من ذلك أنه أمر ببيع الكتب في القصر كل أسبوع يومان، وهي تباع بأرخص الأثمان، وكانت كتبًا كثيرة جدًا، قالوا: إنها كانت أكثر من مائة ألف مجلد.
وكان فيها من الكتب الكبار، وتواريخ الأمصار، ما يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين مجلدًا (^٢)، وكانت خزائن مملوءة بها في القصر، وكان الحاكم على القصر ومتولى أموره الأمير بهاء الدين قراقوش. ولما حضرت الناس للشراء كان الدلالون يخرجون عشرة عشرة من كل فنّ كتبًا [مبترة] (^٣) وتُباع بالهُون، وتُسام بالدون، وربما كان دلال يشارك مع واحد فتُقوَّمُ عليه بعشرة، ثم بعد ذلك يبيعونه بمائة.
قال العماد: لما رأيت الأمر حضرت [القصر] (^٤)، واشتريت كما اشتروا، واستكثرت من ذلك. ولما عرف السلطان بذلك، وكان (^٥) بمئين (^٦)، أنعم بها عليَّ، وأبرَأَ ذمتي من ثمنها؛ ثم وهب لي أيضًا من خزانة القصر ما عينتُ عليه من كتبها.
ودخلت عليه يومًا وبين يديه مجلدات كثيرة، انتُقِيَت له من القصر، وهو ينظر في بعضها، وقال: كنت طلبت كُتُبا عَينتها، فهل في هذه منها شيء؟ فقلت: كُلّها، وما استغني عنها، فأخرجتها من عنده بحمّال، وكان هذا بالنسبة إلى جوده أقلَّ نوال.
ومن ذلك أنه أمر ببناء سور على مصر والقاهرة، ودَور السور تسعة وعشرون ألفا وثلثمائة ذراع بالهاشمي (^٧).
_________________
(١) ما بين الحاصرتين إضافة لازمة للسياق من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٦.
(٢) لمزيد من التفاصيل عن تلك الكتب، انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٦ - ٦٨٧.
(٣) "مميزة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٦؛ سنا البرق الشامي، ص ١١٦ وهو الأصح. ومبترة أي هالكة أو متفرقة.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة لازمة للإيضاح من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٧.
(٥) "كان" مكررة في نسخة ب.
(٦) مئين: المقصود بها ما بين الثلاثة إلى العشرة. انظر: لسان العرب مادة "مائة" فصل الميم حرف الواو والياء.
(٧) الذراع الهاشمي: هو قياس خاص بالأراضي والأقمشة وهو أكبر من الذراع الزيادي الذي طوله ذراع وثلث بذراع اليد، وقد وجد في عصر الدولة العباسية. انظر: صبح الأعشي، ج ٣، ص ٤٤٦ - ٤٤٧.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وفي تاريخ الدولتين (^١): ولما تملك السلطان مصر رأى أن مصر والقاهرة لكل [واحدة] (^٢) منهما سور لا يمنعها، وقال: [إن] (^٣) أفردت كلّ [واحدة] (^٤) بسور [احتاجت] (^٥) إلى جند مفرد يحميها، وإني أرى أن أدير عليهما سورًا واحدًا من الشاطيء إلى الشاطيء.
وأمر ببناء قلعة في الوسط عند مسجد سعد الدولة (^٦) على جبل المقطم، فابتدأ من ظاهر القاهرة ببرج في المقسم (^٧)، وانتهى به إلى أعلى مصر ببروج وصلها بالبرج الأعظم. قال العماد: ومبلغ السور وهو دائر البلدين مصر والقاهرة بما فيه من ساحل البحر والقلعة بالجبل، تسعة وعشرون ألفا وثلثمائة [ذراع] (^٨)، وذراعان؛ من ذلك ما بين قلعة المقسم على شاطئ النيل والبرج بالكوم الأحمر (^٩) بساحل مصر عشرة آلاف وخمسمائة ذراع، ومن القلعة بالمقسم إلى حائط القلعة بالجبل بمسجد سعد الدولة ثمانية آلاف وثلثمائة واثنان وتسعون ذراعًا، ومن جانب حائط القلعة من جهة مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع، ودائر القلعة بجبل مسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشرة أذرع. وذلك طول قوسه في أبدانه، وأبراجه (^١٠) من النيل إلى النيل، على التحقيق والتعديل، وذلك بالذراع الهاشمي، بتولى الأميرة [بهاء الدين] (^١١) قراقوش الأسدي.
_________________
(١) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٧.
(٢) "واحد" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٧.
(٣) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٧، حيث ينقل عنه العيني.
(٤) "واحد" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٦٨٧.
(٥) "احتاج" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٨٧.
(٦) مسجد سعد الدولة، لمعرفة المزيد عنه انظر: الخطط، ج ٢، ص ٢٠٢، طبعة بولاق.
(٧) يقصد بذلك برج المقس. وقد ذكر المقريزي أن قلعة المقس كانت برجًا مطلًا على النيل في شرقي جامع المقس. انظر، الخطط، ج ١، ص ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٨) ما بين الحاصرتين إضافة من مفرج الكروب، ج ١، ص ٥٢.
(٩) الكوم الأحمر: يقع في بر الخليج الغربي، وكان النيل يصل إلى هذا الكوم. وهو تجاه خط بين الزقاقين، وهو عند المنطقة المسماة فم الخليج قريبا من نهاية شارع قصر العيني حاليًا، أي قريبًا من مجرى العيون. انظر: الخطط، ج ٢، ص ١٤٦.
(١٠) "أبراجه وأبدانه" في نسخة ب.
(١١) "شهاب الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب. وهو خطأ. والمثبت بين الحاصرتين من مفرج الكروب، ج ٢، ص ٥٣؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٩١ - ٩٢؛ النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ١٧٦؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ١٥٨.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وبنى القلعة على الجبل، وقطع الخندق، وحفر واديه. وهناك مساجد يعرف أحدها بمسجد سعد الدولة، فاشتملت القلعة عليها ودخلت في الجملة. وحفر في رأس الجبل بئرًا (^١) ينزل فيها بالدرج المنحوتة من الجبل إلى الماء المعين.
وتوفي السلطان وقد بقي من السور مواضع، والعمارة [فيه] (^٢) مستمرة، ووظائف نفقاتها مستدرّة.
ومن ذلك أن السلطان (﵀) أمر ببناء المدرسة بالتربة المقدسة الشافعية (^٣)، ورتب قواعدها، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشاني (^٤)، وأمر أيضا باتخاذ دار في القصر بيمارستانا للمرضى، ووقف على المدرسة والبيمارستان وقوفًا كثيرة.