منها أن صلاح الدين بعث إلى نور الدين هدية، فيها (^٥) فيل وحمار عتابي (^٦)، فبعث بها نور الدين إلى بغداد، وخرج الناس للقائها، وعجبوا من خلقة الحمار.
وقال العماد: خرج صلاح الدين في النصف من شوال، ومعه الفيل والحمارة العتابية، والذخائر النفيسة التي كان انتخبها من خزائن القصر. قال: ووصل ذلك إلينا
_________________
(١) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٥٣ - ٥٧.
(٢) درب هارون: من أعمال بغداد.
(٣) صَرِيفون أو صريفين. من أعمال بغداد على ضفة نهر دُجَيل. وهي قرية كبيرة غناء، انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٨٤ - ٣٨٧. وقد ورد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٩ أن درب هارون وصريفين من أعمال بغداد. انظر حاشية (١).
(٤) إلى هنا توقف العينى عن النقل من ابن أبي طى دون أن يذكر اسم المرجع … وقد ذكر هذا في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٩.
(٥) "منها" في نسخة ب.
(٦) حمار عتابي، واحدة من حمر الوحش المخطط، والعتابي نسبة إلى العتابين وهي أحد محال بغداد واشتهرت بإنتاج نوع من النسيج المخطط، ومن ثم وصف هذا النوع من الحمير بأنه عتابي تشبها له بهذا النسيج. راجع Dozy: Supp. Dict. Ar، vol. ١، p. ٣٢١.
[ ١ / ١١٠ ]
ونحن بحلب بالميدان الأخضر، وأهدى نور الدين الفيل إلى ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل، مع شيء من تحف الثياب والعود والعنبر، ثم سَيِّره سيف (^١) الدين هدية إلى بغداد للخليفة مع ما سيره معه من التحف اللطيفة، وسير نور الدين الحمارة إلى بغداد مع هدايا وتحف سنايا.
ومنها أن صلاح الدين نزل في هذه السنة على الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون، فبرح بها، وفرق عنها عُربها، وخرب عمارتها، وبعث سراياه على أعمالها (^٢)، وأرسل كتابا بذلك إلى نور الدين.
وقال ابن الأثير وابن شداد: هذه أول غزوة غزاها صلاح الدين من الديار المصرية، وإنما بدأ ببلاد الكرك والشوبك (^٣)؛ لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، فخرج صلاح الدين في أثناء السنة، فحاصرها، وجرى بينه وبين الفرنج وقعات (^٤)، وعاد عنها، فلم يظفر منها بشيء في تلك الدفعة، وحصل ثواب القصد.
وفي المرآة (^٥): وفي هذه السنة سار نور الدين إلى الموصل، وصلى في الجامع الذي بناه وسط البلد، وتصدق بمال عظيم.
ولما علم صلاح الدين أن نور الدين قد توجه إلى الموصل، خرج بعساكره [ومضى إلى الشام] (^٦)، فحصر الكرك والشوبك، ونهب أعمالها، وكانت جماعة من العرب نازلين بأرض الكرك؛ ينقلون الأخبار إلى الإفرنج، وإذا غاروا على البلاد دلوهم على المسلمين، فنهبهم صلاح الدين، وقتل البعض، وأجلى من بقي منهم عن أرض الكرك، وكتب كتابا إلى نور الدين؛ يخبره بما جرى من العربان، وأنه لم (^٧) يبق منهم أحد، فإنهم كانوا
_________________
(١) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٦ حيث ينقل العيني قول العماد عنه. أما في سنا البرق الشامي، ص ٦٥ فقد ذكر البندارى أنه "نور الدين".
(٢) أورد ابن واصل هذه الرواية بتصرف، انظر: مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٢٤.
(٣) انظر: النوادر السلطانية، ص ٤٥؛ الكامل، ج ١٠، ص ٤٩.
(٤) "وجرى بينه وبين صلاح الدين الفرنج وقعات" كذا في نسخة ب وهو خطأ.
