أحمد بن سالم بن أحمد أبو العباس الشحمي (^٩)؛ قرأ القرآن، وأقرأ، وصنف كتابا في المتشابه كبيرا، وسمع من المروقي وغيره، وتوفي في المحرم من هذه السنة،
_________________
(١) شملة التركماني تملك بلاد فارس وكان يخطب للخليفة. وهو صاحب خوزستان وبنى بها عدة قصور وكانت وفاته بسبب صراعه مع شمس الدين البهلوان بن أيلدكز صاحب عراق العجم، وتوفي سنة ٥٧٠ هـ/ ١١٧٤ م. انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٧١؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٣٧.
(٢) نهاوند: مدينة عظيمة في قبلة همدان بينهما ثلاثة أيام. معجم البلدان، ج ٤، ٨٢٧ - ٨٢٩.
(٣) محمد البهلوان بن أيلدكز: صاحب أذربيجان وعراق العجم. توفي سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م، انظر: شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٦٩؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١١.
(٤) أذربيجان: يحدها من الشرق بَرْذَعة إلى أرزنجان من الغرب ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم. وأشهر مدنها بلاد تبريز. معجم البلدان: ج ١، ص ١٧١ - ١٧٤.
(٥) تُسْتَر: أعظم مدينة بخوزستان اليوم، وهو تعريب شوشتر. معجم البلدان: ج ١، ص ٨٤٧ - ٨٥٠.
(٦) ماسبذان: من بلاد عراق العجم أى من بلاد الجبل وهي عاصمة السيروان. انظر: تقويم البلدان، ص ٤١٤؛ انظر أيضا: معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٩٣.
(٧) بياض بمقدار سطر تقريبًا.
(٨) بياض بمقدار سطر.
(٩) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠١.
[ ١ / ١١٧ ]
ودفن في مقبرة الفيل (^١) من باب الأزج (^٢).
أبو المعالي الكتبى (^٣)؛ كان فاضلا، يقول الشعر المليح، والنثر الجيد، وله رسائل ومدائح، وكان من الذكاء على غاية، وكان دلال الكتب "ببغداد" (^٤)، وتوفي في صفر، ودفن بباب حرب (^٥).
وفي المرآة: أبو المعالي الكتبى الخطيري، والخطيرة بالطاء القائمة: قرية بدُخْل (^٦). واسمه سعد بن علي بن [القسم] (^٧) بن علي، صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر (^٨) مدة، واشتغل بالأدب حتى فرغ منه، وقال الشعر، وتفقه على مذهب أبي حنيفة (- ﵁ -) وغلبت عليه الفكرة، فأحب الخلوة، فخرج على التجريد سائحا، ورأى عجائب، وجال (^٩) في أقطار الشام وغيره، وحج، وعاد إلى بغداد، وصنف الكتب: [لمح الملح في الأدب نظمًا ونثرًا] (^١٠)، و[زينة الدهر في عصرة أهل العصر] (^١١)، وغير ذلك (^١٢).
وذكره العماد في الخريدة، وسجع له، وقال: أنشدني أبياتا في وصف العذار أرق من الاعتذار، وذكر مقطعات من شعره، وكلامًا فاحشًا يدل على أنه كان خليعًا (^١٣).
_________________
(١) مقبرة الفيل: تقع تجاه باب الخاصة، أحد أبواب بغداد. انظر: ابن الساعي: الجامع المختصر، جـ ٩، ص ٢٠٣.
(٢) باب الأزج: من أبواب بغداد، على شاطئ دجلة. والأزج من قرى بغداد على طريق خراسان. انظر: الباهر، ص ١٣؛ مراصد الاطلاع، ج ١، ص ٤.
(٣) انظر: المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠١.
(٤) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٥) باب حرب: أحد أبواب بغداد، وينسب إلى حرب بن عبد الله أحد أصحاب أبي جعفر المنصور، وينسب إلى حرب المحلة المعروفة بالحربية، وبها قبر أحمد بن حنبل. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٦٤، ٦٥.
(٦) "دحيل" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من معجم البلدان ج ٢، ص ٥٥٧؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٦.
(٧) "القاسم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من المرآة، ج ٨، ص ١٨٦.
(٨) هو جمال الملك أبو القاسم علي بن أفلح العبسي الشاعر، وقد اختلف في تاريخ وفاته فابن الجوزي ذكره في وفيات سنة ٥٣٣ هـ/ ١١٣٩ م؛ أما ابن خلكان فقد ذكر عدة تواريخ لوفاته هي ٥٠٥ هـ/١١١١ م، ٥٠٦ هـ/ ١١١٢ م، ٥٣٧ هـ/ ١١٤٢ م. انظر: المنتظم ج ١٨، ص ٥٣٣؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٣٨٩، ٣٩١.
(٩) "جبال" في نسخة ب.
(١٠) "لمح اللمح في الألغاز" كذا في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البغدادي: هدية العارفين، ج ١، ص ٣٨٤.
(١١) "زينة الدهر في شعر العصر" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من هدية العارفين، ج ١، ص ٣٨٤.
(١٢) إلى هنا توقف العيني عن النقل من المرآة، ج ٨، ص ٨٦.
(١٣) انظر شعره في الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ٨٨ - ٨٩، ص ١٢٣، ج ٢، ص ٢٥٤، ٢٦٧، ص ٤٥٣؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٦.
[ ١ / ١١٨ ]
أبو الفتح بن الربى (^١)؛ كان متفقها على مذهب الإمام أبي حنيفة (- ﵁ -) وكان عاملا على ديوان المقاطعات، فتوفي في غرة ذي الحجة منها، ودفن بباب أبرز (^٢).
وقال ابن الجوزي (^٣): وكانت له امرأة يهودية، وابن أخ مسلم، فكتب جميع ما له لليهودية، وترك ابن أخيه المسلم، فاجتلب من الناس ذمًا كثيرًا.
