الأبله الشاعر (^٧): أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله، المولّد، المعروف بالأبله البغدادى، الشاعر المشهور، أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر بأيدى الناس كثير الوجود، ومن شعره:
_________________
(١) الداروم، قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر، الواقف فيها يرى البحر. انظر: معجم البلدان، جـ ٢، ص ٥٢٥.
(٢) صدر: قلعة خراب بين القاهرة وأيلة. ياقوت: معجم البلدان، جـ ٢، ص ٣٧٥.
(٣) العُسيلة: ماء في جبل القنان شرقى سميراء. انظر: معجم البلدان، جـ ٣، ص ٦٧٨.
(٤) انظر: الكامل، جـ ١٠، ص ١٢٠ - ص ١٢١.
(٥) انظر: مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٤١.
(٦) بياض في الأصل بمقدار نصف سطر.
(٧) الأبله الشاعر: هو أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله المولّد المعروف بالمولد الأبله البغدادى، توفى سنة ٥٧٩ هـ وقيل ٥٨٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٤٦٣؛ شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٦٦؛ النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٩٥.
[ ٢ / ١٩ ]
زار من أحيا بزَرْتَه … والدجي في لون طرته
قمرُ يَثْنى معانقُهُ … بانة في ثني بُرْدِته
بتُّ استجلى المُدام علَى … غِرّة الواشي وغُرَّته
يا لها من زَوْرةٍ قصُرت … فأماتت طول جَفْوَتِه
حين حلت عقد مصطبري … عقدت من سحر مقلته
آه من خصرٍ له وعلى … خصرٍ (^١) من برْد ريقته
يا له في الحسن من صنم … كلُّنا في جاهليَّته (^٢)
وفي المرآة (^٣): وكأن الأبله يصحب حاجب الباب ابن الدوامي ويمدحه، خرج معه بستان بباب محول (^٤)، وكانت ليلة مقمرة فأخذ ينشد لابن الدوامي قصائد منها: زار من أحيي إلى آخره. فلما أنهاها قال له ابن الدوامي: يا حجة العرب هذه القصيدة لك. فقال: نعم. فصاح صائح من داخل البستان: يكذب ما هي له. فخاف ابن الدوامي وغلمانه وقاموا إلى الباب وهو مغلق فطافوا البستان فلم يروا أحدًا فعادوا وجلسوا، فقال له ابن الدوامي: أنشدنا أخرى، فأنشده، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب ما هي له. فقاموا وفتشوا فلم يجدوا (^٥) أحدًا. فقال: أنشدنا أخرى، فأنشده ثالثة، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب ما هي له. فقال الأبله: خبره ما هي لي، فلمن هي؟ فقال: لي. قال: ومن أنت؟ قال: شيطانك الذي أعلمك قول الشعر. فقال له: صدقت، والله يحفظك علىَّ ولا يفرق بيني وبينك.
قال: ابن الرومي الشاعر (^٦): مرض الأبله، فدخلت عليه أعوده، فقال: ما بقيت أقدر أنظم شيئًا. قال: فقلت فما سببه؟ قال: إن تابعي قد مات. وتوفي بعد ذلك في جمادى الآخرة وترك ثلاثة آلاف دينار.
_________________
(١) "رشفة" في وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٦٣.
(٢) انظر هذه الأبيات في: وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٦٣؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٤٢.
(٣) مرأة الزمان، ج ٨، ص ٢٦٢ - ص ٢٦٣.
(٤) باب محول: محلة كبيرة من محال بغداد كانت متصلة بالكرخ. معجم البلدان، ج ١، ص ٤٥١.
(٥) "يروا" في الأصل. والمثبت من مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٦٣ حيث ينقل العيني عنه.
(٦) هو ياقوت بن عبد الله الرومي، أبو الدر، الملقب مهذب الدين، من أهل بغداد. توفي في بغداد سنة ٩٢٢ هـ. انظر: الزركلي: الأعلام، ج ٩، ص ١٥٧.
[ ٢ / ٢٠ ]
قال السبط (^١): والدليل على صحة هذه الحكاية قول الشاعر:
إني وكل شاعر من البشر … شيطانه أنثى وشيطاني ذَكْر
ومن أبياته السائرة قوله:
لا يَعرف الشوق إلا من يكابده … ولا الصبابة إلا من يعانيها (^٢).
وفي تاريخ ابن كثير (^٣): وكانت [وفاته] (^٤) في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز محاذى التاجية، وقيل في سنة ثمانين وخمسمائة. وكان له ميل إلى بعض أبناء البغاددة، فعبر على بابه [فوجد (^٥)] خلوة، فكتب على الباب: قال العماد الكاتب [١١] أنشدينها:
دارك يا بدر الدجى جنة … بغيرها نفسي ما تلهو
وقد روُيْ في خبرٍ أَنُّه … أكثر أهل الجنة البُلْهُ
وإنما قيل له أبله؛ لأنه كان فيه طرف بَلهٍ، وقيل لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد. كما قيل للأسود: كافور. (^٦) وكان يتزيا بزى الجند.
الأمير شاهرمن: اسمه سقمان بن ظهير الدين بن إبراهيم بن سقمان القطبي، صاحب [خلاط] (^٧)، توفي في هذه السنة (^٨) وعمره أربع وستون سنة، وكان ملكه لها في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وكان بكتمر (^٩) مملوك أبيه بميافارقين لما مات شاهرمن، فلما سمع بموته سار من ميافارقين ووصل إلى خلاط، وكان أكثر أهلها
_________________
(١) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٤٢ - ص ٢٤٣.