(٥) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٣.
(٦) ما بين الحاصرتين إضافة من مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٣.
(٧) "وان لا يبقى" في المرآة، ج ٨، ص ١٨٣.
[ ١ / ١١١ ]
آفة على المسلمين، ودليلا للكفار على الإسلام. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر، وعاد نور الدين من الموصل، وقطع الفرات، وقصد بلاد الروم، وقد ذكرناه (^١).
ومنها أن في جمادى الأولى غزا توران شاه شمس الدولة بن أيوب -أخو صلاح الدين- بلاد النوبة، بأمر صلاح الدين، وفتح حصنا لهم يقال له إبريم (^٢)، وهي بلاد عديمة الجدوى، كثيرة البلوي، ثم جمع السبي، وعاد به إلى أسوان، وفرق على أصحابه من الغنائم السودان.
وقال ابن أبي طى الحلبى (^٣): وفي هذه السنة اجتمع السودان والعبيد من بلاد النوبة، وخرجوا في أمم عظيمة؛ قاصدين ملك بلاد مصر، وساروا إلى أعمال الصعيد، وصمموا على قصد أسوان، وحصارها، ونهب قراها. وكان بها الأمير كنز الدولة (^٤)، فأنفذ يعلم الملك الناصر صلاح الدين، وطلب منه نجدة، فأنفذ قطعة من جيشه مع الشجاع البعلبكي، فلما وصل إلى أسوان، وجد العبيد قد عادوا عنها بعد أن أخربوا أرضها، فأتبعهم الشجاع وكنز الدولة، فجرت حرب عظيمة؛ قتل فيها من الفريقين عالم عظيم، ورجع الشجاع إلى القاهرة، وأخبر بفعال العبيد، وتمكنهم من بلاد الصعيد، فأنفذ صلاح الدين أخاه شمس الدولة في عسكر كثيف، فوجدهم قد دخلوا بلاد النوبة، فسار قاصدًا بلادهم، وشحن مراكب كثيرة في البحر بالرجال والميرة، وأمرها بلحاقه إلى بلاد النوبة (^٥)، وسار إليها، ونزل على قلعة إبريم، وافتتحها بعد ثلاثة أيام، وغنم جميع ما فيها من المال والكراع (^٦) والميرة، وخلص جماعة من الأسرى، وأسر من وجده فيها،
_________________
(١) نقل العينى هذا النص بتصرف من مرآه الزمان، ج ٨، ص ١٨٤.
(٢) إبريم: بلدة قديمة تقع على الضفة الشرقية للنيل في منطقة النوبة المصرية التي عرفت في العصر الروماني باسم Nabatia، وفي المراجع العربية القديمة باسم مريس. انظر: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، للدكتور مصطفي مسعد، ص ٢٧، ص ٩٣، ص ٩٦.
(٣) انظر، الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣١.
(٤) كنز الدولة، لقب منح لأول مرة أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي الأمير أسوان أبي المكارم هبة الله بعد انتصاره على ثورة أبي ركوة وأصبح هذا اللقب وراثيا في أسرة أبي المكارم بعد اندماجها مع النوبيين. انظر: مفرج الكروب، ج ٢، ص ١٦ حاشية ٢.
(٥) بلاد النوبة: بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر بعد أسوان، واسم مدينة النوبة دمقلة ودنقلة ودنكلة، وهي منزل الملك، على ساحل النيل، وأهلها نصارى أهل شدة في العيش. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٨٢٠ - ٨٢١؛ ج ٢، ص ٥٩٩، ٦١١؛ مراصد الاطلاع، ج ٢، ص ١٣٩٤.
(٦) الكراع: لغة طرف الشيء؛ وكراع الأرض طرفها البعيد، والكراع هنا ذخيرة الحرب من الأطعمة والمؤنة، انظر: السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٣٧٤، ص ٦٢٠ حاشية ٣.
