منها أنه أرسل أخاه شمس الدولة تورانشاه بن أيوب إلى اليمن (^٢)، وكان صلاح الدين قد أقطعه قوص وأعمالها، وارتفاعها مائة ألف دينار، ثم تجهز منها، وسافر، ووصل زَبيد (^٣)، وقتل ابن المهدي (^٤) صاحبها، وكان يلقب أمير المؤمنين، فلما قتله سيّر نواب الحصون مفاتيحها إليه، وهي أحد وأربعون حصنًا.
وقال العماد (^٥): وفي رجب توجه توران شاه (^٦) -أكبر أخوة صلاح الدين- إلى اليمن فملكها، وكان يحثه على المسير إليها عمارة اليمنى (^٧)، شاعر القصر، وكان كثير المدح
_________________
(١) * يوافق أولها ١٢ أغسطس ١١٧٣ م.
(٢) الخليفة المستضيء بأمر الله هو الحسن بن يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الله أمير المؤمنين المستضيء بالله، توفي عام ٥٧٥ هـ/ ١١٧٩ م. انظر: فوات الوفيات، ج ١، ص ٢٦٩ - ٢٧١.
(٣) ورد النص بتصرف في النوادر السلطانية، ص ٤٦؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥١.
(٤) زَبيد: مدينة في اليمن أحدثت في أيام المأمون وبإزائها ساحل غلافقة وساحل المندب. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٩١٥.
(٥) هو: عبد النبي بن على بن مهدي بن محمد ثالث حكام الدولة المهدية باليمن "زبيد" حكم من (٥٥٨ هـ - ٥٦٩ هـ/ ١١٦٢ م - ١١٧٣ م). وقد هزمه المعظم توران شاه بن أيوب. انظر: زامباور معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ج ١، ص ١٨٢؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٣٤.
(٦) انظر قول العماد بالروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥١، حيث ينقل أبو شامة عن العماد من كتاب البرق الشامي وهو غير موجود بين أيدينا الآن.
(٧) هو الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين، سيرة أخوه فغزا النوبة، ثم بعثه فافتتح اليمن، وتحول من الشام إلى مصر سنة ٥٧٤ هـ/ ١١٧٨ م، ثم مات بالإسكندرية سنة ٥٧٦ هـ/ ١١٨٠ م. انظر: وفيات الأعيان ج ١، ص ٣٠٦؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٨) عمارة اليمني: هو أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد بن محمد الحكمي اليمني، وسيذكره العيني بالتفصيل في وفيات هذه السنة ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م. انظر ما يلي ص ١٨٤ وما بعدها. انظر: وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣١؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٤؛ النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٧٠؛ الشذرات، ج ٤، ص ٢٣٤.
[ ١ / ١٣٥ ]
لتُورَان شاه، فتجهَز وسَار إلى مكة، ثم إلى زبيد فملكها، وقبض على الخارجي (^١) بها، وأهلكهـ نائبه سيف الدولة مبارك بن منقذ (^٢). ومضى إلى عدن فأخذها واستناب فيها عز الدين عثمان الزنجيلي (^٣)، وفتح حصن تعزّ (^٤) وغيره من القلاع.
وقال ابن شداد (^٥): ولما [كانت] (^٦) سنة تسع وستين رأي صلاح الدين قوة عسكره وكثرة عدد إخوته وقوّة بأسهم. وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها، وهو يخطب لنفسه، يسَمَّى عبد النبي بن مهدي، ويزعم أنه ينتشر ملكه إلى الأرض كلها، واستَتبَ أمره، فرأى أن يسيّر إليها أخاه الأكبر الملك المعظم توران شاه، وكان كريما أريحيًا حسن الأخلاق (^٧)، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان بها. وكان أخو هذا الخارجي [قد خرج] (^٨) باليمن قبله.
وقال ابن أبي طيّ (^٩): وكان سبب خروج شمس الدولة إلى اليمن أنه كان كريما جوادا، وكان إقطاعه بمصر لا يقوم بفتوَّته، ولا [ينهض] (^١٠) بمروَّته. وكان قد انتظم في سلكه عمارة الشاعر، وكان من أهل اليمن، وكان ورد إلى مصر، ومدح أصحابها. فلما
_________________
(١) الخارجي: هو عبد النبي بن على بن مهدي، ثالث حكام الدولة المهدية. انظر ما سبق ص ١٣٥، حاشية (٤).
(٢) هو: المبارك بن كامل بن علي بن مقلد بن نصر من منقذ الكناني، الملقب سيف الدولة مجد الدين. كان من أمراء الدولة الصلاحية، ولما سير صلاح الدين أخاه توران شاه إلى بلاد اليمن وتملكها، رتب ابن منقذ هذا نائبًا عنه في زبيد. وكانت وفاة المبارك هذا سنة ٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م بالقاهرة. انظر: وفيات الأعيان، ج ٤، ص ١٤٤.
(٣) هو: "عز الدين أبو عُمر عثمان بن على الزنجاري - كان صاحب اليمن، وانتقل إلى الشام في زمن الملك العادل سيف الدين أبي بكر". هكذا ورد اسمه في الأعلاق الخطيرة لابن شداد، ص ٢٢٢. وورد اسمه في الدارس، ج ١، ص ٥٢٦. "أبو عمرو عثمان بن على الزنجيلي".
