أحمد بن محمد بن بكروش (^٢) الحمامي أبو العباس؛ ولد سنة اثنتين وخمسمائة، وقرأ القرآن على أبي القاسم بن الحصين وغيره، وتفقه على أبي بكر الدينوري شيخ ابن الجوزي، وكان يكثر الصوم والصلاة، وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. قال السبط (^٣): وزوجه جدى أكبر بناته، يقال لها ست العلماء.
صدقة بن الحسين بن الحسن أبو [الفرج] (^٤) الحداد؛ ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة، فقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه وأفتى، وقال الشعر، ونظر في الكلام وناظر، وله تاريخ ذيَّل فيه على شيخه ابن الزاغوني، وفيه غرائب وعجائب. وقال ابن الساعي: وكان شيخا عالما فاضلا، وكان فقيرا يأكل من أجرة النسخ، وخط عليه ابن الجوزي (^٥) في منتظمه، ورماه بالعظائم، وأورد من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراوندي (^٦) في الزندقة، قال: وقرأ "الشفاء" لابن سينا؛ وكُتب الفلاسفة، وتغير اعتقاده، وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وتارة يسقف من جنس ابن الراوندي، وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد، وتارة يعترض على القضاء والقدر. قال: وقال لي يوما: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وقال: ما أدري من أين جئنا؟! وإلى أي مطبق (^٧) يريدون أن يحملونا. قال: فلما تحقق هذا عندي هجرته سنين، ولما مات
_________________
(١) بياض بمقدار سطر في النسختين.
(٢) "بكروس" في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٣؛ شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٤٤. انظر ترجمته أيضًا في مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢١٨.
(٣) انظر مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢١٨.
(٤) "أبو الفريح" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٣؛ وفيات الأعيان، جـ ٦، ص ٢٥٣؛ شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٤٥.
(٥) انظر: المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٦) ابن الراوندي: هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، توفي سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م. وفيات الأعيان: جـ ١، ص ٩٤ - ٩٥؛ إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق، ص ٩٦ - ١٠٠، مكتبة دار إحياء الكتب العربية، ١٩٤٧ م.
(٧) "مضيق" في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٣. والمُطْبِقُ: السجن تحت الأرض، المعجم الوسيط، جـ ٢، ص ٥٥٧، مادة "طبق".
[ ١ / ٢٦٦ ]
ما صليت عليه. ومع هذه الفواحش والاعتقاد السَيِّئ كان يُظهر الفقر ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلثمائة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودفن بباب حرب، وقال ابن [الجوزي] (^١): يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر.
محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور (^٢) العطاري المعروف بحفدة؛ ولد بطوس (^٣)، وكانت له معرفة جيدة بالخلاف (^٤)، وَأَنِسَ بالتفسير، وكان يعظ بتبريز، وناظر طويلا ودرس وأفتى، وقدم بغداد بعد الستين وخمسمائة فناظر بها، وتوفي بتبريز في رجب منها.
محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن الزيتوني أبو الثناء (^٥)؛ سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده، وتوفي في رمضان من هذه السنة ببغداد.
محمد بن أبي نصر، أبو سعد بن المعوج (^٦)؛ حاجب الباب. ضربه الباطنية يوم قتل الوزير أبي المظفر، كما نذكره الآن، وحمل إلى داره بنهر معلى (^٧)، فدفن بها.
محمد بن أحمد بن عبد الجبار أبو المظفر الحنفي المعروف بالمشطب (^٨)؛ كان من الفضلاءِ المشاهير، تفقه ودرس وأفتى وناظر، وتوفي في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وذكر في طبقات الحنفية أنه من أهل سِمنان (^٩)، ورحل إلى مرو، وتفقه على أبي الفضل الكرماني وجال في بلاد خراسان، ثم دخل بغداد واستوطنها، وولي التدريس بمدرسة زيرك بسوق العميد، وحَدَّث عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن فرحان
_________________
(١) "ابن كثير" في الأصل وهو خطأ. والصحيح ما أثبتناه بين الحاصرتين. لأن ابن الجوزي هو الذي ذكر هذه العبارة تحديدًا. أما ابن كثير فإنه لم يذكر سوى أن وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة. انظر: المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٥؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣١٩.
(٢) انظر ترجمته في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٦. حيث ينقل العينى عنه.
(٣) طوس: هي مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور عشرة فراسخ. معجم البلدان، جـ ٣، ص ٥٦٠.
(٤) الخلاف: يقصد المسائل الخلافية المختلف عليها. انظر: المنجد، مادة خلف، ص ١٨٩.
(٥) انظر ترجمته في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٧ حيث ينقل عنه العيني.
(٦) انظر ترجمته في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٧.
