وهي أنه سار إلى الرقة فأخذها، وكذلك نصيبين والخابور وسنجار، وسلمها إلى زوج ابنته، ابن أخيه عماد الدين زنكي (^٥) بن مودود بن زنكي، ثم سار إلى الموصل، فأقام بها أربعة وعشرين يومًا، وأقرها لابن أخيه سيف الدين غازي (^٦) بن مودود مع الجزيرة، وزوجه ابنته الأخرى، وأمر بعمارة جامعها (^٧) وتوسعته، ووقف على تأسيسه بنفسه، وجعل له خطيبًا ودرسًا للفقه، وولي التدريس للفقيه أبي بكر البرقاني (^٨)، تلميذ محمد بن يحيى، تلميذ الغزالي، وكتب له منشورًا بذلك، ووقف على الجامع قرية من
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أو المثبت من ب.
(٢) "ضرب" في نسخة ب.
(٣) نوبة - نوب: لفظ النوبة يطلق على فرق الجند التي تتناوب الوقوف لحراسة شخص أو سلطان، وهي خمس نوبات ويكون تغييرها في الظهر والعصر والعشاء ونصف الليل وعند الصباح. انظر: السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٤٦١، حاشية (٢).
(٤) "احتجاجه" في نسخة ب.
(٥) هو: أبو الفتح وأبو الجود عماد الدين زنكي بن قطب الدين مودود صاحبه سنجار، توفي سنة ٥٩٤ هـ/ ١١٩٨ م. انظر: الباهر، ص ١٩١؛ الكامل، ج ١٠، ص ٢٥٠؛ وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٣٣٠ - ٣٣١.
(٦) هو الملك سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن أتابك الشهيد زنكي. ملك البلاد الجزرية. توفي في صفر سنة ٥٧٦ هـ /١١٨٠ م. انظر: الباهر، ص ١٧٥ - ١٨٠؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤ - ٥.
(٧) جامع الموصل: هو جامع كبير تقام فيه الجمعة - بناه نور الدين محمود وسط السوق. وعن قصة بناء الجامع انظر: الباهر، ص ١٧٠؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٥؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢٠ - ٢١، ج ١ ق ٢، ص ٤٨٠؛ معجم البلدان، ج ٤، ص ٦٨٤. وانظر ما يلى ص ٦١.
(٨) "النوقاني" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٨٠.
[ ١ / ٥٨ ]
قرى الموصل، وذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد عمر (^١) المُلا، وكانت له زاوية يقصد فيها، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد، يحضر عنده الملوك والأمراء والعلماء، ويحتفل بذلك. وقد كان الملك نور الدين صاحبه، ويستشيره في أموره وما يعتمده من المهمات، وهو الذي أشار عليه في مدة مقامه بالموصل بجميع ما فعله من الخيرات، وأسقط عنهم المكوسات والضرائب، وأخرج من بين أهلها الظالم الغاشم فخر الدين عبد المسيح، وسماه عبد الله، وأخذه معه إلى دمشق، فأقطعه إقطاعًا حسنًا. وكان عبد المسيح هذا نصرانيًا، فأظهر الإسلام، وكان يقال: إن له كنيسة في جوف داره، وكان سيئ السيرة في حق العلماء وخاصة المسلمين، وكان نور الدين لم يدخل الموصل حتى قوى الشتاء، فأقام بها كما ذكرنا أربعة وعشرين يومًا، فلما كان آخر ليلة أقام بها، رأى رسول الله - ﷺ - في المنام، وهو يقول له: "طابت لك بلدك، وتركت الجهاد وقتال أعداء الله"، فنهض من فوره إلى السفر، وما أصبح إلا وهو سائر إلى الشام. واستقضى الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون (^٢)، وكان على سنجار، ونصيبين، والخابور، فاستناب فيها ابن أبي عصرون نوابًا من أصحابه.
وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة اتصل بنور الدين بن زنكي أن [سيف الدين (^٣)] غازي، ابن أخيه صاحب الموصل، قد فوض أموره إلى فخر الدين عبد المسيح، وأنه استولي وقام بالأمر وتحكم، فأنف لذلك وكرهه وعظم عليه؛ لأنه كان يبغض فخر الدين المذكور، لما بلغه من خشونة سياسته. وقال: أنا أولي بتدبير أولاد أخي. وسار عند انقضاء الغزاة جريدة في قلة من العسكر، وعبر الفرات عند قلعة جعبر، وملك نصيبين، فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود -صاحب حصن كيفا (^٤) - وكثر جمعه، وكان قد ترك عساكره بالشام؛ لحفظ ثغوره. فلما اجتمعت العساكر، سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المناجيق، وملكها، وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب
_________________
(١) هو: عمر بن محمد بن خضر الإربلي الموصلي، أبو حفص معين الدين، المعروف بالمُلا. شيخ الموصل من العلماء الزاهدين. انظر: الباهر، ص ١٢٩، ١٧٠؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ٣١٠؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٢٠ - ٢١، ج ١ ق ٢، ص ٣٥٢ - ٣٥٣، ص ٤٨٠ - ٤٨٣.
(٢) هو: أبو سعد عبد الله بن أبي السري محمد بن هبة الله بن مطهر بن علي. الفقيه الشافعي، شرف الدين. من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره. توفي في رمضان سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م، انظر: وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٥٢.
(٣) "شهاب الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والتصحيح مما يلي.
(٤) حصن كيفا: ويقال كيبا، وهي بلدة وقلعة عظيمة، مشرفة على دجلة، بين آمد وجزيرة ابن عمر، انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٢٧٧.
[ ١ / ٥٩ ]
الدين، وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرًا، يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم. فسار إلى الموصل، فأتي مدينة بلد (^١)، وعبر الدجلة، وسار فنزل شرق الموصل على حصن نينوي (^٢)، ويوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة. وكان سيف الدين غازي بن أخيه قد أرسل عز الدين (^٣) مسعود بن قطب الدين أخيه إلى أتابك شمس الدين (^٤) ألدكز، صاحب همذان (^٥) وأذربيجان (^٦)، وبلد الجبل (^٧)، وأصفهان، والرّي (^٨)، وتلك الأعمال، يستنجده على عمه نور الدين. فأرسل أيلدكز رسولًا إلى نور الدين؛ ينهاه عن التعرض للموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسلطان، فلا تقصدها، فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلِمَ تُدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب همدان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت الثغور حتى غلب الكُرج (^٩) عليها، وقد بليت أنا بالفرنج، وهم أشجع العالم، ولي مثل ربع بلادك، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم، ولا يحل لى السكوت عنك؛ فإنه يجب علينا حفظ ما أهملت، وإزالة الظلم عن المسلمين.
_________________
(١) مدينة بَلَدَ: هي مدينة قديمة على دجلة، فوق الموصل، بينهما سبعة فراسخ. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٧١٥.
(٢) حصن نِيَنَوي: قرية يونس بن متي بالموصل. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٨٧٠.
(٣) هو المولى السعيد عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي أتابك صاحب الموصل. كان مقدم الجيوش في أيام أخيه غازي. ولما توفي أخوه سيف الدين استقل عز الدين بالملك من بعده. توفي في شعبان سنة ٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م. انظر: الباهر، ص ١٨١ - ١٨٩؛ وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٠٣.
(٤) انظر ترجمته فيما سيأتي ص ١٢١ في وفيات سنة ٥٦٨ هـ.
(٥) همذان: مدينة عتيقة بالجبال بأرض فارس بجوار أذربيجان والموصل والرى. معجم البلدان، ج ٤، ص ٩٨١.
(٦) أذربيجان: إقليم واسع من برذعة مشرقًا إلى أرزنجان مغريًا ويحدها من الشمال بلاد الديلم والجيل والطَّرْم. وعاصمته تبريز. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ١٧١ - ١٧٤.
