منها أن نور الدين برز إلى الإفرنج، وكانوا قد اجتمعوا بالشام؛ لقصد مدينة زُرع (^٢)، فوصلوا إلى [سَمكين] (^٣)، فهربوا من نور الدين إلى الغَور (^٤)، ثم إلى السَّواد (^٥)، ثم إلى [الشلالة] (^٦)، فبعث نور الدين سرية إلى طبرية (^٧)، فعاثوا هنالك، وسبوا وقتلوا وغنموا وعادوا. ورجعت الفرنج خائبين (^٨).
_________________
(١) * يوافق أولها ٢٣ أغسطس ١١٧٢ م.
(٢) يرسم الاسم أيابه أو أيابا أو أى به.
(٣) زُرع: تدعى قديما "زُرًّا" من أعمال حوران. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٩٢١.
(٤) "سمسكين" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٨. وهي ناحية من أعمال دمشق من جهة حوران. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ١٤٠ - ١٤١.
(٥) الغور: المنخفض من الأرض، معجم البلدان، ج ٣، ص ٨٢١.
(٦) السواد قرب البلقاء، وسميت بذلك لسواد حجارتها. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ١٧٤.
(٧) ذكرها العيني برسمين "السلالة"، "انشلالة". والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٨؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٢٧؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ٢٨٩.
(٨) طبرية: بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية من أعمال الأردن. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٥٠٩.
(٩) ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٨؛ الكامل، ج ١٠، ص ٤٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
ومنها أن نور الدين فتح في هذه السنة مرعش في ذي القعدة، وأخذ بَهَسْنَى في ذى الحجة منها.
ومنها أن كلب الروم (^١) اللعين خرج في جنوده الشياطين، فقصد الغارة على ناحية زُرَّا من حوران، ونزلوا بقرية تعرف [بسمكين] (^٢). فركب نور الدين وهو نازل بالكسوة (^٣) إليهم، فلما عرفوا وصوله، رحلوا إلى الفوار ثم إلى السواد، ثم نزلوا بالشلالة (^٤)، ونزل نور الدين عشترا (^٥)، فأنفذ سرية إلى أعمال طبرية، واغتنموا خُلُوّها، فلما عادت لحقها الفرنج عند المخاضة، فوقف الشجعان حتي عبرت السرية، ورحل نور الدين من عشترا فنزل بظاهر زُرَّا.
قال العماد: وكنت راكبًا في لقائهم مع الملك العادل وهو يقول لي: كيف تصف ما جرى، فمدحته بقصيدة (^٦) منها:
عُقِدَتْ بنَصركَ رَايةُ الإيمانِ … وبَدَت لعَصرِكَ آيةُ الإحسَانِ
يا غالب الغُلب المُلوكِ وصَائدَ الصِّـ … ـــيدِ اللُّيُوثِ وفارسَ الفُرسَانِ
يا سَالِبَ التّيجان من أربَابِها … حُزتَ الفَخَارَ علَى ذَوِى التّيجانِ
محمودٌ المحمودُ ما بينَ الوَرَى … في كلٍّ إقليمٍ بكلِّ لسانِ
يا واحدًا في الفضلٍ غير مُشَارَكٍ … أقسَمتُ مالَك في البَسيطَةِ (^٧) ثان
ومنها:
وجَلَوت نُورَ الدّينِ ظُلمَةَ ظُلمِهم (^٨) … لما أَتَيتَ بوَاضِح البُرهَانِ
وهَزَمتَهُم بالرأي قبل لِقائِهم … والرأىُ قبلَ شَجاعَةِ الشُّجعَانِ
أصبحتَ للإسلامِ رُكنا ثابتًا … والكُفرُ منك مضَعضَعُ الأركَانِ
_________________
(١) يقصد بذلك امبراطور الروم Manuel Comenus الذي حكم بين سنتي ١١٤٣ - ١١٨٠ م / ٥٣٨ - ٥٧٦ هـ.
(٢) "بسمسكين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين.
(٣) الكسوة؛ أول منزل تنزله القوافل التي تخرج من دمشق في اتجاه مصر، انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٧٥.
(٤) "الشلالة" الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٢٨.
(٥) عشترا، موضع بحران من أعمال دمشق. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٦٧٩.
(٦) وردت هذه القصيدة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٩ - ٥٣٠. وقد وردت بعض أبياتها في مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٧) "من ثاني" في نسخة ب وهو خطأ.
(٨) "كفرهم" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٩.
[ ١ / ١٠٦ ]
وهي قصيدة طويلة، مدح فيها أمراءه الحاضرين الجهاد معه (^١) ومدحه.