(٧) نهر معلى: من أنهار بغداد. وينسب إلى المُعلى من كبار قواد الرشيد. انظر: تاريخ بغداد، جـ ١، ص ٩٦.
(٨) انظر ترجمته في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٦.
(٩) سِمْنَان: بلدة بين الري ودامغان. معجم البلدان، جـ ٣، ص ١٤١.
[ ١ / ٢٦٧ ]
السمناني، وأبي نصر أحمد بن الحسين بن رجب السمرقندي، سمع منه عمر بن على القرشي، وكان مولده في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بسمنان، وتوفي يوم السبت الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الخيزران (^١). ومن إنشادِهِ:
يا أَيُّها الباحثُ عن مقْصِدِى … ليَقْتَدِى فيه بمِنْهَاجِي
مِنهاجِي العقْلُ وقمْعُ الهوَى … فَهَلْ لمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِ
عَضُدُ الدولة أبو الفرج الوزير محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر [ابن] (^٢) رئيس الرؤساء، أبي القاسم بن المسلمة (^٣)؛ وزير الخليفة المستضيء، ولد في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار (^٤) المقتفى، وتولى المستنجد فأقره على ذلك، فلما آلت الخلافة إلى المستضيء بأمر الله استوزره، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وله مروءة وإكرام للعلماءِ والفقراءِ، خرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاءِ رابع ذي القعدة، فضربه الباطنية (^٥) أربع ضربات على باب قطفتا (^٦)، فحمل إلى داره هناك، ولم يتكلم إلا أنه قال: الله الله. وقال: ادفنوني عند أبي، ثم مات بعد الظهر، ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع.
وفي المرآة (^٧): لما ولى المستضيء استوزره، وشرع ظهير الدين أبو بكر صاحب المخزن في عداوته، فغير قلب الخليفة عليه، فطلب الحج في هذه السنة، فأذن له، فتجهز جهازا عظيما؛ اشترى ستمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه
_________________
(١) مقبرة الخيزران: من أقدم المقابر التي بالجانب الشرقي من بغداد. وتنسب إلى الخيزران أم موسى وهارون ابني المهدي. وبها قبر أبي حنيفة. انظر: تاريخ بغداد، جـ ١، ص ١٢٥.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من الكامل، جـ ١٠، ص ٨٨؛ وفيات الأعيان، جـ ٦، ص ٢٤١.
(٣) انظر ترجمته في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٦ - ٢٤٧؛ الكامل، جـ ١٠، ص ٨٨ - ٨٩.
(٤) أستاذ دار: وظيفة من وظائف أرباب السيوف، يتولى صاحبها شئون بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان، وله مطلق التصرف في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكسوة. انظر: صبح الأعشى، جـ ٤، ص ٢٠؛ جـ ٥، ص ٤٥٧.
(٥) الباطنية: فرقة من فرق الشيعة. وقد لقبوا بكلمة الباطنية لأنهم قالوا بأن للقرآن ظواهر وبواطن تجري من الأخبار مجرى اللب من القشر. انظر: أبو حامد الغزالي: فضائح الباطنية، الباب الثاني، ص ١١، ط. الدار القومية للطباعة والنشر، ١٩١٤ م.
(٦) "قطعنا" في نسخة ب. وقطفتا: محلة كبيرة بها أسواق بالجانب الغربي من بغداد، بجوار قبر الشيخ معروف الكرخي بمقبرة الدير. انظر: معجم البلدان، جـ ٤، ص ٣٧٤. (ط. دار صادر).
(٧) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٢٠ - ٢٢١.
[ ١ / ٢٦٨ ]
جماعةً من العلماءِ والزهاد، ومارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، ومن الرواية والقرب والزاد وغيره ما لم يحمله وزير. فلما كان يوم الأربعاءِ رابع ذي القعدة ركب في شبارة (^١) وعبر في دجلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويبكون عليه؛ لأنه كان محسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبا من الناس، ولما صعد من الشبارة عند [القلعة] (^٢) ركب وأرباب الدولة بين يديه، وخدم الخاصة، والنقيبان (^٣)، وقاضي القضاة، ما عدا ظهير الدين بن العطار، فإنه لم يودعه. فلما ركب ضُرب البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قطفتا خرج عليه رجل صوفي وبيده قصة (^٤)، فقال: مظلوم، فقال الغلمان: هات قصتك، فقال: ما أسلمها إلا إلى الوزير، فقال: دعوه تعال. فجاءَ إليه، فوثب عليه وضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه بكمه، وبقي على قارعة الطريق ملقى، وتفرق من كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوج، "فإنه" (^٥) رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكين فجرحه، وظهر له رفيقان، فقتلوا وأحرقوا، وحمل الوزير إلى داره بقطفتا وحمل الحاجب إلى داره. وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنه يعانق عثمان بن عفان (- ﵁ -) وكان قد اغتسل قبل أن يخرج من داره، وقال: هذا [غسل] (^٦) الإسلام، وأنا مقتول بغير شك. ولم يسمع منه لما جُرِح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. وكانت وفاته يوم الخميس، فغسل وكفن وحمل إلى جامع المنصور (^٧)، "وصلى عليه ولده الأكبر، ودفن
_________________
(١) شبارة: ج. شبارات. وهي سفينة نهرية صغيرة. أكثر ما تستعمل في العراق بنهر دجلة. انظر: السفن الإسلامية، ص ٧٢ - ٧٣.