أرسلان شاه صاحب خوارزم (^٤)؛ مات في هذه السنة، وملك بعده ولده سلطان شاه، وكان قد عاد من قتال الخطا مريضا، فاتفقت وفاته. [ومَلَكَ بعده] (^٥) سلطان شاه محمود، وكان صغيرا، ودبرت والدته المملكة والعساكر، وكان ولده الكبير علاء الدين تكش -ابن أرسلان شاه- مقيمًا في الجند، قد أقطعه أبوه إياها، فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير، أنف من ذلك، وقصد ملك الخطا، واستمده على أخيه، وأطمعه في الأموال وذخائر والده، فسير معه جيشًا كثيفًا مقدمهم قوما، فساروا حتى قاربوا خوارزم، فلما قربوا منها، خرج سلطان شاه وأمه ولحقا بالمؤيدة (^٦) صاحب نيسابور، ومَلَكَ تكش خوارزم بغير قتال. ولما وصل سلطان شاه إلى المؤيد، أهدى إليه هدية جليلة، ووعده أموال خوارزم، فاغتر بقوله، وجمع جيوشه، وساروا إلى خوارزم، وكان تكش قد أعد عسكره بالقرب منها، فلما تراءى الجمعان، انهزم عسكر المؤيد، وأخذ أسيرا، وجيء به إلى خوارزم شاه تكش، وهرب سلطان شاه، وأُخذت أمه، فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم. ولما عاد المنهزمون إلى نيسابور، ملّكوا ابنه طوغان شاه أبا بكر بن المؤيد، فلما أخبر به سلطان شاه، سار إلى غياث الدين ملك الغورية، فأكرمه، وأحسن نزله. وأما علاء الدين تكش فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم، اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم، فأخذته حمية الملك والدين، وقتل أحد أقارب الملك. وكان ورد
_________________
(١) انظر: المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠١.
(٢) باب أبرز: قريبًا من المدرسة التاجية، التي بزاوية الجامع الأموي الشرقية. انظر: الجامع المختصر، جـ ٩، ص ٦٤؛ الدارس، ج ١، ص ٤٨٣.
(٣) المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠١.
(٤) أرسلان خوارزم شاه بن أنس خوارزم شاه بن محمد، توفي سنة ٥٦٨ هـ/ ١١٧٢ م. الشذرات، ج ٤، ص ٢٢٦.
(٥) "واسم" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين هو الصحيح. انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٣٩؛ المختصر، ج ٣، ص ٥٣.
(٦) المؤيد أي به بن عبد الله السنجرى، توفي سنة ٥٦٨ هـ/ ١١٧٢ م. انظر: شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٢٧. وقد ذكر صاحب المختصر الاسم كالآتي طوغان شاه بن المؤيد "أي به" انظر: المختصر في أخبار البشر، ج ٣، ص ٥٣.
[ ١ / ١١٩ ]
إليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبته، وأمر أعيان خوارزم فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا الذين صحبته، فلم يسلم منهم أحد، ونبذوا إلى ملك الخطا عهده. وبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واغتنم الفرصة بهذه الحال، فاستنجده على أخيه تكش. وقال له: إن أهل خوارزم يريدونه، ويختارون ملكه عليهم، ولو رأوه لسلموها إليه، فسير معه جيشًا كبيرًا من الخطا مع قوما، انضموا إليه، فوصلوا إلى خوارزم فحصروها، فأمر علاء الدين تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا، ولم يبلغوا منها غرضًا، وندموا على ما فعلوا، ولاموا سلطان شاه، وعنفوه، فقال لمقدمهم المسمى قوما: لو أرسلت معي جيشًا إلى مرو لاستخلصتها من يد دينار الغزي؛ فإنه استولى عليها منذ كانت فتنة الغزُ إلى الآن (^١) فسير معه جيشًا، فنزل على سرخس (^٢)، على غرة من أهلها، وهجم على الغز، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وألقي دينار الغزي -ملكها- نفسه في خندق القلعة، فأُخرج منه، ودخل القلعة، وتحصن بها.
وسار سلطان شاه إلى مرو فملكها، وعاد الخطا إلى ما وراء النهر، وجعل سلطان شاه دأبه قتال الغز، والغزو (^٣) فيهم، وانتهابهم. فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد، يقول له أن يرسل إليه من يسلم له قلعة سرخس، فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش، فسلم إليه دينار القلعة، ولحق بطغان شاه، فجمع جيوشه، وقصد سرخس، فلما التقى هو وسلطان شاه فرَّ طغان شاه إلى نيسابور، فأخلي قراقوش قلعة سرخس، ولحق بصاحبه، وملك سلطان شاه قلعة سرخس، ثم أخذ طوس (^٤) [والزَام] (^٥)، وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته واجتهاده وقلة قراره.
وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر، فلم تزل الحال كذلك إلى أن مات طغان شاه سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة (^٦).
_________________
(١) وردت هذه الرواية بتقديم وتأخير في الكامل، جـ ١٠، ص ٣٩.
(٢) سرخس: مدينة قديمة من نواحي خراسان بين نيسابور ومرو. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٧١.
(٣) "القتل" في الكامل، ج ١٠، ص ٣٩.
(٤) طوس: مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٥٦٠ - ٥٦٣.
(٥) "الرَّام" في الأصل والمثبت من معجم البلدان، ج ٢، ص ٩٠٩؛ الكامل، ج ١٠، ص ٤٠ وهي إحدى كور نيسابور المشهورة.
(٦) إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، ج ١٠، ص ٤٠.
