منها أنه خرج من دمشق فى العشر الأول من ربيع الأول، ونزل قرب طبرية، وشن الإغارة على بلاد الإفرنج مثل بيسان (^٧) وجينين (^٨) والغور (^٩)، فغنم منها وقتل جماعة. وقال ابن كثير (^١٠): واقتتل مع الفرنج تحت حصن كوكب (^١١)، فقتل خلق من الفريقين،
_________________
(١) الحسا: موضع بالشام. انظر: معجم البلدان، جـ ٢، ص ٢٠٢.
(٢) وادى موسى: ينسب إلى موسى بن عمران، وهو واد فى قبلى بيت المقدس بينه وبين أرض الحجاز. انظر: معجم البلدان، جـ ٤، ص ٨٧٩.
(٣) انظر: البداية والنهاية، جـ ١٢، ٣٣١، حيث نقل العينى هذا النص عنه بتصرف.
(٤) "تاج الدين" فى نسخة ب.
(٥) يقصد به "النهر الأزرق" وهو أحد نهيرات الفرات الأعلى، ويجرى بين بَهَسْنا وحصن منصور فى طرق بلاد الروم من جهة حلب. معجم البلدان، جـ ٤، ص ٨٣٤؛ السلوك، جـ ١، ص ٢٤٨؛ زبدة الحلب، جـ ٣، ص ٢١٧.
(٦) "عشرة" كذا فى الأصل، والصحيح ما أثبتناه.
(٧) بَيْسَان: مدينة بالأردن بالغور الشامى وهى بين حوران وفلسطين. انظر: معجم البلدان، جـ ١، ص ٧٨٨.
(٨) جينين: بليدة حسنة بين نابلس وبيسان من أرض الأردن. انظر: معجم البلدان، جـ ٢، ص ١٨٠.
(٩) الغور: هو غور الأردن بالشام بين بيت المقدس ودمشق، وهو منخفض عن أرض دمشق وأرض بيت المقدس، ولذلك سمى الغور وفيه نهر الأردن، انظر: معجم البلدان، جـ ٣، ص ٨٢٢.
(١٠) نقل العينى هذا النص من البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣١.
(١١) حصن كوكب: اسم قلعة على الجبل المطل على مدينة طبرية تشرف على الأردن. انظر: معجم البلدان، جـ ٤، ص ٣٢٨.
[ ١ / ٣١٦ ]
ولكن كانت الدائرة للمسلمين، ثم رجع مؤيدا منصورا إلى دمشق، ثم سار إلى بيروت وحصرها وأغار على بلادها، ثم عاد إلى دمشق.
وفى تاريخ بيبرس: وفيها سار صلاح الدين من دمشق إلى بيروت فحاصرها ونهب ماوجد، وأمر أسطول مصر أن ينزلوا عليها ويحاصروها، فكان وصوله لها قبل وصولهم، وكان عازما على حصارها إلى أن يفتحها، وأتاه الخبر بأن بُطسةً عظيمة ألقاها البحر إلى دمياط، خرج من فيها من الفرنج للحج إلى بيت المقدس، فأسروا من بها، فكانت (^١) عدة الأسرى ألفا وستمائة وستة [وسبعين] (^٢) أسيرًا، فضربت بذلك البشائر.
ومنها أنه سار إلى البلاد الحلبية والجزرية؛ [٢٢٣ ظ] ليأخذها، وذلك أن المواصلة والحلبية قد كاتبوا الفرنج حتى تغزوا على أطراف البلاد؛ ليشغلوا السلطان صلاح الدين بنفسه عنهم، فكان سَيْرُه على بلاد البقاع، ثم إلى حماة ثم إلى حلب، فحاصرها ثلاثًا، ورأى أن العدول إلى غيرها أولى به، فسار حتى قطع الفرات من البيرة، وصار معه مظفر الدين كوكبورى صاحب حران. وكاتب ملوك تلك الأطراف واستمالهم، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا، وصار معه، ونازل السلطان مدينة الرُّها وحاصرها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبورى.
