ م بأصبهان، وتوفي سنة ٥٧٦ هـ / ١١٨٠ م بالإسكندرية. ونسبه سِلَفي إلى جده إبراهيم وسِلَفَة بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء، وهو لفظ أعجمي معناه بالعربي ثلاث شفاه؛ لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ١٠٥ - ١٠٧.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال ابن أبي طي (^١): ولما نوى السلطان المقام بالإسكندرية؛ ليصوم فيها، رأى أنه لا يُخلى نفسه من ثوابٍ يقوم له مقام القَصْد إلى بلاد الكفار والجهاد في المشركين، فرأى الأسطول وقد أخلقت (^٢) سُفُنه، وتغيرت آلاته، فأمر بتعمير الأسطول، وجمع له من الأخشاب والصُّناع أشياء كثيرة. ولما تم عملُ المراكب أمر بحمل الآلات، فنقل من السلاح والعُدد ما يحتاج الأسطول إليه، وشحنه بالرِّجال، وولّي فيه أحد أصحابه، وأفرد له إقطاعًا مخصوصًا وديوانًا مُفْردًا، وكتب إلى سائر البلاد المصرية بقبول قول صاحب الأسطول (^٣)، وأن لا يُمنع من أخذ رجاله وما يحتاج إليه، وأمر صاحب الأسطول أن لا يبارح البحر ويغزي إلى جزائر البحر (^٤).
قال العماد: وقُلتُ في معني تنقلى في البلاد:
يومًا بجَيٍّ (^٥)، ويومًا في دمشق، وبالـ … ـفُسطَاطِ يومًا، ويومًا بالعراقَينِ
كأنَّ جسمي وقلبي الصَّبَّ ما خُلقَا … إلا ليُقتسَمَا بالشَّوقِ والبَينِ
وقلت يوم الخروج من القاهرة:
يا باخلًا عند الوداع بوقفةٍ … لو سامني رُوحي بها لم أبخَلِ
ما كان ضَرُّك لو وقفت لسائلٍ … تركَ الفؤادَ بدائه في المنزل
إن أسر مُرتَحِلًا [ففي] (^٦) أسر الهوى … قلبي لديك، مقيَّدٌ لم يَرحَلِ
عَذُبَ العذابُ لدى فؤادي (^٧) المُبتَلَى … إذ كُنت أنت مُعذِّبي والمُبتَلِى
_________________
(١) انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٩ - ٦٩٠.
(٢) أخلق الشيء وخَلُق أو خَلِق، أي بلى. انظر: أحمد بن فارس: مقاييس اللغة، ج ٢، ص ٢١٤، ط. أولى، القاهرة ١٣٦٦ هـ.
(٣) "يقول القول قول صاحب الأسطول" كذا في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٩٠.
(٤) ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٦.
(٥) جَيُّ بالفتح ثم التشديد، اسم مدينة ناحية أصبهان القديمة، وسميت عند العجم "شهرستان". انظر، معجم البلدان، ج ٢، ص ١٨١.
(٦) "في" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت ين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٩٠.
(٧) "فؤاد" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٩٠.
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال: ونزلنا بين مُنْية غمر (^١) ومُنْية سمنود (^٢)، فقلتُ:
نَزلتُ بأرض المُنيتَين ومُنيَتي … لقاؤكم الشَّافي ووصلُكم المُجدِي
سأبلَى ولا تَبلى سريرةُ وُدِّكم … وتؤنسُني إن مِتُّ في وحشة اللَّحدِ
قال: وعدنا من الإسكندرية في شهر رمضان، فصمنا بقية الشهر في القاهرة.
قال: ومن مدائحي للسلطان ما أنشدتهُ إياه في سادس شوال:
فَدَيتُكَ من ظالم منصف … وناهيك من باخل [مُسْعِفِ] (^٣)
أيبلغ دهرى قصدى وقد … قصدتُ بمصر ذُري (^٤) يوسفِ
ويوسفُ مصر بغير التُّقى … وبذل الصنائع لم يوصف
فَسِر وافتح القدس واسفِك به … دماءً متى تُجرِها ينظف
وخلِّص من الكفر تلك البلاد … يخلِّصك الله في المَوقِف (^٥)