(٤) حصن تَعِزُّ: بالفتح ثم الكسر والزاي مشددة، قلعة عظيمة من قلاع اليمن المشهورات. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٨٥٤.
(٥) انظر: النوادر السلطانية، ص ٤٦، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٦) "كان" في نسختي أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من النوادر السلطانية، ص ٤٦، حيث ينقل العينى عنه.
(٧) ذكر في الروضتين أنه سمع من صلاح الدين ما نصه "الثناء على كرمه ومحاسن أخلاقه وترجيحه إياه على نفسه". انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٢.
(٨) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٢.
(٩) انظر قول ابن أبي طى في الروضتين، المصدر السابق حيث أن الروضتين هو المصدر المتاح لدينا لأقوال ابن أبي طي، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٢.
(١٠) "تنهض" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٢.
[ ١ / ١٣٦ ]
زالت دولتهم انضوى إلى شمس الدولة ومدحه، وكان إذا خلا بِه يصف له بلاد اليمن وكثرة أموالها وخيرها، وضعف مَن فيها، وأنها قريبة المأخذ لمن طلبها.
ومن جملة شعره في ذلك قوله في القصيدة التي أولها:
العلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجًا (^١) إلَى الْعِلْمِ … وَشَفرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغني عَنِ الْقَلَمِ
كَمْ تَتْرُكُ البيضُ فِي الأَجْفَانِ ظَامِئَةً … إلى المَوَارِدِ فِي الأعْنَاقِ وَالقِمَمِ
أَمَامَك الْفَتحُ مِنْ شَامٍ وَمِنْ يَمَنٍ … فَلَا تَرُدّ رؤوسَ الْخَيْل باللُّجم
فَعَمُّكَ الْملكُ الْمنصورُ (^٢) سَوَّمَهَا … مَنِ الْفُراتِ إِلَى مِصْرٍ بِلَا سَأَمِ (^٣)
وله قصيدة أخرى منها قوله:
أفاتحَ أرضَ النِّيل وهي منيعةٌ (^٤) … على كل راجٍ فتْحها ومُؤمّلِ
متى توقد النار التي أنت قَادحٌ … بغمْدَانَ [مشبوبًا] (^٥) سناها بمنْدلِ
وتفتح ما بين الحَصين وأَبْيَنٍ … وصنعاء من حِصْنٍ حَصِينٍ ومَعْقِلِ (^٦)
وقال ابنُ أبي طي: ووافق ذلك أنه كاتَبَه رجل من أهل اليمن، يقال له هاشم بن غانم، وأطمعه [في المعاونة] (^٧) لأن صاحب اليمن عبد النبي كان قد تعدى على هذا الشريف هاشم، فأعلم شمس الدولة أصحابه بعزمه على اليمن فأجابوه، وتجهز، ثم دخل على أخيه السلطان واستأذنه في دخول اليمن، فأذن له، وأطلق له مُغَلّ (^٨) قوص (^٩) سنة، وزوّده فوق ما كان في نفسه، وأصحبه جماعةً من الأمراء ومقدار ألف فارس خارجا
_________________
(١) "محتاج" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣؛ وانظر أيضا: مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٣٨ - ٢٤٠.
(٢) المنصور: يقصد بها أسد الدين شيركوه.
(٣) أورد أبو شامة أبياتًا أخرى من القصيدة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣.
(٤) "عظيمة" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣.
(٥) "مشوبا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصواب من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣.
(٦) ذكر أبو شامة بيتين آخرين من القصيدة، كما ذكر أبياتًا من قصيدة أخرى، انظر: الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣.
(٧) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين يحتاجها السياق. انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣.
(٨) يقصد ما تغله قوص في السنة.
(٩) قوص: مدينة كبيرة بصعيد مصر، كانت محط التجار القادمين من عدن. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٠٠، وهي مركز بمديرية قنا، انظر: القاموس الجغرافي، ق ٢ ج ٤، ص ١٨٣.
[ ١ / ١٣٧ ]
عمّن سيره من حلقته (^١)، وسار في البر والبحر، في البر العساكر، وفي البحر الأسطول يحمل الأزواد والعدد والآلات، فوصل إلى مكة شرفها الله تعالى، فدخلها زائرًا، ثم خرج متوجها منها إلى اليمن، فوصل زَبِيد في أول شوال، فنزل عليها، ولقيه الشريف هاشم بن غانم الحسني، وجميع (^٢) الأشراف بنو سليمان (^٣) في جمع جم وعدد كثير، فهجم زبيد وتسلمها واحتوى على ما فيها، وقبض على صاحب اليمن -عبد النبي- أخي على (^٤) بن مهدى، ثم رحل إلى عدن (^٥) وفي صحبته ابن مهدى ففتحها عنوةً، وولاها عز الدين بن الزنجيلي.
ثم سار إلى [المخلاف] (^٦)، وتسلم الحصون التي كانت في يد ابن مهدي كتعز وغيرها، وسار إلى صنعاء بعد فتح مدينة الجَنَد (^٧) وغيرها، فأحرقت صنعاء، فدخلها شمس الدولة فلم يجد فيها إلا شيخا [و] (^٨) امرأة عجوزًا، فأقام بها ثمانية أيام، ثم لم يستطع المقام لقلة الميرة، فرجع إلى زَبِيد فوجد ابن منقذ قد قتل عبد النبي بن مهدي. وكان شمس الدولة قد استناب بزَبيد الأمير سيف الدولة المبارك بن منقذ، وأمره بحمله، فلما بعُد شمس الدولة خاف ابن منقذ من فساد أمره، فرأى المصلحة في قتله، فقتله ابن منقذ بزَبِيد. فلما بلغ شمس الدوله قتله استصوبه.