[ ١ / ١٢٠ ]
أتابك شمس الدين أيلدكز (^١) صاحب همذان وغيرها، مات في هذا السنة بهمذان، وملك بعده ابنه محمد بن البهلوان، ولم يختلف عليه أحد. وكان أيلدكز هذا مملوكًا للكمال وزير السلطان محمود، ولما مات الكمال صار أيلدكز إلى السلطان محمود، واستمر بأصفهان، ولم يحضر إلى السلطان مسعود (^٢) عندما ملك ولا إلى غيره، ثم ملك أذربيجان وهمذان وغيرهما. وتزوج امرأة السلطان طغرل (^٣).
وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع، واتسع ملكه، وامتد من باب تفليس (^٤) إلى مكران (^٥). وكان أيلدكز عاقلا، حسن السيرة، يجلس بنفسه للرعية، ويسمع شكاويهم، وينصف بعضهم من بعض (^٦).
وفي تاريخ المؤيد (^٧): وكان أيلدكز يخطب في بلاده بالسلطنة للسلطان أرسلان بن طغرل، ولم يكن لأرسلان معه حكم.
يزْدن التركي (^٨)؛ كان من أكابر أمراء بغداد، المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة، فإنه مات في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش. وحين مات فرح أهل السنة بموته، وغضبت الشيعة من ذلك، فقام بسبب ذلك فتنة.
_________________
(١) انظر ترجمته في شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٢٦.
(٢) السلطان مسعود: هو مسعود بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي. انظر ترجمته في الباهر، ص ٤٣ وما يليها.
(٣) وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٠٨.
(٤) تفليس: بفتح أوله أو كسره، بلد بأرمينية والبعض يقول بأَرَّان. وهي قصبة ناحية جُرزان قرب باب الأبواب، وقد فتحها المسلمون في خلافة عثمان بن عفان. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٨٥٧ - ٨٥٩.
(٥) مكران: بالضم ثم السكون ولاية واسعة في بلاد الهند تشتمل على مدينة وقرى غربها كرمان، وشمالها سجستان، والبحر جنوبها. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٩١٤؛ تقويم البلدان، ص ٢٢، ص ٣٣٢، ص ٣٣٨؛ مراصد الاطلاع، ج ٣، ص ١٣٠٢.
(٦) إلى هنا توقف العينى عن النقل من الكامل، ج ١٠، ص ٤٦ - ٤٧.
(٧) المختصر في أخبار البشر، ج ٣، ص ٥٣.
(٨) "بزدن" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٧٢، وهو الحسن بن ضافي بن بزدن التركي. انظر: المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠١.
[ ١ / ١٢١ ]
وذكر ابن الساعى (^١) في تاريخه أنه كان في صباه شابًا حسنًا مليحًا. قال: ولشيخنا أبي اليمن الكندى فيه وقد رمدت عينه:
بِكِلَّ صَبَاحٍ لِى وَكُلِّ عَشِيَّةٍ … وُقُوفٌ عَلَى أَبْوَابِكُم وَسَلَامُ
وَقَدْ قِيلَ لِي يَشْكوُ سِقَامًا بَعَيْنِهِ … فَهَا نَحْنُ مِنْهَا نَشْتَكِي وَنُضَامُ
الأمير نجم الدين أيوب؛ (^٢) والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته: هو أبو الشكر أيوب بن شاذي، والد الملوك بني أيوب الكردي الزرْزَارِي، وهم خيار الأكراد (^٣) من بلاد دُوَيْن بشمال بلاد أذربيجان مما يلي الكرج. ومنهم من يقول "أيوب بن شاذي بن مروان" (^٤)، ومنهم من يقول أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، وأغرب بعضهم، فزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد الجعدي، آخر خلفاء بني أمية. وهذا ليس بصحيح، والذي عليه الجمهور أنه لا يعرف بعد شاذي أحد من نسبهم، والذي نسب إلى بني أمية ادعاء هو الملك أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شاذي، ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه، فتعاظم في نفسه، وادعى الخلافة، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وزعم أنه أموى، ومدحه الشعراء، وأطروه، ولهجوا بذلك، وقال هو في ذلك أيضًا:
وَإنِّي [أَنَا] (^٥) الهَادِي الخَلِيفَة وَالَّذِي … أَدُوسُ رِقَاب الغُلْبِ الضُّمَّرِ الجُرْدِ
وَلابُدَّ مِنْ بَغْدَاد أَطْوِي رُبُوعَهَا … وَأَنْشُرها نَشْرَ السّمَاسِرَةٍ البُرْدِ
_________________
(١) ورد النص بتصرف في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٢) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٥٥ - ٢٦١، ترجمة رقم ١٠٧؛ النوادر السلطانية، ص ٤٦؛ الشذرات، ج ٤، ص ٢٢٦ - ٢٢٧، كما أن هناك ترجمة كاملة لأسرة شاذي. انظر، التاريخ الباهر، ص ١١٩، ١٢٠.
(٣) ذكر ابن الأثير أنه من الأكراد الروادية وهم أشرف الأكراد. انظر: التاريخ الباهر، ص ١١٩.
(٤) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٥) "وأنا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٢٢ ]
وأَنْصُبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرفاتِها … وَأُحْيِي بِهَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ جَدِّي
وَيُخْطَبُ لِي فِيهَا عَلَى كُل مِنْبَرٍ … وَأُظْهِرُ دِينَ الله فِي الغَوْرِ والنَّجْدِ (^١)
وهذا الادعاء ليس بصحيح، ولا له أصل يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه.
قال ابن أبي طى الحلبي: لا يعرف في نسب نجم الدين أكثر من والده شاذي. وحدثني أبي قال: كان تقي الدين عمر يُزيد فيقول: شاذي بن مروان، وسمعت أنا من يقول: شاذي بن مروان بن يعقوب (^٢). قال: وأجمع الجماعة من آل أيوب أن دعوي ابن سيف الإسلام أنهم من بني مروان بن محمد الجعدي -آخر خلفاء بني أمية- كذب، وأن جميع آل أيوب لا يعرفون جدَّا فوق شاذي (^٣).