[ ١ / ١١٢ ]
وهرب صاحبها (^١)، وكتب إلى صلاح الدين بذلك، ثم رجع شمس الدولة إلى أسوان ثم إلى قوص (^٢). وكان في صحبته أمير يقال له إبراهيم الكردي، فطلب من شمس الدولة قلعة إبريم، فأقطعه إياها، وأنفذ معه جماعة من الأكراد البطالين (^٣)، فلما حصلوا فيها، تفرقوا فرقا، وكانوا يشنون الغارة على بلاد النوبة حتى برَّحوا بهم، واكتسبوا أموالا عظيمة، وكثرت مواشيهم، واتفق أنهم عدوا إلى جزيرة من بلاد النوبة، تعرف بجزيرة دندان، فغرق أميرهم إبراهيم وجماعة من أصحابه، ورجع من بقي منهم إلى قلعة إبريم، وأخذوا جميع ما كان فيها، وأخلوها بعد مقامهم بها سنتين، فعاد النوبة إليها وملكوها. وأنفذ ملك النوبة رسولا إلى شمس الدولة، وهو مقيم بقوص، ومعه كتاب فيه طلب الصلح، ومع الرسول هدية عبد وجارية، فكتب له (^٤) جواب كتابه، وأعطاه زوجي نشاب (^٥)، وقال مالك عندي جواب إلا هذا، وجهز معه رسولا يعرف بمسعود الحلبي، وأوصاه أن يكشف له خبر البلاد ليدخلها، فسار الحلبي مع الرسول حتى وصل دنقلة، وهي مدينة الملك.
قال مسعود: فوجدت بلادًا ضيقة، ليس لهم زرع إلا الذرة، وعندهم نخل صغار، منه إدامهم، ووصف ملكهم بأوصاف منها أن قال: خرج علينا يومًا وهو عريان، قد ركب فرسًا عريًا، وقد التف في ثوب أطلس، وهو أقرع ليس على رأسه شعر. قال: فأتيت فسلمت عليه، فضحك، وأمر بي أن تكوي يدى، فكوى عليها هيئة صليب، وأمر لى بقدر خمسين رطلا من الدقيق، فصرفني (^٦).
_________________
(١) انظر: الروضتين: ج ١ ق ٢، ص ٥٣٢.
(٢) قوص: من المدن القديمة بصعيد مصر من الجهة الشرقية من النيل، انظر: رمزي، القاموس الجغرافي، ق ٢ ج ٤، ص ١٨٧ - ١٨٩.
(٣) البطالون من الأجناد والأمراء هم العاطلون من إقطاعات الدولة ووظائفها لكبر السن أو لغضب السلطان أو لغير ذلك. انظر: السلوك، ج ١، ص ٧٣، حاشية ٤.
(٤) "له" في نسخة ب.
(٥) نشاب: هي النبل أو السهام وواحدته نشابة. والنَّشَّابة قوم يرمون بالنشاب. وقد ذكر الحسين بن عبد الله في آثار الأول وأخبار الدول، صفحة ١٦٠ أنواع النشاب وما يمتاز به كل نوع على الآخر. والنشاب صحيحة الاعتدال والاستداره. انظر: النوادر السلطانية، ص ٦٣، حاشية ١.
(٦) إلى هنا توقف العينى عن النقل من الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٣٣.
[ ١ / ١١٣ ]
ومنها أن صلاح الدين (﵀) بعث سرية صحبة قراقوش (^١) -مملوك تقى الدين عمر بن شاهنشاه (^٢) - إلى بلاد إفريقية فملكوا طائفة كبيرة منها، فمن ذلك مدينة طرابلس المغرب وعدة مدن معها.
وفي تاريخ الدولتين (^٣): كان مع قراقوش طائفة من الترك، وجماعة من العرب، فاستولوا على طرابلس، وكثير من بلاد إفريقية ما خلا المهدية (^٤)، وسفاقس (^٥)، وقفصة (^٦) وتونس.