ولما "حصل" (^٩) شمس الدولة في زَبِيدَ أنفذ إليه صاحب طمار (^١٠)، وصالحه هو وباقي الملوك على أداء المال، ثم تتبع تلك الحصون والقلاع فاحتوى عليها جميعها،
_________________
(١) جند الحلقة: هم طبقة من الأجناد دون المماليك السلطانية في الدرجة. وهم مماليك السلاطين والأمراء السابقين وأولادهم، انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ١٥ - ١٦.
(٢) "وجمع" في نسخة ب.
(٣) بنو سليمان: هم العلويون باليمن حكموا من سنة ٤٥٠ هـ - ٦٤٩ هـ/١٠٥٨ - ١٢٥١ م، والذي حارب بنو مهدي، منهم هو وحاس بن غانم. انظر: زامباور، ج ١، ص ١٧٨ - ١٧٩.
(٤) هو: على بن مهدي بن محمد بن على بن داود. أول حكام بنو مهدي الخوارج بزبيد. حكم من سنة ٥٥٣ هـ - ٥٥٤ هـ/ ١١٥٨ م - ١١٥٩ م. انظر: زامباور ج ١، ص ١٨٢.
(٥) "العدن" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٤، حيث ينقل عن ابن أبي طي.
(٦) "المحلاف" في الأصل. والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ٥٥٤. والمخاليف بمنزلة الكور والرساتيق. وقد أضيف إليها أسماء قبائل اليمن. انظر: معجم البلدان ج ٤، ص ٤٣٤.
(٧) الجند: هي من أعمال اليمن العظيمة ومن المدن النجدية، بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ١٣٦.
(٨) "أو" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٤.
(٩) "دخل" في نسخة ب.
(١٠) طمار: الطمار المكان المرتفع، وهو جبل باليمن. معجم البلدان، ج ٣، ص ٥٤٦.
[ ١ / ١٣٨ ]
وكتب بذلك إلى أخيه الملك الناصر صلاح الدين، فأرسل إلى نور الدين يخبره بذلك، فأرسل نور الدين مهذب الدين أبا الحسن علي بن عيسى النقاش بالبشارة بذلك إلى بغداد. وذكر العماد الأمير مجد الدين سيف الدولة المبارك بن كامل بن منقذ المستناب بزَبِيدَ، ووصفه بأنه من الكفاة "الرماة" (^١) والدُّهاة ذوي الآراء، وأنه فاضل من أهل بيت فضل، كتب العماد من شعره:
لما نزلتُ الدَّير قُلْتُ لصَاحبي … قُم فاخطُب الصَّهْباءَ من شَمّاسِه
فأتي وفي يُمناه كأسٌ خِلْتُها … مقبوسَةً في اللّيل من نبراسه
وكأنّ ما في كأسه من خَدّه … وكأنّ ما في خَدِّه من كَاسِه
وكأن لذَّةَ طَعْمها من رِيقِه … وأريجُها الفيَّاحُ من أنْفَاسِه
لم أنسَ ليلة شُرْبِها بغنائه … إذ بات يجْلُوها على جُلاسِه
إذ قام يَسْقِينَا المُدام وكُلَّما … عاتَبْتُه (^٢) ردَّ الجوابَ بِراسِه
ومدحه أبو الحسن بن الذَّروى المصرى (^٣) بقصيدة غراء ذالية، ما أظن أنه نُظِمَ على قافية الذال أرق منها لفظا وأروق (^٤) معنى، أولُهَا:
لك الخيرُ عرِّج بي (^٥) على رَبْعِهم فَذِي … رُبوعٌ يفوح المِسْكُ من عَرْفِها الشَّذِى
مَبَارِكُ عِيسِ الوَفد بَابُ مُباركٍ (^٦) … وهل منقذُ القُصَّاد غيرُ ابن مُنْقذِ
وفي المرآة (^٧): لما سار شمس الدولة إلى اليمن، وكان أعيانها قد كتبوا إلى صلاح الدين؛ يسألونه أن يبعث إليهم بعض أهله، فلما وصل شمس الدولة إلى مكة، صعد
_________________
(١) "الكرماء" في الروضتين الذي ينقل عن ابن أبي طي. انظر: ج ١ ق ٢، ص ٥٥٥.
(٢) "عابثته" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٥.
(٣) هو: القاضي الوجيه رضي الدين أبو الحسن علي بن أبي الحسن يحيى بن الحسن بن أحمد المعروف بابن الذَّروي، وهو الأديب الشاعر. والذروي بفتح الذال المعجمة والراء وبعدها واو نسبة إلى ذَرَوَة، وهي قرية بصعيد مصر. انظر: خريدة القصر، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ١٨٧ - ١٨٨؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ١٤٥ - ١٤٦؛ فوات الوفيات، ج ٢، ص ١٨٨.
(٤) "أدق" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٥.