قال: وكذلك أخبرني السلطان الملك [الناصر] (^٤) قال: وصحة دليل ذلك أني وقفت على كتاب وقف رباط النجمي بدمشق (^٥)، ولم يزد فيه على نجم الدين أبي سعيد أيوب ابن شاذى العادلي (^٦). والمقصود أن الأمير نجم الدين والأمير أسد الدين شيركوه كانا أخوين، وكان نجم الدين أسن من أسد الدين، وُلدا بأرض الموصل (^٧).
وقال ابن أبي طى "الحلبي" (^٨) في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد شَبَخْتان، وقيل: إنه ولد بجبل جور (^٩)، وربي في الموصل، ومولد أبيه شاذي في بلد دوين.
الثاني: في بيان ابتداء أمره، وانتسابه واتصاله بالدولة: وهو أن أباه شاذي كان من أعيان أهل دوين، وكان له صاحب يقال له جمال الدولة مجاهد الدين
_________________
(١) وردت هذه الأبيات في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٥؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩١.
(٢) ورد النص في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٤.
(٣) ورد النص بتصرف في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٤ - ٥٣٥.
(٤) "الظاهر" في الأصل، والتصحيح من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٠.
(٥) رباط النجمي: ناحية باب البريد، أنشأه نجم الدين أيوب. انظر: خطط الشام، ج ٦، ص ١٣٧.
(٦) ورد النص في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٥.
(٧) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٧١.
(٨) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٩) جور: كورة كبيرة متصلة بديار بكر من نواحي أرمينيا وفيها قلاع وقرى وأهلها نصاري. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ١٢٠.
[ ١ / ١٢٣ ]
بَهْرُوز (^١)، وكان من أظرف الناس، وألطفهم، وكان بينه وبين شاذي أخوة أكيدة، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياءً. وذلك أنه أتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه. فلما جرى له ذلك، لم يقدر على الإقامة، فخرج وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه (^٢)، واتصل باللالا (^٣) الذي لأولاده، فوجده لطيفًا كافيًا في جميع الأمور، فتقدم عنده وفوض إليه أموره، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل. فرآه السلطان يومًا مع أولاده فأنكر علي اللالا، فقال: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخف على قلبه، فلعب معه الشطرنج والنرد (^٤)، فحظي عنده، واتفق موت اللالا فجعله السلطان مكانه، وسلم إليه أولاده، وأرصده لمهماته، وسار ذكره في تلك النواحي. فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده؛ ليشاهد ما صار إليه من النعمة والدولة، وليقاسمه ما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسيه. فلما وصل إليه بالغ في إكرامة والإنعام عليه، واتفق أن السلطان رأى أن يسير المجاهد المذكور إلى بغداد واليًا ونائبًا عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد، يُسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت (^٥)، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة، وتوفي بها، فولي مكانه نجم الدين أيوب، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه. وكان أكبر سنًا من أخيه أسد الدين شيركوه. ثم أن شيركوه رأى يومًا امرأه تبكي
_________________
(١) جمال الدولة مجاهد الدين بهروز: كان خادمًا روميًا تولى شحنة بالعراق من جهة السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه السلجوقي، وكانت تكريت إقطاعًا له، وبني في بغداد رباطًا وقف عليه وتوفي سنة ٥٤٠ هـ /١١٤٥ م وبهروز لفظ أعجمي معناه جيد. انظر: وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٤١ - ١٤٢.
(٢) أبو الفتح مسعود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب غياث الدين، أحد ملوك السلجوقية المشاهير، رباه بالموصل الأمير مودود ثم آق سنقر البرسقي، توفي سنة ٥٤٧ هـ/ ١١٥٢ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٠٠ - ٢٠٢؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ١٤٥.
(٣) اللالا: لفظ فارسي، معناه هذا الشخص المكلف بالعناية بالأطفال -أى مربي الطفل. انظر: السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٤١٨، هامش (٣).
(٤) النرد: شيء يلعب به، وهو لفظ فارسي معرب "نردشير" انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة "نرد".
(٥) تكريت: بفتح التاء وكسرها غربي دجلة بين بغداد والموصل وهي إلى بغداد أقرب. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٨٦١.
[ ١ / ١٢٤ ]
فقال (^١) لها: ما يبكيك؟ فقالت: أنا داخلة من باب القلعة، فتعرض إلىَّ الاسفهسلار (^٢)، فقام شيركوه، وتناول حربة الاسفهسلار، وضربه بها فقتله، فمسكه أخوه نجم الدين واعتقله. وعرف بهروز بذلك، فوصل جوابه: "لأبيكما علىَّ حقٌ، وبيني وبينه مودة متأكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بسيئة، ولكني أشتهي أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا رزقكما". فلما وقفا عليه، خرجا. ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، والد نور الدين محمود بن زنكي، وأقطعهما إقطاعًا حسنًا.
ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك كما ذكرناه، استخلف بها نجم الدين أيوب، ثم بعد مدة انتقل إلى دمشق، وأقام في خدمة نور الدين محمود بن زنكي، ثم لم يزل معه في السراء والضراء والحضر والسفر حتى صار أكبر الأمراء عنده، فصار لا يقطع أمرًا دونه، ثم أن نور الدين أرسل أخاه شيركوه إلى الديار المصرية ثلاث مرات كما ذكرناه.
وكان معه في كل مرة ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم لما جري ما جرى من أمور المصريين، وغلب عليهم صلاح الدين يوسف، وصار أمر الديار المصرية إليه كما ذكرناه مفصلًا، طلب من نور الدين أن يرسل إليه أباه نجم الدين، فأرسله إليه مع أهله وحاشيته كما ذكرنا.