ومنها أن نور الدين سار قاصدًا جانب الشمال، فسار إلى بعلبك، ومنها إلى حمص، ثم حلب، وفعل في كلٍّ منها من المصالح ما وجب، وقصد بلاد قليج أرسلان ملك الروم، وكان العماد معه، ووصل إلى مرعش، وكان الزمان في أطيب فصوله، وهو زمن المشمش. وكتب العماد إلى صديق له بدمشق:
كتَابي فَديتُكَ، من مَرعَش … وخوفُ نوَائِبها مُرعِشِى
وما مَرَّ في طُرقها مُبصرٌ (^٢) … صحيحُ النواظر إلَّا عشي (^٣)
وما حَلّ في أرضِها آمنٌ … من الضُّرِّ والضِّيَّم إلَّا خَشِى
تُرَنِّحُنى نشوات الغرام … كأنِّي (^٤) من كأسه مُنتَشى
أُسرُّ وأُعلِنُ برحَ الجَوَى … فَقَلبي يُسرُّ ودمعي يَشِى
بذلتُ لكُم مُهجَتي رِشوةُ … فَحَاكِمُ حُبِّكُم مُرتَشي
وَكَيفَ يَلَذُّ الكَرَى مُغرمٌ … بِنَارِ الغَرامِ حَشَاهُ حُشِى
بمَرعش أبغى (^٥) وبَلُّوطِها … مضاهاة جِلَّقَ والمِشمِشِ
قال العماد في الخريدة: فسارت هذه القطعة، ونُمي حديثها إلى نور الدين، فاستنشدنيها، فأنشدتها إياه، ونحن سائرون في وادٍ كثير الأشجار، مع بيتين بدهت بهما (^٦) في الحال، [وهما] (^٧):
وبالمَلِكِ العادلِ استأنستُ … نجاحًا مُنَي كُلِّ مستَوحِشِ
وما فِي الأنَامِ كريمٌ سِوَاه … فإن كُنتَ تنكِر ذا [فتِّشِ] (^٨)
_________________
(١) "معهم" في نسخة ب.
(٢) "مُنصر" في نسخة ب.
(٣) "غشى" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٣.
(٤) "كأنني" في نسخة ب، وهو خطأ إذ يخل بوزن البيت.
(٥) "أبقى" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٣.
(٦) "بدهتهما" في نسخة ب.
(٧) ما بين الحاصرتين مثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٣، وذلك لاستقامة النص.
(٨) "ففتش" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٣.
[ ١ / ١٠٧ ]
قال ابن الأثير (^١): وفي سنة ثمان وستين سار نور الدين نحو ولاية الملك عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وهي ملطية (^٢)، وسيواس (^٣)، وقونية (^٤)، وأقصرا (^٥)، عازما على حربه، وأخذ بلاده منه. وكان سبب ذلك أن ذا النون (^٦) بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس وغيرهما من تلك البلاد، قصده قليج أرسلان، وأخذ بلاده، وأخرجه عنها طريدا فريدا، فسار إلى نور الدين مستجيرًا به، وملتجئا إلى ظله، فأكرم نزله، وأحسن إليه، وحمل له ما يليق أن يحمل للملوك (^٧)، ووعده النصرة والسعى في رد ملكه إليه (^٨). وأرسل [ذو النون] (^٩) إلى قليج أرسلان، وشفع إليه في إعادة ما غلبه عليه من بلاده، فلم يجبه إلى ذلك، فسار نور الدين نحوه، فابتدأ بكيسون، وبهسنى، ومرعش، ومرزبان، فملكها وما بينها من الحصون (^١٠)، وسير طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها. وكان قليج أرسلان لما بلغه قصد نور الدين بلاده قد سار من "أطرافها" (^١١) التي تلي الشام إلى وسطها؛ خوفا وجزعًا، وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح والصفح عنه، فأجابه إلى الصلح (^١٢)، وكان في جملة رسالة نور الدين إليه: إنني أريد منك أمورا وقواعد، ومهما تركت منها فلا أترك ثلاثة أشياء:
_________________
(١) الكامل، ج ١٠، ص ٤٨ - ٤٩.
(٢) ملطية: ثغر من ثغور الجزيرة مما يلي الروم، وهي مدينة كبيرة من أكبر الثغور، وبين ملطيه ومنبج أربعة أيام، انظر: الاصطخري: المسالك والممالك، ص ٤٣ - ٤٨.
(٣) سيواس: بلد بالروم، إحدى بلاد آسيا الصغرى وتقع على مسافة ٦٠ ميلا من قيسارية. انظر: ابن عبد الحق: مراصد الاطلاع، ج ٢، ص ٧٦٨.
(٤) قونية: من أعظم مدن الإسلام بالروم: معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٠٤.
(٥) أقصرا: يطلق عليها الآن أق سراي وهي قرب قونية. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٠٤ "داخل مادة قونية"؛ انظر: السلوك ج ١ ق ١، ص ١٣٩ حاشية ٤.
(٦) أمير تركي كون لنفسه إمارة مستقلة عن السلاجقة في مدن ملطية وسيواس وقيسارية أثناء تقدم السلاجقة نحو آسيا الصغرى، وقد حكم ذو النون في مناسبتين أولاهما بين سنتي ٥٣٧ - ٥٥٠ هـ/ ١١٤٢ - ١١٥٥ م، وثانيهما بين سنتي ٥٦٤، ٥٩٩ هـ /١١٩٩ - ١١٧٤ م. انظر: معجم الأنساب، ج ١، ص ٢٢٠ - ٢٢١.