(٥) "من على" في نسخة ب.
(٦) "مبارك وفد العيس" في وفيات الأعيان، ج ٤، ص ١٤٥.
(٧) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٨، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
[ ١ / ١٣٩ ]
صاحبها إلى أبي قبيس (^١)، فتحصن فيه (^٢) بقلعة بناها عليه، وأغلق باب الكعبة وأخذ المفاتيح، فجاء شمس الدولة فطاف بالبيت، وصلى ركعتين وصعد إلى باب الكعبة، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني جئت إلى هذه البلاد لإصلاح العباد وتمهيدها، فيَسِّر علىّ فتح الباب، وإن كنت تعلم أني جئت لغير ذلك فلا تفتحه. ومدَ يدَه فجذب القفل فانفتح (^٣)، فدخل شمس الدولة إلى البيت وصلى ودعا.
فلما بلغ أمير مكة ذلك نزل إلى خدمته، وحمل المفاتيح واعتذر وقال: خفت منك، والآن فأنا تحت طاعتك. فقال له: إذا أخذت منك مفاتيح مكة فلمن أعطيها، ثم خلع عليه وعلى أصحابه، وطيب قلوبهم. وسار إلى اليمن، فانهزم عبد النبي بين يديه إلى زَبيد. وكان أبوه المسمى بالمهدي قد فتح البلاد، وقتل خلقًا كثيرا، وشق بطون الحوامل، وذبح الأطفال على صدور أمهاتهم. وكان يرى رأي القرامطة (^٤)، ويظهر أنه داعية "لصاحب" (^٥) مصر، ويتستر بالإسلام (^٦). وكان قد مات قبل دخول شمس الدولة اليمن بسنين، وملك بعده ولده عبد النبي، ففعل باليمن أشد مما فعله أبوه، وسبى [نساءهم] (^٧) واستعبدهم. وكان أبوه لما مات بني عليه قبةً عظيمةً وصَفَّح حيطانها بالذهب الأحمر والجواهر ظاهرا وباطنا، بحيث لم يعمل في الدنيا مثلها، وجعل فيها قناديل الذهب وستور الحرير، ومنع أهل اليمن (^٨) من زَبِيدَ إلى حضرموت أن يحجوا إلى
_________________
(١) أبو قُبَيس: اسم الجبل المشرف على مكة من شرقها. وهو نسبة إلى رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس لأنه أول من بنى فيه قبة. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ١٠٢.
(٢) "عليه" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٨.
(٣) "بها ففتح" في نسخة ب.
(٤) القرامطة: طائفة سياسية اتخذت الدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وسيلة لتحقيق أغراضها، وسلاحا للوصول إلى ما تصبو إليه. وهم يُنسبون إلى حمدان بن الأشعث، قَرْمَط. وقد سمي بهذا الاسم لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى، أي يقارب بين خطواته. ويقال إنه سمي بقرمط لقصور قامته ورجليه. ويقال أيضا أنه لقب بهذا لأنه كان أحمر البشرة تشبيها له بالقرمد، وهو الطوب الأحمر (الآجر). وأصل هذا اللفظ يوناني Keramidi. انظر: اتعاظ الحنفا، ج ١، ص ٢٦؛ جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، ص ٤١، ط. دار الفكر العربي، ١٩٧٦ م؛ انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص ٧٣٧.
(٥) "لأهل" في المرآة، ج ٨، ص ١٨٨.
(٦) "باليمن" في المرآة، والمثبت هو الأولى للسياق.
(٧) "نسائهم" في نسخة أ. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب.
(٨) "البلد" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٨.
[ ١ / ١٤٠ ]
الكعبة، وأمرهم بالحج إلى قبر أبيه، وكانوا يحملون إليها من الأموال كل سنة ما لا يحد ولا يوصف (^١)، ويطوفون حولها مثل ما يطاف (^٢) بالكعبة، ومن لم يحمل مالا قتله، وكانوا يقصدونها من البحر، فاجتمع فيها أموال عظيمة. وأقام عبد النبي على الظلم والفسق والفجور، وذبح الأطفال، وسفك الدماء، وسبي النساء، إلى أن دخل شمس الدولة إلى اليمن وجاء إلى زبيد. فيقال: إنه حصر عبد النبي فيها وأمَّنه وقيده وقتله. ويقال: أنه انهزم بين يديه، وجاء إلى قبة أبيه فهدمها، وأخذ ما كان فيها من المال والجواهر والفضة، وكان على ستمائة جمل، ونبش القبر وأحرق عظام أبيه وذراها في الريح. ومضى إلى صنعاء، فحلف شمس الدولة أنه لا ينتهي عنه حتى يقتله ويحرقه كما فعل بأبيه، وصار خلفه فرجع إلى زبيد، وعاد شمس الدولة إليها فظفر به، فأخذ ما كان معه وقتله وصلبه وحرقه كما فعل بعظام أبيه.
وفي تاريخ ابن كثير (^٣): ولما وصل شمس الدولة زَبِيد، خرج إليه عبد النبي فقاتله، فانهزم، وأسره شمس الدولة وأسر زوجته الحرة، وكانت ذات أموال جزيلة، فاستقرها على أشياء جزيلة، وذخائر جليلة، ونهب الجيش زَبِيدَ، ثم سار إلى عدن فقاتله صاحبها ياسر، فهزمه توران شاه، وأخذ البلد بيسير [من الحصار] (^٤) ومنع الجيش من نهبها. وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لعمارتها وملكها. ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة فأحبوه. واستوسق (^٥) له ملك اليمن، وخَطب فيها للخليفة العباسي المستضيء (^٦) بأمر الله، وقتل الداعي المسمى بعبد النبي (^٧).