(٢) وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤١٤.
(٣) لم يرد هذا النص في ابن كثير كما أشار العيني، وإنما ورد في ابن الأثير، الكامل، ص ١٢٥؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٦٥.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة لتوضيح المعنى.
(٥) "فوجدها في الأصل. والمثبت من وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٦٥.
(٦) ورد هذا النص بتصرف في وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٦٥.
(٧) أخلاط في الأصل، والمثبت من: النوادر السلطانية، ص ٦٩؛ المختصر، ج ٣، ص ٢٧. وخلاط: بلدة عامرة وهي قصبة أرمينية الوسطى. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٤٥٧.
(٨) أورد هذه الأحداث كل من ابن شداد، وأبو شامة، وابن واصل في حوادث سنة ٥٨١ هـ. انظر النوادر السلطانية، ص ٦٩؛ مفرج الكروب، ج ٢، ص ١٦٨؛ الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٢٠٤؛ الكامل، ج ١٠، ص ١٣١.
(٩) بكتمر يسمى "سيف الدين بكتمر". انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٢٠٩؛ مفرج الكروب، ج ٢، ص ١٦٨.
[ ٢ / ٢١ ]
يريدونه، وكانت مماليك شاهر من متفقين معه، فأول وصوله استولى على خلاط وملكها، وجلس على كرسي شاهر من، واستقر في ملكه حتى قتل في سنة تسع وثمانين وخمسمائة كما سنذكره إن شاء الله (^١) تعالى.
تاج الملوك بوري بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين يوسف أيوب، وكنيته أبو سعيد، ولد في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وكان الله تعالى قد جمع فيه مكارم الأخلاق، ولطف طباع، وكرمًا وشجاعة، وفضلًا وفصاحة. وكان أديبًا شاعرًا مترسلًا. وله ديوان شعر ذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه وأنشد مقطعات من شعره.
منها: في شهر رمضان:
رمضان بل مرضان إلا أنهم … غلطوا إذن في قولهم وأساؤا
مرضان فيه تخالف فنهاره … سيل (^٢) وأما ليله استسقاء
وقال:
شربت من الفراتْ ونيل مصر … أحب إلىَّ من شط الفرات
ولي في مصر من أصبو إليه … ومن في قربه أبدًا حياتي
فقلت وقد ذكرت زمان وصلٍ … تمادي بعده روح الحياةِ
أرى ما أشتهيه يَفِرُّ منى … ومَنْ لا أشتهيه إلىَّ يأتي
وقال وقد بالغ:
يا غزالًا يميت طورًا ويحيى … وهو برء السقام سقم الصحيح
هذه المعجزات ليست لظبي … إنما هذه فعال المسيح (^٣)
وقال ابن خلكان (^٤): وكان بوري أصغر أولاد أبيه، كانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر، فيه الغث والسمين، لكنه بالنسبة إلى مثله جيد.
_________________
(١) ورد هذا النص يتصرف في المختصر، ج ٢، ص ٦٧.
(٢) وردت هذه الأبيات في مراة الزمان، ج ٨، ص ٢٤١.
(٣) مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٤١ - ٢٤٢.
(٤) وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٩٠ - ص ٢٩١ ترجمة رقم ١٢١.
[ ٢ / ٢٢ ]
وله في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة الغرب راكبًا فرسًا أشهب:-
أقبَلَ منْ أعشقهُ راكبًا … من [جهة (^١)] الغرب على أشهبِ
فقلتُ سبحانَك يا ذا العُلى … أشرقَتِ الشمسُ من المغربِ
[١٢] وله:
يا حياتي حين تَرْضي … ومَماتيِ حين تسْخَطْ
آهِ من ورد على [خدَّ … يك (^٢)] بالمِسْكِ مُنَقّط
بين أجفانك سُلْطا … ن على ضَعْفي مُسَلّط
قد تصبرت وإن بَرّ … حَ بي الشوق وأَفْرط
فلعل الدهْرَ يَوْمًا … بالتلاقي منكَ يَغْلَط
وله أشياء حسنة، وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر من هذه السنة على مدينة حلب، من جراحة أصابته، لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين يوسف كما ذكرناه، وعمره ثلاث وعشرون سنة.
بُوري بضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وكسر الراء وفي آخره ياء ساكنة، وهو اسم للذئب بلغة الترك. (^٣) *
_________________
(١) "جانب" في الأصل. المثبت من ابن خلكان، وفيات الأعيان. ج ١، ص ٢٩١ حيث ينقل العينى عنه.
(٢) "خدك" في نسخة أ، ب. والمثبت من ابن خلكان حيث ينقل العيني عنه، وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٩١.
(٣) ورد هذا النص بتصرف في ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٩٠ - ٢٩٢ ترجمة ١٢١؛ انظر: سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٤١ - ٢٤٢؛ ابن العماد: الشذرات، ج ٤، ص ٢٦٥؛ ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١٣. (¬*) ويوجد بهامش الورقة ١٢ تعليق لعبد الله الحنفي نصه: والصواب أن بوري بباء موحدة مفخمة تنقط على طريقة اللغة التركية بثلاث نقط من تحتها فهى به علم، فإن التلفظ بها غير التلفظ ببوري الذي ضبطه هو. ومن يعرف لسان الترك يتأمل هذا فيفهمه.
[ ٢ / ٢٣ ]