(٧) "إلى الملوك" في الباهر، ص ١٦٠.
(٨) ورد هذا النص في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٣ - ٥٤٤، الباهر، ص ١٦٠.
(٩) ما بين الحاصرتين إضافة من الباهر، ص ١٦٠.
(١٠) الكامل، ج ١٠، ص ٤٨ - ٤٩؛ كما ورد النص بتصرف في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٤.
(١١) "طرقها" في الكامل، ج ١٠، ص ٤٩.
(١٢) وردت الرواية في الباهر بتصرف، ص ١٦٠.
[ ١ / ١٠٨ ]
أحدها: أن تجدد إسلامك على يد رسولى؛ حتى يحل لى إقرارك على بلاد الإسلام، فإنى (^١) لا أعتقدك مؤمنا، وكان قليج أرسلان يتهم باعتقاد مذاهب (^٢) الفلاسفة.
والثانى: إذا طلبت عسكرك إلى الغزاة (^٣) تسيره، فإنك قد ملكت طرفا كبيرا من بلاد الإسلام، وتركت الروم وجهادهم، وهادنتهم، فإما أن تكون (^٤) تنجدني بعسكرك؛ لأقاتل بهم الفرنج، وإما أن تجاهد من يجاورك من الروم، وتبذل الوسع والجهد في جهادهم.
والثالث: أن تزوج ابنتك لسيف الدين غازي ابن (^٥) أخي، وذكر أمورًا غيرها. فلما سمع قليج أرسلان الرسالة قال: ما قصد نور الدين إلا الشناعة على بالزندقة (^٦)، وقد أجبته إلى ما طلب، أن أجدد إسلامي على يد رسوله.
واستقر الصلح، وعاد نور الدين، وترك عسكره في سيواس مع فخر الدين عبد المسيح في خدمة ذي النون، فبقى العسكر بها إلى أن مات نور الدين، فرحل العسكر عنها، وعاد قليج أرسلان وملكها (^٧).
ومنها أن مليح بن لاون (^٨) مقدم بلاد الأرمن التجأ إلى نور الدين، وتقوي به على الروم والأرمن. وكانت الدروب أذنة (^٩) والمصيصة (^١٠)، وكان كلب الروم يحمي سيواس ويضبطها بجنده، حتى استولى عليها مليح بن لاون، فكسرهم وقتل وأسر، وساق لنور الدين من مقدمي الروم ثلاثين أسيرًا، فأرسل نور الدين القاضي كمال الدين بن الشهرزوري (^١١) بالأسرى والهدايا إلى الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعه كتاب يشرح هذه الكسرة وما فتح من البلاد.
_________________
(١) "فإنني" في الباهر، ص ١٦٠؛ وفي الروضتين: "إنني"، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٤.
(٢) "مذهب" في الباهر، ص ١٦٠، وفي الروضتين "مذاهب" ج ١ ق ٢، ص ٥٤٤ وهي الأصح.
(٣) "للغزاة" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٤.
(٤) تكون هنا زائدة، وتجعل النص مضطربًا، وقد تركناها حفاظًا على النص.
(٥) "ولد" في الباهر، ص ١٦١.
(٦) "الزندقية" في نسخة ب.
(٧) ورد هذا النص في: الباهر، ص ١٦٠ - ١٦١، ثم توقف العينى عن النقل من ابن الأثير وأخذ ينقل من البرق الشامي للعماد الأصفهاني دون ذكر اسمه.
(٨) "إليون" في نسخة ب.
(٩) أذّنة: بلد من الثغور قرب المصّيصة. معجم البلدان، ج ١، ص ١٧٩ - ١٨٠.
(١٠) المصّيصة: هي مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. معجم البلدان، ج ٣، ص ٥٥٧ - ٥٥٨.
(١١) هو أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري. المتوفي سنة ٥٧٢ هـ/١١٧٦ م بدمشق. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٢٤١ - ٢٤٥.
[ ١ / ١٠٩ ]
ومنها أنه وصل شهاب الدين بن أبي عصرون (^١) بغداد، ومعه توقيع لنور الدين بدرب هارون (^٢)، وصُريفين (^٣)، وخمسين دينارا من دنانير النثار، التي نثرت يوم دخل الشهاب إلى بغداد بالبشارة بالخطبة في مصر، وزن كل دينار عشرة دنانير.
قال العماد (^٤): وكانت ناحيتا درب هرون وصريفين من أعمال العراق لزنكي -والد نور الدين- قديما من إنعام أمير المؤمنين، فسأل نور الدين إحياء ذلك الرسم في حقه، فأنعم بهما الخليفة عليه، ووجه بهما. وكان مراده (﵀) أن يستوهب ببغداد على شاطئ دجلة أرضا، يبنى عليها مدرسة للشافعية، ويقف عليها الناحيتين، فعاقه أمر القدر عن قدرته على الأمر.
ومنها أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين الموفق خالد بن القيسراني؛ ليقيم له حساب الديار المصرية؛ وذلك لأنه استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد، ومقصوده أن يقرر له على الديار المصرية خراج، يحمل إليه كل سنة.