_________________
(١) "يحصي" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٨٩.
(٢) "يطوفون" في المرآة، ج ٨، ص ١٨٩.
(٣) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٣ - ٢٩٤، حيث ينقل عنه العيني.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٣.
(٥) استوسقت الإبل أي اجتمعت. انظر: القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٩٩، مادة "وسق".
(٦) هو: أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد. بويع بالخلافة بعد أبيه وتلقب بالمستضيء. وكانت وفاته سنة ٥٧٥ هـ/ ١١٧٩ م. انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٤؛ الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين، ج ١ ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٧) إلى هنا انتهي نقل العيني عن البداية والنهاية بتصرف، ج ١٢، ص ٢٩٣ - ٢٩٤.
[ ١ / ١٤١ ]
ومنها إرسال صلاح الدين بالهدايا إلى نور الدين (﵀).
قال ابن أبي طىّ (^١): وفي هذه السنة وصل رسول نور الدين، وهو الموفق بن القيسراني، واجتمع بالملك الناصر، وأنهى إليه رسالة نور الدين، وطالبه بحساب جميع ما حصَّله وارتفع إليه من ارتفاع (^٢) البلاد، فصعب ذلك على السلطان، وأراد شق العصا، لولا ما ثاب إليه من السكينة ثم أمر النواب بعمل الحساب، وعرضه على ابن القيسراني، وأراه جريدة (^٣) الأجناد بمبلغ إقطاع وكميات جامكيتهم (^٤) ورواتب نفقاتهم. فلما حصل عنده جميع ذلك، أرسل معه هدية (^٥) إلى نور الدين على يد الفقيه [عيسي] (^٦). قال: ووقفت على برنامج شرحها بخط الموفق بن القيسراني وهي: خمس ختمات [إحداها] (^٧) ختمة ثلاثون جزءًا مغشاة بأطلس أزرق، مضببة بصفائح ذهب، وعليها أقفال ذهب، مكتوبة بذهب، بخط يانسي (^٨)؛ وختمة بخط راشد مغشاة
_________________
(١) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨ حيث أورد أقوال ابن أبي طي؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٥٧؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٢.
(٢) الارتفاع: ما يتحصل من الدواوين عامة. انظر: السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٢.
(٣) في الروضتين "جرائد الأجناد بمبالغ إقطاعهم وتعيين جامكياتهم" انظر: ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨.
(٤) الجامكية: رواتب الجند بصفة عامة. انظر: صبح الأعشي، ج ٣، ص ٤٥٧؛ وانظر أيضًا: Dozy: Supp. Dict. Ar
(٥) انظر ذكر تفصيل الهدية في السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٤ - ٥٥.
(٦) "الساعي" في الأصل، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨. وقد صحح العينى الاسم بعد ذلك حين ذكر تفصيل الهدية فيما بعد. وهو: الفقيه أبو محمد عيسي بن محمد بن عيسي بن محمد بن أحمد بن يوسف. ويقال له الهكاري، الملقب ضياء الدين. توفي بمنزلة الخروبة سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م. انظر: الفتح القسى، ص ٣٥٥؛ الكامل: ج ١٠، ص ١٩٠؛ مضمار الحقائق، ص ٢٩٦ - ٢٩٧؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٩٧.
(٧) "أحديها" في الأصل: والتصحيح من الروضتين، ج ١، ق ٢، ص ٥٥٨.
(٨) لعله الخط اليابس. وقد ذكر القلقشندي في صبح الأعشى أن ابن الحسين ذكر في كتابة "الأبحاث الجميلة في شرح العقيلة" في قلم الثلث: "أن الخط الكوفي فيه عدة أقلام مرجعها إلى أصلين وهما التقوير والبسط. فالمقور هو المعبر عنه الآن باللين … والمبسوط هو المعبر عنه الآن بالباب وهو ما لا انخساف وانحطاط فيه كالمحقق". انظر: صبح الأعشى، ج ٣، ص ١١. وقد ذكر فوزي سالم عفيفي في كتابه "نشأة وتطور الكتابة الخطية العربية": أن الخط اللين والخط اليابس كانا موجودين قبل الإسلام. بدليل النقوش النبطية التي تغلب عليها اليبوسة والليونة معا. انظر: ص ١١٥.