(٢) "القرية" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٢٠. حيث ينقل عنه العيني.
(٣) النقباء: جمع نقيب، وهو ممن يعملون عند السلطان أو الأمير، ويقوم بتأدية الخدمات الصغيرة لسيده. صبح الأعشى، جـ ٤، ص ٢١ - ٢٢؛ السلوك، جـ ١ ق ٣، ص ٨٣٧، حاشية ٢.
(٤) القصة: هي طلب أو التماس، يقدمه صاحب الحاجة أو الشكوى إلى السلطان عن طريق موظف خاص اسمه قصه دار. انظر: صبح الأعشى، جـ ٢، ص ٣٥٢، جـ ١٣، ص ١٥٤؛ سنا البرق الشامي، ص ٢٨٥، تحقيق رمضان ششن.
(٥) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٦) "رسل" في نسختى المخطوطة أ، ب؛ ومرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٢٠. وهو خطأ في النسخ، والمثبت بين الحاصرتين هو الأقرب للسياق.
(٧) جامع المنصور: ينسب إلى مشيده أبو جعفر المنصور بناه بجوار قصره المعروف بقصر الذهب، انظر: تاريخ بغداد، جـ ١، ص ١٠٧.
[ ١ / ٢٦٩ ]
عند أبيه، مقابل جامع المنصور" (^١). وحضر أرباب الدولة بأسرهم، وابن العطار صاحب المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة. واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم: أن يتامش واطأ (^٢) الإسماعيلية على قتله لِما كان بينهما، فبعث الخليفة فقبض على يتامش، وأخذ أمواله وحبسه في التاج (^٣). وقال آخرون: إنما وضع الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن وهو الظاهر، أسند الوزير الحديث عن أبي القاسم بن الحصين (^٤) وغيره. وكان فاضلًا عادلا، وخرج ولده إلى الشام، وهو على بن محمد، فأحسن إليه صلاح الدين.
الأمير شهابُ الدين محمود بن تكش الحارمي؛ خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. كان من خيار الأمراء وشجعانهم، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها، وقد حاصره الفرنج هناك وهو مريض، وكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام -كما ذكرنا- فانصرفوا خائبين (^٥)، وتوفي شهاب الدين المذكور بعد ذلك في هذه السنة، وأعطى صلاح الدين حماة لناصر الدين منكورش بن خمارتكين صاحب صهيون (^٦)، وقيل: إنما أعطاها لتقى الدين عمر، وكان ناصر الدين نائبا عنه، والله أعلم.
كمشتكين الخادم؛ خادم نور الدين محمود بن زنكي، وكان من أكابر خدامه، ولاه قلعة الموصل نيابة عنه، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، وأقطعه الملك الصالح حَارِمَ، وأقام بها وعصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه -كما ذكرناه- ثم قتله الملك الصالح كما ذكرناه.
فاطِمَةُ بنت نصر بن العطار (^٧)؛ توفيت يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان منها، ودفنت عند أبيها، وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، ما خرجت من بيتها في عمرها إلا ثلاث مرات لضرورة، وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا، رحمها الله.
_________________
(١) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٢) واطأ: بمعنى وافق. انظر: المصباح المنير، مادة "وطئ".
(٣) التاج: اسم لدار مشهورة ببغداد، وضع أساسها وسماها بهذه التسمية الخليفة المعتضد. معجم البلدان، جـ ١، ص ٨٠٦ - ٨٠٩.
(٤) عن أبي القاسم بن الحصين. انظر: وفيات الأعيان، جـ ٦، ص ١٧١، ضمن ترجمة ابن سعدون القرطبي.
(٥) ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣١٩؛ مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٢٢.
(٦) صهيون: حصن حصين من أعمال حمص. انظر: معجم البلدان، جـ ٣، ص ٤٣٨.
(٧) انظر: ترجمتها في المنتظم، جـ ١٨، ص ٢٤٥؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣١٩.
[ ١ / ٢٧٠ ]