ثم سار إلى الرقة وأخذها من قطب الدين ينال بن حسان المنبجى، فسار هو إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل، ثم سار صلاح الدين إلى خابور وملكها، وملك أيضًا قرقيسيا (^٣)، وماكسين (^٤)، وعربان (^٥)، واستولى على الخابور جميعها، ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة، ثم ملك القلعة وأقطعها أميرًا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين.
_________________
(١) "كان" في نسخة ب. وقد ورد هذا الخبر بتصرف في الكامل، جـ ١٠، ص ١١٢؛ الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ٩٣.
(٢) "سبعون" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصحيح ما أثبتناه.
(٣) قرقيسيا: بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات. معجم البلدان، جـ ٤، ص ٩٦.
(٤) ماكسين: بلد بالخابور قريب من رحبة مالك بن طوق من ديار ربيعة. معجم البلدان، جـ ٤، ص ٣٩٦.
(٥) عَربَانَ: بليدة بالخابور من أرض الجزيرة. معجم البلدان، جـ ٣، ص ٦٣٢.
[ ١ / ٣١٧ ]
ثم سار عن نصيبين وقصد الموصل، وقد استعد صاحبها مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار، فأقام عليها منجنيقا، وأقاموا عليه من داخل المدينة مجانيق، وضايق الموصل، فلما رأى طول الحصار رحل عنها إلى سنجار وحاصرها وملكها، واستناب بها سعد الدين بن معين الدين، وكان من أكبر الأمراء.
ثم سار صلاح الدين إلى حران، وعزل عن نصيبين في - طريقه - أبا الهيجاء السمين، ثم عاد إلى حلب وقد استحوذ على بلاد الجزيرة كلها، وخضعت له الملوك هناك.
ولما وصل إلى حلب تسلمها من صاحبها عماد الدين زنكى، وقد كان قايض أخاه عز الدين مسعود بها إلى سنجار كما ذكرنا في العام الماضي، فاستوسقت (^١) له الممالك شرقا وغربا وبُعدا وقربا، وتمكن حينئذ من قتال أعدائه من الفرنج - لعنهم الله - وتملكه حلب وغيرها إنما كان في السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى (^٢).
وفى تاريخ بيبرس: عبر صلاح الدين الفرات وملك الديار الجزرية، وسبب ذلك أن مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على بن بكتكين - مقطع حران - أرسل إلى صلاح الدين؛ يعلمه أنه معه وأنه محب لدولته، ووعده النصر، وأنه إذا عبر الفرات يعينه ويعرفه أخذ البلاد، فرحل عن بيروت، وَرُسُل مظفر الدين متواترة إليه؛ تحثه على القدوم، فجدَّ السير يُظهر أنه يريد حصر حلب. ولما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين واجتمع به، فقصد البيرة، وكان صاحبها مع صلاح الدين وفى طاعته، فعبر هو وأصحابه من الجسر الذى عند البيرة.
وكان عز الدين مسعود ومجاهد الدين قايماز، لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى الشام، قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين، ليكونًا على أهبة لئلا يتعرض صلاح الدين إلى حلب، ثم تقدما إلى دارا (^٣) فنزلا [٢٢٤ و] عندها، فجاءهما أمر لم يكن في
_________________
(١) استوسق الأمر: انتظم. المعجم الوجيز، ص ٦٦٩، مادة "وسق".
(٢) وردت هذه الأحداث بتصرف في زبدة الحلب، جـ ٣، ص ٥٩؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٢؛ الكامل، جـ ١٠، ص ١١٢ - ١١٤.
(٣) دارا: بلدة في لحف جبل بين نصيبين وماردين، معجم البلدان جـ ٢، ص ٥١٦.