[ ١ / ١٤٢ ]
بديباج فُسْتُقى عشرة أجزاء؛ وختمة بخط ابن البواب (^١)، مجلد واحد بقفل ذهب؛ وختمة بخط مهلهل، جزء واحد، وختمة بخط الحاكم البغدادي؛ وثلاثة أحجار بلخش (^٢)، حجر وزنه اثنان وعشرون مثقالا، وحجر وزنه اثنا عشر مثقالا، وحجر وزنه عشرة مثاقيل ونصف؛ وست قصبات زمرد (^٣)، قصبة وزنها مثقالان وربع وسدس، وقصبة وزنها مثقالان وثلث، وقصبة وزنها مثقالان ونصف، وقصبة وزنها ثلاثة عشر مثقالا وثلث وربع، وقصبة وزنها ثلاثة مثاقيل؛ وحجر ياقوت وزنه سبعة مثاقيل؛ وحجر أزرق وزنه ستة مثاقيل وسدس؛ ومائة عقد جوهر مختومة وزنها (^٤) ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا؛ و[خمسون] (^٥) قارورة دهن بلسان (^٦)، وعشرون قطعة بلور؛ [أربع عشرة قطعة] (^٧) جزع (^٨)، وذكر تفصيلها؛ إبريق يشم (^٩)، طشت يشم سقرق (^١٠) مينا مذهب؛ صحون صيني وزبادي وسكارج (^١١)؛ أربعون قطعة عود طيب، قطعتين كبار؛ كرتان وزن أحديهما ثلاثون رطلا
_________________
(١) هو: أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن الجواب الكاتب المشهور، لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه من خط الكوفيين. توفي سنة ٤٢٣ هـ/ ١٠٣٢ م، وقيل ٤١٣ هـ/ ١٠٢٢ م. انظر، وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٣٤٢؛ صبح الأعشي، ج ٣، ص ١٣ ذكر "أن": ابن البواب هو الذي أكمل قواعد الخط وتممها واخترع غالب الأقلام التي أسسها ابن مقلة".
(٢) البلخش: يسمى اللَّعْلَ، وهو من نفائس الأحجار. انظر: صبح الأعشى، ج ٢، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٣) لم يذكر أبو شامة في كتابه الروضتين غير خمس قصبات مع اختلاف في الترتيب. ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨.
(٤) "وزنها جميعها" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨.
(٥) ما بين الحاصرتين ساقط من نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨ لاستقامة النص؛ انظر أيضًا: السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٤.
(٦) البلسان: هو شجر كثير الوجود في سورية، له زهر أبيض صغير عطر في عناقيد منبسطة. الواحدة بيلسانة، كبير النفع في التفتيح والتحليل. انظر: محيط المحيط، ج ١ ص ١٥٠؛ Dozy: Supp. Dict. Ar
(٧) " وقطعة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، الذي ينقل عنه العيني، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٨.
(٨) الجَزع: هو الخرز اليماني. فيه سواد وبياض. والمقصود هنا الأنية المصنوعة من الصيني المجزع. انظر: Dozy: Supp. Dict. Ar.
(٩) اليشم: هو من الأحجار غير النفيسة. انظر: صبح الأعشي، ج ٢، ص ١١٨؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٢٤، حاشية ٣ حيث ذكر أن: اليشم واليشب حجر ثمين قريب من الزبرجد، منه الأبيض والأصفر والزيتي؛ انظر أيضًا: نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، ص ٧٠.
(١٠) سقرق: لعلها محرفة عن السكرك. فقد ذكر في لسان العرب: "السُّكُرْكَة خمر الحبشة، وذكر في المعرب أن السكركة ضرب من الشراب تتخذه الحبش من الذرة، وهي تسكر. ولعل المقصود هنا الآنية الخاصة بهذا الشراب. انظر: لسان العرب مادتي "س ك ر" "س ك ر ك".؛ المعرب، ص ٢٨٤؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٥.
(١١) الزبادي: جمع زبدية، وهي وعاء الشراب. وسكارج جمع سكُرُّجة: لفظة فارسية تعني الإناء الصغير أو الصحفة، يؤكل فيه الشيء القليل. انظر: لسان العرب، مادة "سكرج"؛ Dozy: Supp. Dict. Ar
[ ١ / ١٤٣ ]
بالمصري والأخرى [واحد] (^١) وعشرون رطلا؛ ومائة ثوب أطلس؛ وأربعة وعشرون بَقْيَارا (^٢) مُذهبة؛ وأربعة وعشرون ثوبا حريريا؛ وأربعة وعشرون ثوبا من الوَشي حريرية بيض؛ حلة فلفلي مذهبة؛ حلة مرايش صفراء مُذهبة. وذكر غير ذلك أنواعا من القماش قيمتها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار مصرية، وعدة من الخيل والغلمان والجواري، وشيئًا كثيرا من السلاح على اختلاف ضروبه. قال: وخرجوا بهذه الهدية فلم تصل إلى نور الدين؛ لأنه (^٣) اتصل بهم وفاته، فمنها ما أعيد ومنها ما استهلك، لأن الفقيه عيسي وابن القيسراني وضعا [عليها من نهبها] (^٤) واستبدَّا بأكثرها. وقيل إنها وصلت جميعها إلى السلطان؛ لأنه اتصل به خبر موت نور الدين؛ فأنفذ من ردّها.
قال: وحدثني من شاهد هذه الهدية أنه كان معها عشرة صناديق مالًا لا يعلم (^٥) مقداره (^٦).
ومنها أن صلاح الدين صلب في رمضان منها جماعة من أعيان المصريين؛ فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية (^٧)، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم (^٨). فمنهم عبد الصمد الكاتب، والقاضي [العورِيس] (^٩)، وداعى الدُعاة (^١٠)، وعمارة بن على اليمني الشاعر الفقيه الشافعي.
_________________
(١) "أحد" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين هو الصحيح لاستقامة النص.