وقال العماد الكاتب (^٣): لما دخل فصل النيروز (^٤)، استأذن الأمير نجم الدين أيوب نور الدين في قصده ولده صلاح الدين، والخروج من دمشق إلى مصر بأهله وجماعته. وخيم بظاهر البلد، ثم سار، فوصل إلى مصر في السابع والعشرين من رجب من سنة خمس وستين وخمسمائة، وركب العاضد خليفة مصر لاستقباله. ووصف ذلك عمارة اليمني في قصيدة مدح بها السلطان صلاح الدين منها قوله:
_________________
(١) أورد ابن خلكان هذه الأحداث بالتقديم والتأخير. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٥٧.
(٢) اسفهسلار: كلمة مكونة من لفظين أحدهما فارسي وهو "اسفه" ومعناه المقدم، والثاني تركي هو "سلار" معناه العسكر، فكان معناها "مقدم العسكر"، وقد استعمل هذا المصطلح في عهد الدولة الفاطمية، وكان حامله صاحب وظيفة تلى صاحب الباب. انظر: صبح الأعشي، ج ٣، ص ٤٨٣.
(٣) انظر قول العماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٣ - ٤٦٤ أحداث سنة ٥٦٥ هـ.
(٤) النيروز: أول من اتخذ النوروز جمشيد ويقال في اسمه أيضًا جمشاد، أحد ملوك الفرس الأول، وهو في الأصل نوروز وعربته العرب إذ قلبوا الواو ياء فقالوا نيروز، ومعناه اليوم الجديد. انظر الخطط، ج ٢، ص ٣٩٠ - ٣٩١. طبعة مكتبة الآداب.
[ ١ / ١٢٥ ]
صَحَّتْ بِهِ مِصْرُ وَكَانَتْ قَبْلَهُ … تَشْكُو سِقَامًا لَمْ تُعَنْ (^١) بِطَبِيبِ
عَجَبًا لمُعْجزَة أَتَتْ في عَصْره … وَالدَّهْرُ وَلَّادٌ لِكُلِّ عَجِيبِ
رَدَّ الإله بِهِ قَضِيَّةَ يُوسُف … نَسْقًا عَلَى ضَرْبٍ منَ التَّقْرِيبِ
جاءَتْهُ إخْوَتهُ وَوَالِدُهُ إلَى … مِصْر عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْتيبِ
فَاسْعَدْ بأَكْرَمِ قَادِم وبدولة … قَدْ سَاعَدَتْكَ رِيَاحُهَا بِهُبُوبِ
وفي تاريخ الدولتين (^٢): وكان بهروز المذكور يُنَفَّذ أمره في جميع العراق إلى البصرة، إلى الموصل، إلى أصفهان. وكانت خيله خمسة آلاف فارس، فأقر نجم الدين في ولاية تكريت، وأضاف إليه النظر في جميع الولاية المتاخمة له، وقرر أمره عند السلطان مسعود (^٣).
ثم إن عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود طمع في أخذ بغداد، ووصل الخبر إلى قراجا الساقي (^٤)، وهو أتابك [ابن] (^٥) السلطان محمود، فجرد ألف فارس للقاء زنكي، فانهزم زنكي، وقتل جماعة من أصحابه، ونهب جميع ما كان معه في عسكره، وجاء إلى تكريت وبه عدة جراحات. وعلم مكانه الأمير نجم الدين وأخوه شيركوه، فأحسنا إليه وداويا جراحاته، وخدماه أحسن خدمة، فأقام عندهما بتكريت خمسة عشر يومًا، ثم سار إلى "الموصل وأعوزه" (^٦) الظهر، فأعطياه "جميع ما كان عندهما من الظهر" (^٧) حتى أنهما أعطياه جملة من البقر، حمل [عليها] (^٨) ما سلم معه من أمتعته، فكان زنكي بري لنجم الدين أيوب هذه اليد، ويواصله بالهدايا والألطاف مدة مقامه في
_________________
(١) "يعن" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٦٣.
(٢) الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٦.
(٣) "وكان" أضافها العيني بعد كلمة مسعود. ووجودها يخل بالنص.
(٤) قراجا الساقي: اسمه برس صاحب بلاد فارس وخوزستان. انظر: وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٤٢ في ترجمة صلاح الدين يوسف.
(٥) ما بين الحاصرتين مثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٧.
(٦) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٧) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٨) "عليهما" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٥٣٧.
[ ١ / ١٢٦ ]
تكريت، فلما انفصل منها على ما ذكرنا، تلقاه زنكي بالرحب والسعة، واحترمه احترامًا عظيمًا (^١).
وقال صاحب تاريخ الدولتين (^٢): وكان نجم الدين قد ساس الناس بتكريت أحسن سياسة، حتى ملك بذلك حبات قلوبهم، وكان أخوه شيركوه معه في القلعة، وكان شجاعا باسلًا، ينزل من القلعة ويصعد إليها في أسبابه وحاجاته. وكان نجم الدين لا يفارق القلعة ولا ينزل منها، فاتفق أن أسد الدين شيركوه نزل يومًا لبعض شأنه، ثم عاد إلى القلعة، وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارض، وكان رجلًا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعدًا إلى القلعة، فعبث به بكلمة مُمِضّة، فجرد أسد الدين سيفه، وقتل النصراني، وصعد إلى القلعة، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني بشيء، وأخذ النصراني برجله، فألقاه من القلعة. وبلغ ذلك إلى بهروز [وحضر] (^٣) عنده مَنْ خوَّفه جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نجم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما (^٤) أمر يخشي عاقبته ويصعب استدراكه، فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيرهُ صحبة الكتاب، فأجاب نجم الدين [إلى] (^٥) ذلك بالسمع والطاعة، وأنزل من القلعة جميع ما كان له بها من أهل ومال. واجتمع هو وأخوه أسد الدين، وصمما على قصد عماد الدين زنكي بالموصل، فخرجا واتصلا به كما ذكرنا. وقيل إن أسد الدين خرج إلى الموصل قبل نجم الدين، ثم أنه جرى بين أسد الدين وبين جمال الدين الوزير مودة عظيمة، حتي حلف كل واحد منهما للآخر أنه يقوم بأمره في [حياته] (^٦) وبعد وفاته، وتجرد جمال الدين في أمر أسد الدين وأخيه نجم الدين، حتى قربهما من قلب أتابك، وجعلهما عنده بالمنزلة العظيمة، وخرجا معه إلى الشام، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الإفرنج، لعنهم الله، وكان لأسد الدين في تلك الوقائع اليد البيضاء، والفعلة الغراء.