[ ١ / ٣١٨ ]
الحساب، فلما بلغهما عبور الفرات عادا إلى الموصل، وأرسلا إلى الرها عسكرا يحميها ويمنعها، فلما سمع صلاح الدين ذلك قوى طمعه في البلاد، وكاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم وبذل لهم البذول على نصرته، فأجابه نور الدين بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا؛ لقاعدة كانت بينهما لما كان عنده بالشام، فقصد آمد وحصرها وقاتلها أشد القتال، وكان بها مقطعها الأمير فخر الدين "مسعود" (^١) الزعفرانى، فطلب الأمان وسلم البلد، وصار في خدمة صلاح الدين، ولما ملك المدينة زحف إلى القلعة، فسلمها إليه الدزدار الذى بها على مال أخذه. ولما ملكها صلاح الدين سلمها إلى مظفر الدين كوكبورى مع حران.
ثم سار إلى الرقة وبها مقطعها قطب الدين ينال المنبجى، فسار عنها إلى عز الدين مسعود وملكها صلاح الدين، وسار إلى الخابور، وقرقيسيا، وماكسين، وعربان، فملك جميع ذلك. فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين فملك المدينة لوقتها، وحصر القلعة أياما، فملكها وأقام بها؛ ليصلح شأنها، ثم أقطعها أبا الهيجاء السمين، وسار عنها.
ومنها أنه لما ملك نصيبين جمع أمراءه وأرباب المشورة، فاستشارهم بأى البلاد يبدأ، بالموصل أو بسنجار أو بجزيرة ابن عمر؟ (^٢) فاختلفت آراؤهم، فقال له مظفر الدين: لا ينبغى أن نبدأ بغير الموصل، فإنها في أيدينا لا مانع لها، وأن عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز متى سمعا بمسيرنا إليها تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع [الجبلية] (^٣)، ووافقه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكان قد بذل لصلاح الدين مالًا كثيرًا؛ ليقطعة الموصل إذا ملكها، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، فأشار بهذا الرأى لما في نفسه، وسار صلاح الدين إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين نائبه قد جمعا عسكرا كثيرًا من فارس وراجل، وأظهرا من آلات الحصار ما حارت له الأبصار،
_________________
(١) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٢) ورد هذا الحدث بالنص في ابن الأثير، الكامل، جـ ١٠، ص ١١٤؛ وذكره بتصرف ابن العديم في زبدة الحلب، جـ ٣، ص ٥٩ - ٦٠؛ أيضًا ذكره أبو شامة بتصرف في الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ١٠٣ - ١٠٤.
(٣) "الحلبية" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الكامل، جـ ١٠، ص ١١٤ حيث ينقل العينى عنه هذا النص حرفيًا.
[ ١ / ٣١٩ ]
وبذلا الأموال الكثيرة، وشحنا ما بقى بأيديهم من البلاد كالجزيرة، وسنجار، وغيرها، بالرجال والسلاح والأموال، ولما قارب صلاح الدين الموصل ترك عسكره، وانفرد هو ومظفر الدين وناصر الدين ابن عمه، ومعهم نفر من أعيان دولته، وقربوا من البلد، فرأى ماهاله من عظم البلد، ورأى السور قد مُلئ من الرجال، وليس فيه شُرافة إلا وعليها مقاتل سوى من عليه من عامة البلد، فعلم أنه لا يقدر عليه، وأنه متى نازله وعاد عنه انكسر ناموسه، ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد، فنازله وضايقه، ونزل محاذيا باب كندة، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر، وأنزل أخاه تاج الملوك عند الباب العمادى، وأنشب القتال، فلم يظفر، وأقام أياما ولم ينل منها شيئًا.
[٢٢٤ ظ] وترددت الرسل إلى عز الدين مسعود ومجاهد الدين في الصلح، فطلب عز الدين إعادة البلاد التى أخذت منهم، فأجاب صلاح الدين إلى ذلك بشرط تسليم حلب إليه، فامتنع عز الدين ومجاهد الدين، ولم ينتظم صلح ولا تم أمره، فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضا، وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصده من عساكره وأصحابه، سار عن الموصل إليها، وسنذكر ما جرى بعد ذلك في السنة الآتية إن شاء الله تعالى (^١).