(٢) بقيارا: كلمة فارسية ومعناها سجادة سوداء مصنوعة من وبر الجمل. انظر السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٥، حاشية ٤، وقد ذكر دوزي أنها نوع من العمائم الكبار كالتي يلبسها الوزراء وأصحاب القلم. انظر أيضا: مفرج الكروب، ج ٣، ص ٢٤٥، حاشية ٢.
(٣) "لأنهم" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٩.
(٤) "وضعا عليهم من نهبهم" في نسختى المخطوطة. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٥٩.
(٥) "لم يعلم"، في الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٥٩.
(٦) نهاية قول ابن أبي طى المنقول من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٩.
(٧) قصد بها الدولة العبيدية وهي: الدولة الفاطمية نسبة إلى مؤسسها المهدي بالله أبو محمد عبيد الله بن الحسن بن محمد بن على الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، السبط ابن علي بن أبي طالب، ﵃. وهي في الفترة ما بين ٢٩٧ هـ - ٥٦٧ هـ/ ٩١٠ م - ١١٧١ م. انظر: الجوهر الثمين، ج ١، ص ٢٤١ - ٢٤٣؛ تاريخ الدول الإسلامية، ج ١، ص ١٣١ - ١٣٥.
(٨) انظر تفصيل هذه الحادثة في الكامل، ج ١٠، ص ٥٣ - ٥٥؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦٠ - ٥٦٤ وما بعدها؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٤٣ - ٢٤٤؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٨؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٤ - ٢٩٦؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٣ - ٥٤.
(٩) "العويرس" في الأصل وكذا في الكامل، ج ١٠، ص ٥٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥؛ والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين نقلًا عن ابن أبي طى، ج ١ ق ٢، ص ٢٦١. وهو القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة، المعروف بالعوريس. انظر: اتعاظ الحنفا، ج ٣، ص ٢٧٨. وقد ذكر في السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٣ أنه: سلامة العوريس.
(١٠) هو: عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي، داعي الدعاة. انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٣.
[ ١ / ١٤٤ ]
وفي تاريخ ابن كثير (^١): اجتمع نجم الدين عمارة الشاعر اليمني الفقيه الشافعي مع جماعة من رؤس الدولة الفاطمية الذين كانوا حكاما، فاتفقوا فيما بينهم أن يعيدوا الدولة الفاطمية، وكتبوا إلى الإفرنج يستدعونهم إليهم، وعينوا خليفة من ذرية الفاطميين، ووزيرا وأمراء في غيبة السلطان صلاح الدين ببلاد الكرك، ثم اتفق مجيؤه وحرض عمارة اليمني شمس الدولة توران شاه على المسير (^٢) إلى اليمن؛ ليخف الجيش ويضعف عن مقاومة الفرنج إذا قدموا لنصرة الفاطميين. فخرج توران شاه ولم يخرج معه عمارة إلى اليمن، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث، [ويداخل] (^٣) المتكلمين فيه، وكان من أكابر الدعاة إليه والمحرضين عليه. هذا وقد أدخلوا معهم في هذا الأمر بعض من ينسب إلى الملك الناصر؛ وذلك من قلة "عقلهم وكثرة جهلهم" (^٤). فخانهم أحوج ما كانوا إليه، وهو الشيخ زين الدين علي بن نجا الواعظ (^٥)، جاء إلى السلطان الملك الناصر، فأخبره بما تمالأ القوم عليه، وبما انتهى أمرهم إليه، فأطلق له السلطان أموالا جزيلة، وأفاض عليه حللا جميلة، ثم استدعاهم السلطان واحدًا واحدًا، فقررهم فأقروا له بذلك، فاعتقلهم، ثم استفتى الفقهاء في أمرهم فأفتوه بقتلهم (^٦)، وتبدد شملهم. فعند ذلك أمر بصلب رؤوسهم وأعيانهم دون أتباعهم وغلمانهم، وأمر بنفي من بقي من جيش العبيديين إلى أقاصى البلاد، وأفرد ذرية العاضد وأهل بيته في دار، فلا يصل إليهم إصلاح ولا إفساد، وأجرى عليهم من الأرزاق كفايتهم (^٧). وقد كان عمارة معاديا للقاضي الفاضل (^٨) فلما أحضر بين يدي السلطان، قام القاضي الفاضل فاجتمع
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٤، حيث نقل العينى عنه بتصرف.
(٢) "المصير" في نسختى المخطوطة وهو خطأ. والمثبت من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٤.
(٣) "ويتداخل" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٤، وهو أولى.
(٤) "عقولهم وتعجيل دمارهم" في البداية والنهاية ج ١٢، ص ٢٩٤.
(٥) هو: زين الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنايم الأنصاري. الفقيه الواعظ، المعروف بابن نجيّة. توفي سنة ٥٩٩ هـ/ ١٢٠٢ م بمصر. انظر: وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٥٣٠؛ الذيل على الروضتين، ص ٣٤، طبقات الحنابلة، ج ١، ص ٤٣٦؛ الدارس، ج ٢، ص ٦٧.
(٦) عن هذه الحادثه انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦٠ - ٥٦١.
(٧) "ما يليق بهم من الأرزاق والثياب" في البداية والنهاية: ج ١٢، ص ٢٩٥.