(٧) بلد الجبل: وهي البلاد المعروفة عند العامة بعراق العجم. وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والري وما بين ذلك من البلاد الجليلة والكور العظيمة. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٢٢؛ تقويم البلدان، ص ٤٠٨.
(٨) الرَّيُّ: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن. وهي مَحَطُّ الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٩٢.
(٩) الكُرج: أمة من المسيحيين كانت مساكنها بجبال القوقاز المجاورة لتفليس، ثم استولوا على تفليس من المسلمين سنة ٥١٥ هـ/ ١١٢١ م. ولم يزالوا متملكين لها حتى أغار عليهم جلال الدين خوارزمشاه سنة ٦٢١ هـ/١٢٢٤ م. انظر: مفرج الكروب، ج ١، ص ١٩٢؛ معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٥١ - ٢٥٢.
[ ١ / ٦٠ ]
فأقام نور الدين على الموصل، وعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد لنور الدين، فعلم ذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه، على أن يقره بيد سيف الدين غازي، ويطلب لنفسه الأمان، فأجابه إلى ذلك، وشرط أن يأخذ فخر الدين معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعًا يرضيه. فسلم البلد في جمادى الأولى من هذه السنة، ودخل القلعة من باب السر، ثم وهب الموصل لسيف الدين غازي ابن أخيه، وأمر بعمارة جامعها، ورتب فيها خصيًا له، يقال له كمشتكين (^١)، وأمره بأن لا ينفرد بن سيف الدين غازي بقليل من الأمور ولا بكثير، وكان مقامه بالموصل أربعة وعشرين يومًا، وعاد إلى الشام.
وفي تاريخ الدولتين (^٢): وجعل نور الدين سعد الدين كمشتكين دُزْ دارًا (^٣) في قلعة الموصل (^٤)، ثم قسم جميع ما خلفه أخوه قطب الدين بين أولاده بمقتضى الفريضة.
ولما كان يحاصر الموصل، جاءته خلعة من الخليفة، فلبسها، فلما دخلها، خلعها على سيف الدين. وقال العماد: استدعاني نور الدين ونحن بظاهر الرقة، وقال: أنست بك، وأمنت إليك، وأنا غير مختار [للفرقة] (^٥). وأمره أن يروح في الرسلية إلى الخليفة، فمضى وسار على البرية بخفير من بني خفاجة (^٦)، فوصل إلى الخليفة، وقضى حاجته، ثم رجع إلى نور الدين وهو يحاصر سنجار، فأخذها وسلمها إلى ختنه (^٧)، ابن أخيه عماد
_________________
(١) وعن دور سعد الدين كمشتكين في علاقة مصر بالشام بعد وفاة نور الدين محمود، انظر تفصيل ذلك في حوادث سنة ٥٦٩ هـ فيما سيأتي.
(٢) انظر الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٧، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٣) دزدار: كلمة فارسية مكونة من لفظين، "دز" أي قلعة، و"دار" أي الحافظ أو الممسك، فكان معناها صاحب القلعة أو متوليها أو حارس القلعة. انظر: المعرب للجواليقي، ص ٣١٥؛ قاموس الفارسية فارسي - عربي.
(٤) قلعة الموصل: سكنها نور الدين بعد فتحه الموصل وتسلمها، ووليها سعد الدين كمشتكين من قبل نور الدين بعد تسلمه الموصل من فخر الدين عبد المسيح سنة ٥٦٦ هـ /١١٧١ م. الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٧ - ٤٧٩.
(٥) "تفرقة" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين وهو يتفق مع سياق الكلام وانظر باقي خطاب نور الدين للعماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٨.
(٦) بنو خفاجة: بطن من بني عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة من العدنانية. وهم أمراء العراق من قديم الزمان. القلقشندى: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٧) الخَتَنِّ: كل من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت. انظر: المعجم الوسيط، ج ١، مادة ختن.
[ ١ / ٦١ ]
الدين زنكي بن مودود بن زنكي. قال (^١): وحضر مجاهد الدين قيماز (^٢) صاحب إربل إلى خدمة نور الدين بالموصل.