منها أنه سار بعساكره إلى أن وصل [إلى] (^٢) رَعْبَانَ؛ منجدًا نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا على قليج أرسلان "بن" (^٣) مسعود ملك الروم، وسبب ذلك أن نور الدين بن قرا أرسلان تزوج بابنة قليج أرسلان، ثم أحب مغنية وتركها (^٤) نسيا منسيا، فشكت حالها إلى أبيها، فعزم على قصد بلاده، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين؛ يستنجده ويسأله كف يد قليج أرسلان، فأرسل صلاح الدين إلى قليج أرسلان في ذلك، فأعاد الجواب: إنني كنت عند تزويجه ابنتي دفعت إليه عدة حصون، ولابد من إعادتها إليَّ. وكان صلاح الدين قد هادن الفرنج، فسار في عساكره نحو بلاد قليج أرسلان، وهي ملطية وسيواس وقونية وما بينها، فلما سمع قليج أرسلان بقربه منه، أرسل
_________________
(١) * يوافق أولها ٢٨ مايو ١١٨٠ م.
(٢) "قلج" في الكامل، جـ ١٠، ص ١٠١.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ. والمثبت من نسخة ب.
(٤) ما بين الأقواس ساقط من ب.
(٥) يذكر ابن الأثير: "أنه أحب مغنية فتزوجها، ومال إليها، وحكمت في بلاده وخزائنه، وأعرض عن ابنة قلج أرسلان، وتركها نسيًا منسيًا". الكامل، جـ ١٠، ص ١٠١.
[ ١ / ٢٩١ ]
إلى بعض أمرائه، وذكر له بعض الحديث الذي جرى منه، فقال صلاح الدين للرسول: قل لصاحبك: لئن لم يرجع عن بلاده، لأسيرن إلى ملطية، ولا أنزل عن فرسي إلا في البلد (^١). وكان الرسول قد عاين جيشا عظيما، وكان عاقلا أديبًا، فقال لصلاح الدين: أريد أقول للسلطان كلاما لم يرسلني به أستاذي، فقال له: قل، فقال: تعطيني الأمان. فقال: قل وأنت آمن. فقال: يا مولانا أما هو قبيح بمثلك، وأنت أعظم السلاطين قدرًا وأكبرهم شأنًا، أن يسمع الناس عنك أنك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ومصالح المملكة، وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة، وخسرتَ أنت وعسكرك الأموال العظيمة؛ لأجل قحبة مغنية، ما يكون عذرك عند الله تعالى، ثم عند الخليفة وملوك الإسلام وكافة العالم؟ وهَبْ أن أحدًا ما يواجهك بهذا، أمَا يعلمون أن الأمر كذا، ثم احسب أن قليج أرسلان مات، وهذه ابنته قد أرسلتني إليك؛ تستجيرُك وتسألك أن تنصفها من زوجها، فإن فعلتَ فهو الظن، وإن لم يكن أفيَحْسُنُ بك أن تردَّها. فقال صلاح الدين: الحق بيدك، وإن الأمر لكما تقول، ولكن هذا الرجل دخل على، واستجار بي، ويقبح بي تركه، ولكني أجتمع به وأصلح الحال بينكم على ما تحبون، وأعينكم عليه (^٢)، ووعد من نفسه بكل جميل. واجتمع الرسول بنور الدين بن قرا أرسلان، وتردد القول بينهم، فاستقر له أنه يخرج المغنية بعد سنة، وإن لم يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته، ويكون هو وقليج أرسلان عليه.
ولما تقرر الحال على ذلك قصد صلاح الدين بلاد ابن لاون، وذلك أنه كان قد استمال قومًا من التركمان، وبذل لهم الأمان (^٣)، وأمرهُم أن يرعوا مواشيهم في بلاده، وهي بلاد حصينة منيعة كثيرة الوعر، ثم غدر بهم، وسبى حريمهم، وأخذ أموالهم، وأسر رجالهم، وقتل منهم جماعة، فنزل صلاح الدين على النهر الأسود (^٤)، وبث بلاده، فخاف ابن لاون على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ، فخرّبه وأحرقه، وهو يسمى
_________________
(١) "الباب" في نسخة ب.
(٢) ورد هذا النص بتصرف في الكامل، ج ١٠، ص ١٠١ - ١٠٢؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٤٧؛ سنا البرق الشامي، ص ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٣) "الأموال" في الكامل، جـ ١٠، ص ١٠٣.
(٤) النهر الأسود: هو نهر قريب من النهر الأزرق في طرف بلاد المصيصة وطرسوس. معجم البلدان، جـ ٤، ص ٨٣٢.
[ ١ / ٢٩٢ ]
حصن النَّقِير (^١)، وسمع صلاح الدين بذلك فأسرع السير، فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات فغنمها، وانتفع المسلمون بما غنموه، فأطلق ابن لاون من عنده من أسرى التركمان، وأعاد السبي والأموال.
وعاد صلاح الدين وتوجه إلى مصر ومعه الملك الظاهر غازي والملك العزيز ولداه، واستخلف على الشام ودمشق عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أخيه (^٢).
ومنها أن في رجب قدمت رسل الخليفة الناصر لدين الله ومعهم خلع وهدايا إلى الملك الناصر صلاح الدين، فلبس السلطان خلع الخليفة بدمشق، وزينت له البلاد، وكان يوما مشهودًا (^٣).
وفي المرآة (^٤): وفيها وصل شيخ الشيوخ وصحبته رسول الخليفة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ومعهما خلع وهدايا فلبس السلطان الخلع بدمشق، وزينت له المدينة، وكان يومًا مشهودا.
ومنها أن السلطان سار من الشام إلى الديار المصرية، لينظر في أحوالها وأمورها، ويصوم بها رمضان، ومن عزمه أن يحج عامه ذلك إلى بيت الله الحرام، واستناب علي الشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وكتب القاضي الفاضل عن الملك العادل أبي بكر نائب مصر إلى أهل اليمن ومكة؛ يعلمهم بعزم السلطان على الحج في هذا العام إلى المسجد الحرام، ليتأهبوا للملك، ويهتموا به. واستصحب السلطان معه صدر الدين أبا القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ ببغداد، الذي قدم في الرسلية من جهة الخليفة؛ ليكون في خدمته إلى الديار المصرية، وفي صحبته إلى الحجاز الشريف، فدخل السلطان مصر، وتلقاه الجيش، وكان يوما مشهودا. وأما صدر الدين فإنه لم يقم بها إلا قليلا، حتى توجهه إلى الحجاز الشريف في البحر، فأدرك الصيام بالمسجد الحرام (^٥).
_________________
(١) "قلعة شامخة تعرف بالمانقير" في الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٤٨. وبالرجوع إلى القواميس الجغرافية لم نعثر له على ذكر سواء تحت لفظ النقير أو المانقير.
(٢) ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ٥٩؛ النوادر السلطانية، ص ٥٤.
(٣) انظر: البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٧.
(٤) انظر: مرآة الزمان، جـ ١٢، ص ٢٢٩.
(٥) ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ٥٨: البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٧ - ٣٢٨.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وفي المرآة (^١): وإنما ركب شيخ الشيوخ البحر من مصر، ومضى إلى مكة؛ لنذر كان عليه، وأقام إلى أيام الموسم، وحج وعاد إلى بغداد (^٢).