(٨) هو: أبو على عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن البيساني، المولى الأجل القاضي الفاضل. وقد عاصر فترتين من فترات الحكم في مصر، سقوط الفاطمي وقيام الأيوبي. كما كان صاحب ديوان الإنشاء في عهدي شيركوه وصلاح الدين وقد جعله صلاح الدين كاتبه وصاحبه ووزيره، واعتمد عليه في كل ما يتعلق بشئون دولته. توفي بالقاهرة، سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م. انظر: خريدة القصر، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ٣٥؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ١٥٨؛ البداية والنهاية، ج ١٣، ص ٢٧ - ٢٩.
[ ١ / ١٤٥ ]
بالسلطان ليشفع فيه، فتوهم [عمارة] (^١) أنه يكلمه فيه فقال: يا مولانا السلطان لا تسمع منه. فغضب القاضي الفاضل، ونهض وخرج من القصر، فقال له السلطان: إنه كان قد شفع فيك، فندم ندمًا عظيمًا، ولما ذهب به ليُصْلب اجتاز بدار القاضي، فطلبه، فتغيب عنه، فأنشد عند ذلك:
عُبَيدُ (^٢) الرحيم قد احْتجَبْ … إنَّ الخلاصَ هو الْعَجَبْ (^٣)
وفي تاريخ الدولتين (^٤): وكان صلب المذكورين يوم السبت ثاني شهر رمضان، وكان الذين صلبوا منهم: المفضل (^٥) بن كامل (^٦) القاضي، وابن عبد القوى الداعي، والعوريس (^٧)، وكان قد تولى ديوان النظر (^٨) ثم القضاء بعد ذلك، وشبرما (^٩) كاتب السر، وعبد الصمد أحد أمراء المصريين، ونجاح الحمامي، ورجل منجم نصراني أرمني، كان قال لهم إن أمرهم يتم بطريق علم النجوم، وعمارة اليمنى الشاعر.
قال العماد في البرق: ووصل من صلاح الدين يوم وفاة نور الدين إلى دمشق كتاب يتضمن هذه القضية، وهو بخط ابن قريش يعني المرتضي (^١٠). وفي قضية عماره هذه
_________________
(١) ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥.
(٢) "عبد" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥.
(٣) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦٩.
(٤) انظر: الروضتين ج ١، ق ٢، ص ٥٦٠ - ٥٦٢. حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٥) "الفضل" في نسخة ب، أما المقريزي فقد ذكر في السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٣: أنه: القاضي المفضل ضياء الدين نصر الله بن عبد الله بن كامل وهو خطأ. وقد ذكر العماد أنه: أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل، القاضي المفضل، قاضي قضاة الديار المصرية زمن الفاطميين، الملقب بفخر الأمناء. انظر: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ١٨٦ - ١٨٧؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥؛ اتعاظ الحنفا، ج ٣، ص ٢٢٣، ٢٧٨، ٣١٨. ويؤيد ذلك ما ذكر في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦١.
(٦) "ابن كامل" مكرر في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٦١.
(٧) "العورس" في نسخه ب.
(٨) تقاصر منصب الوزارة بمصر منذ عصر الأيوبين وشارك الوزير في أعماله وتصريفها النظارُ. وتنوعت ألقاب هؤلاء بحسب الأعمال التي آلت إليهم فمنهم ناظر الدولة ويسمى أيضًا ناظر الدواوين وأحيانا ناظر النظار أو الصاحب الشريف. وعمله مشاركة الوزير في التصرف عامة، والنظر في المالية وأرزاق أصحاب القلم من الموظفين خاصة. ومقره ديوان النظر. انظر: صبح الأعشى، ج ٥، ص ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٩) "شهريا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦١؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ٥٧.
(١٠) هو: القاضي المرتضي صفي الدين أبو المجد عبد الرحمن بن علي بن عبد العزيز بن على بن قريش المخزومي، أحد كتاب الإنشاء في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو صاحب قيسارية ابن قريش بالقاهرة. قتل شهيدا على عكا سنة ٥٨٦ هـ/ ١١٩٠ م. المقريزي: الخطط، ج ٢ ص ٨٦.
[ ١ / ١٤٦ ]
يقول: العلامة تاج الدين (^١) الكندي -﵀- قال أبو شامة (^٢): نقلته من خطه:
عُمارَةُ في الإسلام أبْدَى خيانةً (^٣) … وبايعَ فيها بَيْعةً وصَليبَا
وأمسى شريكَ الشِّرك في بُعض أحمد … فأصْبح في حُبِّ الصَّليبِ صَليبَا
وكان حثيث (^٤) الملتقَى إنْ عَجَمْتَهُ … تجِدْ منه عُودًا في التِّفاق صَليبَا
سيلقى غدًا ما كان يَسْعَى لأجْله … ويُسْقى صَديدًا في لظى وصَليبَا
قلت (^٥): الصليب الأول صليب النصارى، والثاني بمعني مصلوب، والثالث من الصلابة، والرابع وَدَك العظام. وقيل هو الصديد أي يُسقى ما يسيل من أهل النار، نعوذ بالله منها (^٦). وقال ابن أبي طىّ الحلبي: وكان (^٧) داعى الدعاة يعلم بدفائن القصر، فعوقب؛ ليُعْلِم بها، فامتنع من ذلك، فمات واندرست.