عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن أبو محمد [بن] (^٣) الخشاب (^٤)؛ قرأ القرآن وسمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وانتهى علمهما إليه، وشرح الجُمَل للإمام عبد القاهر (﵀)، وفاق أهل عصره. وكان مُغْرَى بشراء الكتب، وكان يؤدب أولاد الخليفة، وكان يكتب (^٥) خطًا حسنًا. وله مصنفات في النحو واللغة والعروض والحساب وغيره، وكانت وفاته في رمضان يوم الجمعة الثالث منه، ودفن قريبًا من بشر الحافي (﵀). وكان يقول الشعر، ومن شعره في الشمعة:
صفراءُ لا مِنْ سَقَمٍ مَسَّها … كَيفَ وكانَتْ أُمُّها الشَّافِية
عُرْيانَةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ … فَاعْجَبْ لَها كَاسِيَةً عَارِيَة (^٦)
محمد بن محمد بن محمد بن أبو المظفر البرَوي (^٧)؛ تفقه على محمد بن يحيى، وناظر ووعظ، وقدم بغداد فجلس للوعظ في أول ولاية المستضيء، وأظهر مذهب الأشعرية، وتعصب على الحنابلة وبالغ، فأخذه قيام الدم في رمضان هذه السنة، وتوفي ودفن في تربة أبي إسحق الشيرازي (رحمهما الله) (^٨).
_________________
(١) بياض في نسختى المخطوطة بمقدار سطر ونصف تقريبًا.
(٢) بياض في نسختى المخطوطة بمقدار سطر.
(٣) ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من وفيات الأعيان، جـ ٣ ص ١٠٢؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٩.
(٤) انظر: وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١٠٢ - ١٠٤؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٩.
(٥) "يقرأ" في نسخة ب.
(٦) أورد ياقوت هذه الأبيات في معجم الأدباء، جـ ١٢، ص ٥٣؛ كما أوردها ابن خلكان، مع بعض الاختلاف في الألفاظ. انظر: وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١٠٣.
(٧) انظر: المنتظم، جـ ١٨، ص ١٩٨؛ وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٢٢٥ - ٢٢٦؛ السبكي: طبقات الشافعية، جـ ٤، ص ١٨٢؛ شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٢٤.
(٨) انظر: البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٩.
[ ١ / ٩٩ ]
وفي المرآة (^١): وبالغ في ذم الحنابلة، وقال: لو كان إلى أمر لوضعت على الحنابلة الجزية، وكان شابًا حسنًا، جميل الصورة، مليح العبارة، فصيحًا، فيقال: إن الحنابلة دسوا عليه من سمه؛ جاءته امرأة في الليل، ومعها صحن حلواء، فطرقت بابه، فقال: من؟ قالت: أنا امرأة آكل من مغزلي، وقد غزلت قطنًا وبعته، واشتريت من ثمنه هذه الحلواء، واشتهيت أن الشيخ يأكل منها، فإنه حلال، فتناوله منها، ومضت. فجلس يأكل هو وزوجته وولده الصغير، فأصبحوا موتي جميعًا في رمضان، ودفن بباب أبرز (﵀) ولا رحم تلك المرأة.
أبو الفتوح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس، اللخمي الأزهرى الإسكندري، الملقب القاضي الأعز (^٢)، الشاعر المشهور؛ كان شاعرًا مجيدًا وفاضلًا نبيلًا، ولم يكن له لحية، بل كان سناطًا، وقيل فيه أشعار بسبب ذلك. صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السِّلفي، وانتفع بصحبته، وله فيه غرر المدائح، وقد تضمنها ديوان. وكان كثير الحركات والأسفار، وفي آخر وقته دخل اليمن فحصَّل شيئًا كثيرًا من صاحب بلاد اليمن، فركب البحر، فانكسر المركب به، وغرق جميع ما كان معه، بجزيرة الناموس بالقرب من دَهْلَك (^٣)، وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة [ثلاث] (^٤) وستين وخمسمائة، فعاد إليه وهو عريان، فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها:
صَدَرْنا وقد نَادَى السَّماحُ بِنَا رِدُوا … فَعُدْنَا إلى مَغْناكَ والعَوْدُ أحْمَدُ
وهي من القصائد المختارة، ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه. ومحاسنه نادرة، وكانت ولادته بإسكندرية يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ثالث شوال من هذه السنة بعيذاب.
وله في جارية سوداء، وهو معنى غريب:
_________________
(١) انظر: مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨٣.
(٢) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ ٥، ص ٣٨٥ - ٣٨٩.
(٣) دَهْلَك: وهي جزيرة في بحر اليمن ومرسى بين بلاد اليمن والحبشة. معجم البلدان جـ ٢، ص ٦٣٤.