_________________
(١) ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٧؛ انظر أيضا: الباهر، ص ٤٣ - ٤٤، حاشية ٦.
(٢) الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٧.
(٣) "وحصل" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٧، حيث ينقل العينى عنه.
(٤) "منه" في نسخة ب.
(٥) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٨، لاستقامة النص.
(٦) "حيوته" في نسخة أ. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب والروضتين.
[ ١ / ١٢٧ ]
وقال ابن أبي طى (^١): حدثني أبي عن سعد الدولة أبي الميامن عن حسام الدين سنقر غلام نجم الدين أبي طالب -وكان في خدمة نجم الدين أيوب- قال: لما دخل نجم الدين أيوب الديار المصرية إلى ولده صلاح الدين، كنت معه في خدمته، وكانا قد اجتمعا في دار الوزارة، وقعدا على طراحة (^٢) واحدة، والمجلس غاصٌّ بأرباب الدولتين، إذ تقدم نصراني كان في خدمة نجم الدين، فقبل الأرض بين يديهما، وقال لنجم الدين: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك حين وُلد هذا السلطان، يعني صلاح الدين، فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله، ثم التفت إلى الجماعة الذين حوله من أكابر العلماء والقضاة والأمراء، وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة، وذلك أني ليلة رُزقت هذا الولد -يعنى السلطان صلاح الدين- أمرني صاحب قلعة تكريت "في تلك الليلة" (^٣) بالرّحلة عنها، بسبب أخي شيركوه من قتله ذلك النصراني، وكنت قد ألِفْت هذه القلعة وصارت لي كالوطن، فثقل علىّ الخروج منها جدًا، واغتممت. وفي ذلك الوقت جاءني البشير بولادة هذا -يعني صلاح الدين- فتشاءمت به، وتطيرت لما جرى علىَّ، وخرجنا من القلعة، وأنا لا سميته ولا التفت إليه. وكان هذا النصراني معي كاتبًا لى، فلما رأى ما نزل بي، قال: يا مولاي أي شيء لهذا المولود من الذنب، وبما استحق ذلك منه وهو لا يضر ولا ينفع، وهذا الذي جرى عليك قضاء من الله تعالى، ثم ما يُدريك أن هذا الطفل يكون سببًا لوصول الخيرات إليك، ويكون هو ملكا عظيم الصيت، جليل المقدار. فعطَّفني كلامه عليه، وها هو قد جرى ما قال لي. فتعجب الحاضرون من ذلك، وحمد السلطان ووالده الله تعالي وشكراه (^٤).
ولعمارة اليمني في نجم الدين مدائح ومراثٍ منها:
ثَغَرُ الزَّمان بِنَجْم الدِّيِن مُبْتسِمٌ … وَوَجْهُهُ بِدَوَام العِزِّ مُتَّسِمُ
يقول فيها:
_________________
(١) لم يذكر أبو شامة مصدر هذا القول مباشرة "وحدثني أبي ﵀ قال حدثني سعد الدولة … " انظر الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٨.
(٢) الطراحة: مرتبه يفترشها السلطان إذا جلس. انظر: Dozy. Supp. Dict. Ar.T.II،P .٣٢
(٣) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٤) الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٩.
[ ١ / ١٢٨ ]
أَضْحَى بِكَ النِّيلُ مَحْجُوجًا وَمُعْتَمِرَا … كَأَنَّمَا حَلَّ فِيهِ الحِلُّ وَالْحَرمُ
إلى أن قال:
وَالنَّاصِرُ ابْنُكَ كَافِي كُلِّ مُعضلةٍ … إِذا الْحَوَادِثُ لَمْ تُكْشفْ لَهَا غُمَمُ (^١)
الثالث في سيرته: وكان شجاعًا باسلًا أمينا خيرًا محسنًا ناصحًا، عظيمًا في أنفس الناس بالخير والدين وحسن السياسة، وكان لا يأتي أحد من أهل العلم والدين "إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة، وكان لا يسمع بأحد من أهل الدين" (^٢) في مدينته إلا أنفذ إليه. وقد ذكره العماد الكاتب، وذكر من دينه وعفته، ووفور أمانته وكثرة خيره أشياء كثيرة حسنة.
قال ابن خلكان (^٣): وكان نجم الدين رجلًا مباركًا كثير الصلاح، مائلًا إلى الخير، حسن النية، جميل الطوية، وظهرت ثمرة بركته في أولاده، وله خانقاه بدمشق تعرف بالنجمية (^٤)، وخانقاه بالديار المصرية، ومسجد، وقناة خارج باب النصر من القاهرة، وخانقاه أخرى لطيفة ببعلبك، بناها حين كان نائبًا بها عن عماد الدين زنكي.
وفي المرآة: (^٥) وكان نجم الدين رجلًا عاقلًا حازمًا شجاعًا حليمًا جوادًا، عاطفًا على الفقراء والمساكين، محبًا للصالحين، قليل الكلام جدًا، لا يتكلم إلا عن ضرورة. ولما قدم مصر سأله ولده صلاح الدين أن يكون هو السلطان، فقال: أنت أولى، وكان يلعب بالأكرة (^٦) دائمًا.
