منها أنه لما استهلت هذه السنة كان صلاح الدين مقيما بالقاهرة، مواظبا على سماع الأحاديث، وجاء كتاب من نائبه بالشام عز الدين فرخشاه؛ يهنئه بما مَنَّ الله تعالي به على الناس من كثرة ولادة النساء من التوأم، جبرًا لما كان أصابهم في العام الماضي من الوباء والفناء، وبأن الشام مخصب بإذن الله، جبرًا من الله تعالى لما كان أصابهم في العام الماضي من الجدب والغلاء (^٢).
ومنها أن في شوال منها توجه صلاح الدين إلى الإسكندرية، و[خيم بظاهرها عند عمود السواري] (^٣)، فشاهد ما أمر به من تحصين سورها وعمارة أبراجها وقصورها، وسمع موطأ الإمام مالك (﵀) على الشيخ أبي طاهر بن عوف عن الطرطوشي، وسمع ذلك معه العماد الكاتب، وأرسل القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين رسالة؛ يهنئه بهذا السماع (^٤).
ومنها أن صلاح الدين ولى أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب نيابة اليمن، فملَّكه عليها وأرسله إليها؛ وذلك لاختلاف نوابها واضطراب أصحابها بعد وفاة الملك المعظم توران شاه أخي السلطان صلاح الدين، الذي كان افتتحها، فسار طغتكين إليها فوصلها في سنة ثمان وسبعين، فسار فيها أحسن سيرة، وأكمل بها المعدلة والسريرة، فاحتاط على أموال [حِطَّان] (^٥) بن منقذ [الكناني] (^٦) نائب زَبيد، وكانت
_________________
(١) ورد هذا الحدث بتصرف في الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٦٧ - ٦٨؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣٠.
(٢) ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٦٤؛ البداية والنهاية، ج ٢، ص ٣٢٩.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ. ومثبت في ب، وهو عمود أحمر منقط من الصوان، كان حوله ٤٠٠ عمود كسرها قراجا والى الإسكندرية في أيام السلطان صلاح الدين. ولمعرفة المزيد عن هذا الموضوع انظر المقريزي: الخطط، ج ١، ص ٢٥٧ - ٢٦١، طبعة (مكتبة الآداب).
(٤) الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٧٦.
(٥) "خطاب" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الكامل ج ١٠، ص ١٠٦؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٧٩؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ١٤٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣٠.
(٦) ما بين الحاصرتين إضافة من الكامل، ج ١٠، ص ١٠٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
تقارب ألف ألف دينار. وأما نائب عدن فخر الدين عثمان الزنجيلي (^١)؛ فإنه خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين فسكن الشام، وله أوقاف مشهورة باليمن ومكة، وإليه تنسب المدرسة الزنجيلية (^٢)، خارج باب توما، تجاه الطعم (^٣)، وكان قد حصل منها أموالا [جزيلة] (^٤). وفي تاريخ بيبرس: وفيها سير صلاح الدين (^٥) جماعة من أمرائه منهم صارم الدين خُتْلجُ (^٦) وغيره إلى اليمن؛ لاختلاف نواب شمس الدولة بها، وكان الاختلاف بين عز الدين عثمان الزنجيلي وحطان بن منقذ، وجرت بينهما حرب، ورام كل واحد منهما أن يتغلب على ما بيد الآخر، فاتفقت وفاة ختلج، وتولي (^٧) حطان بن منقذ إمارة زبيد، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته، وقبض صلاح الدين على سيف الدولة مبارك بن منقذ الكناني؛ لأنه كان نائبا عن شمس الدولة باليمن، فترك أخاه حطانًا بها، وجاء إلى شمس الدولة إلى مصر. فلما اتفقت وفاة شمس الدولة صار إلى صلاح الدين، فقيل له أنه أخذ مال اليمن وأدخل، فاعتقله صلاح الدين، ثم صالحه على ثمانين ألف دينار، فأخذها منه وأطلقه. قلت: حطان المذكور هو ابن كامل بن منقذ الكناني من بيت صاحب شيزر.
ومنها أنه ولد لصلاح الدين ولدان وهما: الملك المعظم توران شاه، والملك المحسن أحمد، وكان بين ميلادهما سبعة أيام، فزينت البلاد واستمر الفرح والسرور (^٨).
وفي تاريخ الدولتين (^٩): الملك المحسن أبو العباس أحمد ظهير الدين ولد بمصر في ربيع الأول من هذه السنة، وهو لأم الأشرف. والملك المعظم أبو منصور توران شاه فخر
_________________
(١) "الزنجبيلي" الكامل، جـ ١٠، ص ١٠٦؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣٠؛ النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٩١. وقد أجمعت المصادر على أنه "عز الدين" بينما انفرد ابن كثير بذكره "فخر الدين".
(٢) المدرسة الزنجيلية: ويقال المدرسة الزنجارية أنشأها الأمير عز الدين أبو عمرو عثمان بن على الزنجيلي سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م خارج باب توما أحد أبواب مدينة دمشق. الدارس في تاريخ المدارس، ج ١، ص ٥٢٦ - ٥٢٩.
(٣) "المطعم" كذا ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣٠.
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أو مثبت في نسخة ب.
(٥) انظر الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٠.
(٦) "صارم الدين قطلغ أبه" في الكامل، ج ١٠، ص ١١١ - ١١٢؛ وذكره أبو شامة "صارم الدين خطلبا" في الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٠.
(٧) "تولي" مكررة في نسخة ب.
(٨) انظر الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣١.
(٩) الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٨٤.
[ ١ / ٣٠٩ ]
الدين، ولد في مصر في ربيع الأول من هذه السنة، ومات سنة ثمان وخمسين وستمائة، وهي السنة التي أخرب العدو من التتار - مدينة حلب وغيرها.