(٤) "ست وستين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ ٥، ص ٣٨٦.
[ ١ / ١٠٠ ]
رُبَّ سَوْداءَ وهي بيضاءُ مَعْنى … نافَسَ المسكَ عندها الكافُورُ
مثل حَبِّ العُيونِ يَحْسَبُه النا … سُ سَوادًا، وإنما هُو نُورُ
وقَلاقِس: جمع قُلقاس "بضم القاف" (^١)، وهو معروف.
وعَيْذاب: بليدة على شاطئ بحر جدة، تعدى منها المراكب المصرية المتوجهة إلى الحجاز، على طريق في ليلة واحدة في غالب الأوقات، فتصل إلى جُدَّة، ومنها إلى مكة مسافة يوم [واحد] (^٢). وجُدّةُ قبر أم البشر حواء (﵍)، على ما يقال، وقبرها ظاهر هناك يزار، كذا قال ابن خلكان (﵀).
عبد الله بن أحمد بن الحسين بن إسحق أبو محمد الحميري (^٣)؛ ويعرف بابن [النقار (^٤)] الكاتب، ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ونشأ بها، وقرأ الأدب. ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق، وكان شاعرًا فاضلًا، وله شعر رقيق، ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات:
اللهُ يعلمُ أنّني ما خِلْتُه … يَصْبُو إلى الهِجرانِ [حين (^٥)] وصَلْتُه
مَنْ مُنْصِفي مِن ظَالمٍ مُتَعَنِّتٍ (^٦) … يزدَادُ ظُلما كُلَّما حَكّمْتُه
مَلَّكتُهُ رُوحي ليحفَظَ مُلْكَه … فأضَاعَني وأضاعَ ما مَلّكْتُه
لا ذَنبَ لي إلا هَواهُ لأنّه … لما دَعاني للسّقَامِ أَجَبْتُه
أَحْبابَنا أنفقْتُ عُمْرِى عِندكُمْ … فمتَى أعَوِّضُ بعضَ ما أنفَقْتُه
وبمَنْ أعوذُ إلى سِواكُمْ قَاصِدًا … والقلبُ في عَرصَاتِكُم خَلَّفْتُه
_________________
(١) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٢) ما بين الحاصرتين مثبت من نسخة ب.
(٣) كذا في الأصل، والنجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٥؛ ومرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨٠. و"الحميدي" في تهذيب تاريخ ابن عساكر، ص ٢٧٧.
(٤) "ابن البقار" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، شعراء الشام، جـ ١، ص ٣١٤؛ مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨٠؛ الأعلام، جـ ٤، ص ١٩١، ط ٢، ١٩٥٩؛ النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٥.
(٥) "يوم" في نسخة أ، "منذ" في نسخة ب، والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، شعراء الشام، جـ ١، ص ٣١٤؛ النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٥.
(٦) "مُتَعتَّبٍ" في الخريدة، شعراء الشام، جـ ١، ص ٣١٥.
[ ١ / ١٠١ ]
ولِمَن ألُومُ على الهَوَى وأنا الذي … قُدتُ الفؤادَ إلى الغرام وسُقْتُه
قد كنتُ أعْذِلُ (^١) كلَّ صَبٍّ في الهَوَى … وألومُه في العِشْقِ حتى ذُقْتُه
مالي سوى قَلْبي وفيكَ أَذَبْتُه … مالى سِوَى دَمْعِي وفِيكَ سَكَبْتُه
أبكي إذا جَنّ الظلامُ تَشَوقًا … من طُولِ لَيْلٍ في هواكَ سَهِرْتُه
وأنُوحُ إن نَاحَ الحمامُ ضُحًى علَى … إلْفٍ فقدتُ الصبرَ حينَ فَقَدتُه
ما كنتُ أعرفُ مَا الغَرامُ ولَا الأَسَى … والشوقُ والتبريحُ حتى ذُقْتُه (^٢)
عَرقَلَةُ الشَّاعِرُ (^٣)؛ واسمه حَسَّان بن نمير البدوي؛ الشاعر الحلبيّ، من حاضرة دمشق، وكان شيخًا خليعا أعور، مطبوعا كَيسا لطيفا ظريفا منادما. وله في صلاح الدين قصائد كثيرة، وتوفي في هذه السنة، وقيل إن وفاته تأخرت، حتى أخذ صلاح الدين دمشق، وله ديوان مشهور، ومن شعره:
عِنْدِي إليكم مِنَ الأَشْواقِ والبُرَحَا … ما صيَّر الجسْمَ من بعْد الضنا شَبَحَا
أحبَابَنا لا تَظُنُّوني سَلَوْتُكُمُ … الحالُ بالحالِ والتَّبْرِيحُ ما بَرِحَا
لو كان يَسْبَحُ صَبٌّ في مَدَامِعِهِ … لكُنتُ أوَّلَ (^٤) مَن في دَمْعِه سَبَحَا
أو كُنتُ أعْلَمُ أنّ البيْنَ يَقْتُلُني … ما حُلْتُ عنْكُم ولكنْ فَاتَ "ما" (^٥) ذَبحَا
وقال:
كَتمَ الهَوى فوشَتْ عليه دُمُوعُه … من حَرِّ جَمْرٍ تَحْتَويه ضُلُوعُهُ
صَبٌّ تشاغَلَ بالحبيبِ وزَهْرِه … [زمنًا] (^٦) وفي وجْه الحبِيبِ رَبيعُه
يا لَائِمِي فِيمَن تَمَنَّعَ وصْلُه … عن بُغيتي أحْلَى الهَوى مَمْنُوعُه
_________________
(١) "أعدك" في نسخة ب.