وقال القاضي ابن شداد (^٧): كان شديد الركض بالخيل، يلعب بالأكرة، ومن يراه يلعب بها يقول: ما يموت إلا من وقوعه عن ظهر الفرس.
_________________
(١) انظر: الروضتين؛ ج ١ ق ٢، ص ٥٤٠؛ وبالرجوع إلى النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية لعمارة اليمنى، لم ترد هذه الأبيات الخاصة بالمديح.
(٢) ما بين الأقواس ساقط من نسخه ب.
(٣) وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٦١.
(٤) الخانقاه النجمية بدمشق، بنواحي باب البريد، وقد اندرست ولم يبق لها أثر. الدارس، ج ٢، ص ١٧٤، حاشية ٢.
(٥) مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٤.
(٦) اللعب بالأكرة: هي من ألعاب الفروسية وكان يقام لها احتفال خاص يخرج إليه السلطان في موكب رسمي ويشترك فيها الأمراء ومن أدواتها الجوكان أو الصولجان وهو المحجن الذي يضرب به الكرة، وهو عصا مدهونة برأسها خشبه معقوفة. انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ٤٧؛ ج ٥، ص ٤٥٨.
(٧) النوادر السلطانية، ص ٤٦؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٤ - ١٨٥.
[ ١ / ١٢٩ ]
الرابع في وفاته: خرج نجم الدين يومًا من باب النصر -أحد أبواب القاهرة- فشب به فرسه، فألقاه في وسط المحجة، وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، وحمل إلى داره، وبقى متألمًا، إلى أن توفي يوم الأربعاء سابع عشرى الشهر المذكور، ويقال في الثامن والعشرين منه.
وفي تاريخ بيبرس: وكان سبب وفاته أنه تقنطر عن فرسه، فحمل إلى داره، فمات بها.
وفي تاريخ الدولتين (^١): وعاش ثمانية أيام بعد وقوعه من الفرس، وكانت وفاته يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة. وكان ولده صلاح الدين غائبًا عنه في بلاد الكرك والشوبك على الغزاة.
وقال القاضي ابن شداد (^٢): ولما عاد صلاح الدين من غزاته، بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة نجم الدين أبيه، فشق ذلك عليه؛ حيث لم يحضر وفاته.
ومن كتاب فاضلي عن السلطان إلى عز الدين فرخشاه بمصر يقول فيه: صحّ من المصاب بالمولى الدارج، غفر الله له ذنبه، وسقى بالرحمة تُربه، ما عظمت به اللَّوعة، واشتدت الرَّوعة، وتضاعفت لِغيبتنا (^٣) عن مشهده الحسرة، فاستنجدنا بالصبر، فأبي، وانحدرت العبرة، فياله فقيدًا فقد عليه العزاء، وهانت بعده الأرزاء.
وَتَخَطَّفَتْه يدُ الردَى في غَيْبَتى … هبنْي حضرتُ، فكنتُ ماذا أَصْنَعُ؟!.
قال: فدفن نجم الدين إلى جانب قبر أخيه أسد الدين، في بيت بالدّار السلطانية، ثم نقلا بعد [سنتين] (^٤) إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقبرهما في تربة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزير الموصل. وكان جمال الدين المذكور مؤاخيًا لأسد الدين شيركوه كما ذكرنا (^٥).
_________________
(١) نقل العينى هذا النص بتصرف من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٣.
(٢) النوادر السلطانية، ص ٤٦.
(٣) "بغيبتنا" في نسخة ب.
(٤) "سنين" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٣٠؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٣.
(٥) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٣٣ - ٥٣٤.
[ ١ / ١٣٠ ]
وفي تاريخ القاضي الفاضل: وصل كتاب من المدينة النبوية يوم الخميس رابع صفر من سنة ثمانين وخمسمائة، يخبر بوصول تابوتي (^١) الأمير نجم الدين أيوب، وأسد الدين شيركوه، واستقرارهما بتربتيهما، مجاورين الحجرة المقدسة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام) (^٢).
الخامس فيما يتعلق به خلف نجم الدين من الأولاد: صلاح الدين يوسف الناصر، وسيف الدين أبو بكر العادل، وشمس الدولة توران شاه، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج الملوك بوري. ومن البنات: ست الشام وربيعة خاتون (^٣). وقال عمارة اليمني يرثيه:
صَفْوُ الحْيَاةِ وَإِنْ طَالَ الْمَدَي كَدَرُ … وَحَادِثُ الدَّهْرِ لَا يُبْقِى وَلَا يَذَرُ
وَمَا يَزَالُ لِسَانُ الدَّهْرِ يُنْذِرُنَا … لَوْ أَثَّرَتْ عِنْدَنَا الآَثَارُ وَالنُّذُرُ
كَمْ شَامِخِ العِزِّ ذَاقَ الْمَوْتَ مِنْ يَدِهَا … مَا أَضْعَفَ الْقَدْرَ إنْ ألْوَى بِهِ الْقَدَرُ
أُوذِي عَلىٌّ وَعُثْمَانٌ بِمِخْلَبهِا … وَلَمْ يَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
وَمَنْ أَرَاَد التَّأَسِّى فِي مُصِيبَته … فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ الله مُعْتَبَرُ
لا قُدِّسَتْ لَيْلَةٌ كَادَتْ مُصِيَبَتُهَا … الأكبادُ حُزْنًا عَلَى أَيُّوب تَنْفَطِرُ
كَأَنَّمَا صَوَّر الله الكَمَال به … شَخْصًا وَيوُسُفُ مِنْهُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
إذَا اللَّيَالي تَجَافَتْ عَنْ حُشَاشَتِهِ … فَالجُرْحُ مُنْدَمِلٌ وَاَلذَّنْبُ مغْتَفَرُ
يَا نَاصِرَ الْحَقِّ والأَيَّامُ خَاذِلَةٌ … إِنَّ الغَرِيبَ بِغَيِر الدَّمْعِ يَنْتَصِرُ
مَا مَاتَ أيُّوبُ إلاَّ بَعْدَ مُعْجِزَةٍ … فِي الخَلْقِ لَمْ يُؤْتَهَا مِنْ جِنْسِهِ بَشرُ
مَضَى حَميدًا مِنَ الدُّنيا وَلَيْس لَهُ … فِي رُتْبَةٍ أَرَبٌ مِنْهَا وَلَا وَطَرُ
صَلَّي الإلَهُ عَلَى نَجْمٍ أَضَاءَ لَنَا … مِنْ نَسْلِهِ النَيِّرانِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (^٤)
وهي قصيدة طويلة. وله قصيدة أخرى في مرثيته وأولها هو قوله:
_________________
(١) "تابوت" في نسخة ب.