(٢) انظر: مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨٠ - ١٨١.
(٣) انظر ترجمته في الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ١٧٨؛ شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٢٠.
(٤) "أولى" في نسخة ب.
(٥) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٦) "قوم" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٤، وهو ما يتفق مع السياق.
[ ١ / ١٠٢ ]
كيف التخلُّصُ إنْ تَجَنَّى أو [جَنَى] (^١) … والحسْنُ شيءٌ ما يُردُّ شَفِيعُه
شمسٌ ولكنْ في فؤادِي حَرُّها … بدرٌ ولكِنْ في القلوبِ طُلُوعُه
قال العواذِلُ ما الذي استَحْسنتُه … منه وما [يسبيك] (^٢) قلتُ جميعُه
ابن مَرْدَنِيش؛ (^٣) هو الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد، المعروف بابن مردنيش، صاحب شرق الأندلس، مُرْسِيَّةُ (^٤) وما يضاف إليها. توفي في هذه السنة، وسبب موته أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، دخل إلى جزيرة الأندلس؛ لكشف مصالح دولته، وتفقد أحوالها، وذلك في سنة ست وستين وخمسمائة، وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين، فنزل بإشبيلية (^٥)، فخافه الأمير أبو عبد الله المذكور، وحمل على قلبه، فمرض مرضًا شديدًا، ومات في التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة بإشبيلية.
وقيل أن أمُّهُ سَمَّتْهُ، لأنه كان قد أساء العشرة مع أهله [وأصحابه] (^٦) وخواصه وكبراء دولته، فنصحته وأغلظت عليه في القول، وتهدَّدَها. فخافت بطشته، فعملت عليه وقتلته بالسُّم. "ومولده" (^٧) في سنة ثماني عشرة وخمسمائة، في قلعة من أعمال طرطوشة (^٨)، يقال لها بُنُشْكُلَة، وهي من الحصون المنيعة.
ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده، وقيل إخوته، إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن، وهو بإشبيلية، فسلّموا إليه جميع بلاد شرق (^٩) الأندلس التي كانت لأبيهم، وقيل لأخيهم، فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز مكان.
_________________
(١) "يحى" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٥.
(٢) "يشينك" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ١٨٣؛ النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٦٥.
(٣) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ ٧، ص ١٣١ - ١٣٣.
(٤) مُرْسِيَة: مدينة بالأندلس من أعمال تُدْمير. معجم البلدان، جـ ٤، ص ٤٩٧.
(٥) إشْبيلية، بالكسر ثم السكون وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة ولام وياء خفيفة، مدينة عظيمة بالأندلس. معجم البلدان، جـ ١، ص ٣٧٥.
(٦) ما بين الحاصرتين ساقط من نسخة أ، ومثبت من نسخة ب.
(٧) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٨) طرطوشة: مدينة بالأندلس تتصل بكور بلنسية وهي شرقي بلنسية وقرطبة. معجم البلدان، جـ ٣، ص ٥٣٩.
(٩) تقديم وتأخير في نسخة ب.
[ ١ / ١٠٣ ]
ومَرْدَنِيْش (^١): بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، وهو بلغة الإفرنج (^٢) اسم العَذِرَة.
وبُنُشْكُلَة: بضم الباء الموحدة والنون وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفتح اللام وفي آخره هاء.
ناصر الجوني (^٣)؛ كان متصوفًا، وكان يمشي في طلب الحديث حافيا، وتوفي ببغداد في هذه السنة (﵀).
_________________
(١) لمعرفة المزيد من التفاصيل عن ابن مردنيش انظر المقري: نفح الطيب، جـ ٦، ص ١١٣.
(٢) "الفرنج" في نسخة ب.
(٣) انظر ترجمته في البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٩.
[ ١ / ١٠٤ ]