(٢) وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٥٨.
(٣) ذكر سبط ابن الجوزي أن نجم الدين خلف ست بنات. انظر مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٥.
(٤) وردت هذه الأبيات بالنقص والزيادة مع بعض الاختلافات في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤١ - ٥٤٢.
[ ١ / ١٣١ ]
هِيَ الصَّدْمَةُ الأُولَى فَمْنَ بَانَ صَبْرُهُ … عَلَى هَوْلِ مَلْقاهَا [تَضَاعَفَ] (^١) أَجْرُه (^٢)
أَذُمُّ صَبَاحَ الأرْبعَاء فَإنَّهُ … تَبَسَّمَ عَنْ ثَغْرِ المَنيَّة فَجْرهُ
أَصَابَ الهُدَى فِي نَجْمِهَ بمُصِيبةٍ … تَدَاعي سِماك الجوِّ مِنْهَا وَنَسْرُه
فَلَا تَعْذلُونَا، وَاعْذُرونَا، فَمَنْ بَكَى … عَلَى فَقْد أيُّوبٍ فَقَد بانَ عذْرُهُ
أقَامَ بأَعْمَالِ الفُراتِ، وخيْلُه … يُراَعُ بِهَا نِيلُ العَزِيزِ وَمِصْرُهُ
إِلَى أَنْ رَمَاهَا مِنْ أَخِيه بِضيْغَم … فَرَى نَابُه أَهْلُ الصَّليبِ وَظُفْرُهُ
تَعَاقَبْتُمَا مِصْرًا تَعَاقُبَ وابِلٍ … يَبِيتُ بِقُطْرِ النَّيلِ تنهلُّ قَطْرُهُ
نزلتَ بدارٍ حلّها فحللتها … فمغْناك مغْناه، وقطرك "قطره" (^٣)
وَوَاخَيْتَه فِي البر حَيَّا وَمَيِّتا … فَقَبْرُكَ فِي دَارِ القَرَارِ وَقَبْرُهُ
وَقْدَ شَخُصَتْ أهْلُ البَقِيع إليْكُما … وَإلا فَسُكَّانُ الحَجُونِ وَحجرُهُ
هَنيئًا لِمَلِكٍ مَاتَ وَالعز عزهُ … وَقُدْرَتُهُ فَوْقَ الرِّجَالِ وَقْدرُهُ
وأَدْرَكَ مِنْ طُولِ الحَيَاةِ مُرَادَهُ … وَمَا طَالَ إلاَّ فِي رِضَى الله عُمْرُهُ
وَأَسْعَدُ خَلْق الله مَنْ مَاتَ بَعْدَمَا … رأى فِي بَنِى أَبْنائِه مَا يَسُرُّهُ
رَعَى الله نَجْمًا تَعْرِفُ الشَّمْس أَنَّهُ … أَبُوهَا، ونورُ البَدْرِ مِنْهَا، وَزَهْرُهُ
وَأَبْقَى المَقَامَ النَّاصِرِىَّ، فَإنَّهُ … لِدَوْلَتِكُمْ كَنْزُ الرَّجَاءِ وَذُخْرُهُ (^٤)
ملك النحاة واسمه الحسن بن أبي الحسن صافي (^٥)؛ مولي حسين زين الدين الأرموي، التاجر البغدادي، ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ النحو على أبي الحسن الاستراباذي، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وقرأ أصول الفقه. ودخل الشام، واستوطن دمشق، وعاش تحت ظل نور الدين محمود إلى أن مات في سنة
_________________
(١) "يضاعف" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من النكت العصرية، ص ٢٦٠.
(٢) ذكر مطلع القصيدة فقط في النكت العصرية، ص ٢٦٠.
(٣) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٤) ذكر أبو شامة القصيدة كاملة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٤٠ - ٥٤١.
(٥) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٩٢ - ٩٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٢؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٥ - ١٨٦.
[ ١ / ١٣٢ ]
ثمان وستين وخمسمائة في شوال، ودفن بالباب الصغير (^١)، وقد جاوز الثمانين سنة، وله ديوان شعر مليح، ومدائح في وصف النبي ﵇. وذكره ابن عساكر، ووصفه بالكرم. وكان يصنع الحلاوات، ويهديها إلى جيرانه وأصحابه وخلانه.
قال العماد: ورآه بعض الصالحين، أو بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى بأبيات قلتها:
يَا رَبُّ هَا قَدْ أَتَيْتُ مُعْتَرِفًا … بِمَا جَنَتْهُ يدَاىَ مِنْ زَلَلِ
مَلآنُ كَفٍّ من كُلِّ مَأْثُمَة … صِفْرُ يَدٍ مِنْ مَحَاسِن العمِل
وكَيْفَ أخْشَي نَارًا مُسَعَّرَةً … وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي القِيَامَةِ لِي
قال: فوالله منذ فرغتُ من إنشادها ما سمعت حسيس النار.
_________________
(١) الباب الصغير: أحد أبواب دمشق. انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ٩٢.
[ ١ / ١٣٣ ]