أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبيد الله أبو عبد الله الحسيني (^٦) نقيب العلويين؛ وكان يلقب بالطاهر، سمع الحديث الكثير، وكان جم الأخلاق، جميل المعاشرة، يتبرأ من الرافضة، توفي ليلة الخميس العشرين من جمادى الآخرة منها، ودفن بداره، ثم نقل بعد مدة إلى مشهد الصبيان بالمدائن، وولي ولده مكانه.
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار أبو العلاء الهمداني (^٧)؛ سافر الكثير وسمع الكثير، وانتهت إليه القراءات والتحديث في همدان، وتوفي ليلة الخميس عاشر جمادى الآخرة منها وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر.
_________________
(١) المدرسة التاجية: توجد بزاوية الجامع الأموي الشرقية، غربي دار الحديث العروية. انظر: الدارس، ج ١، ص ٤٨٣ - ٤٨٧.
(٢) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٣) ورد هذا الحدث بتصرف في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٣.
(٤) بياض في نسختى المخطوطة: أ، ب بمقدار سطر ونصف.
(٥) بياض في نسختى المخطوطة: أ، ب مقداره نصف سطر.
(٦) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٨.
(٧) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٨؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٣١؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٦.
[ ١ / ١٨١ ]
رستم بن سرهنك أبو القاسم الواعظ (^١)؛ سمع الحديث، وتعلم الوعظ من ابن الزاغوني شيخ ابن الجوزي، وتوفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ربيع الأول منها، عن ستين سنة تقريبا، ودفن بباب حرب.
ابن الأهوازي خازن دار الكتب بمشهد أبي حنيفة (^٢) (- ﵁ -)؛ توفي في ربيع الأول، جاء من محلته إلى البلد، فاتكأ على دكة فمات، وكذلك أخوه وأبوهما فجأة.
يحيى بن نجاح المؤدب (^٣)؛ سمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وكان غزير الفضل، يقول الشعر الحسن، توفي في أواخر هذه السنة.
ابن قرقول أبو إسحق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس [بن] (^٤)، القائد الحَمْزي المعروف بابن قُرقُول (^٥)؛ صاحب كتاب "معارف الأنوار" الذي وضعه علي مثال كتاب؛ "مشارق الأنوار"، للقاضي عياض، كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، وكانت ولادته بالمَرِيَّة من بلاد الأندلس في سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس (^٦) يوم الجمعة وقت العصر، السادس من شوال من هذه السنة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما حضرته الوفاه تلا (^٧) سورة الإخلاص، وجعل يكررها، ثم تشهَّد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجدا ميتا (﵀). وقُرقُول بضم القافين وسكون الراء المهملة وبعد الواو لام. مَرِيّة بفتح الميم وكسر الراء المهمله وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء، وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبتة (^٨). والحمزي بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة زاي معجمة نسبة إلى حمزة.
_________________
(١) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٩.
(٢) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٩؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٦.
(٣) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢١٠؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٣٦.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة من وفيات الأعيان، ج ١، ص ٦٢.
(٥) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ج ١، ص ٦٢ - ٦٣.
(٦) فاس: مدينة عظيمة بالمغرب الأقصى بالقرب من مدينة سبتة. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٤٦؛ صبح الأعشي، ج ٥، ص ١٥٣.
(٧) "تلي" كذا في نسخة ب.
(٨) "سيتة"، في نسخة ب وهو خطأ من الناسخ.
[ ١ / ١٨٢ ]
أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي؛ الفقيه الشافعي (^١)، كان فقيها فاضلا عارف بالمذهب والفرائض والخلاف، واشتغل ببغداد على الكِياهِراسي وابن الشاشي، ولقى عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبني له بها الأمير أبو منصور سُرفتكين بن عبد الله الزيني -صاحب (^٢) نائب إربل- مدرسة القلعة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زمانا، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقة وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ست وعشرين خطبة للرسول (- ﷺ -) وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به. وكان رجلا صالحا زاهدا عابدا ورعا متقللا في نفسه مباركا، وكان قدم دمشق فأقام بها مدة، وأثنى عليه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ثم رجع إلى إربل، ومن جملة من تخرَّج عليه؛ الفقيه ضياء الدين أبو عمر، وعثمان بن عيسى بن دِرباس الهمداني، وتوفي ليلة الجمعية الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة بإربل، ودفن بمدرسته التي في الربض في قبة منفردة، وقبره يزار (^٣). وقال ابن خلكان (^٤): وزرته كثيرا، وتولى موضعه ابن اخيه.
عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر؛ وكان فاضلا، ومولده بإربل في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، وسكن في رباط ابن الشهرزوري، ولم يزل هنالك إلى أن توفي في ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، وكان له ولد يسمى شرف الدين محمد (^٥)، وكانت له اليد الطولى في عمل الدوبيت، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وتوفي ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية.
_________________
(١) انظر ترجمته في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٧؛ السبكي: طبقات الشافعية، ج ٤، ص ٢١٨، المطبعة الحسينية، القاهرة.
(٢) "حاجب" في نسخة ب.
(٣) ورد هذا النص في وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٢٣٧ - ٢٣٩.
(٤) وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٥) "مشرف" في نسخة ب وهو خطأ في النسخ.
[ ١ / ١٨٣ ]
أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل (^١)؛ قاضي القضاة بالديار المصرية زمن الفاطميين، ويلقب بفخر الأمناء، وكان أول من صُلب مع عمارة اليمنى وأصحابه كما ذكرنا، وقد كان ينسب إلى فضيلة وأدب، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفا:
يا رافيًا خَرْقَ كُلِّ ثوبٍ … ويا [رَشَا] (^٢) حُبُّه اعْتِقَادي
عسي بكَفِّ الوِصَالِ ترفو … ما مَزَّق الهجرُ من فؤادى
وقال العماد في الخريدة (^٣): أبو القاسم هبه الله بن عبد الله؛ كان داعى الدعاة بمصر للأدعياء، وقاضي القضاة لأولئك الأشقياء، يلقبونه بفخر الأمناء، وهو عندهم في المحلة العلياء، والمرتبة الشماء، والمنزلة [التي] (^٤) في السماء، حتى انكدرت نجومهم، وتغيرت رسومهم، وأقيم قاعدهم وعضد عاضدهم، [وأخليت] (^٥) منهم مصرهم، [وأجلى] (^٦) عنهم قصرهم، وهو أول من ضمه حبل الصَلب، وأمه فاقرة الصُلب، وهذا صنع الله فيمن كفر النعمة وجحد، وذلك غرة رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة.
عمارة اليمني؛ هو الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد ابن محمد بن سليمان بن أيوب الحكمي اليمني الملقب نجم الدين الشاعر المشهور. وقال ابن خلكان (^٧): نقلت من بعض تواليفه أنه من قحطان. ثم الحكم بن سَعد العشيرة المذحجي، وأن وطنه من تهامة باليمن، مدينة يقال لها مرَطان من وادي وساع، وبُعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوما، وبها مولده ومرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ورحل إلى زبَيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأقام يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسيّره قاسم بن هاشم بن فليته صاحب مكة -شرفها الله- رسُولًا إلى الديار المصرية، فوصلها
_________________
(١) انظر ترجمته في شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٣٥.
(٢) "رشاء" في الأصل. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ١٨٧.
(٣) انظر الخبر في الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١ ص ١٨٦ - ١٨٧.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة من المرجع السبق، ص ١٨٦.
(٥) "أجليت" في نسخة أ، والمثبت من نسخة ب.
(٦) "وأخلي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الخريدة، قسم شعراء مصر، ج ١، ص ١٨٧.
(٧) انظر وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣١ - ٤٣٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر (^١)، والوزير الصالح طلائع بن رُزيك (^٢)، وأنشَدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية (^٣) وهي:
الحَمْدُ للعيس بعدَ العَزْمِ والهِمَمِ … حَمْدًا يقومُ بما أَولَت من النِّعمِ
لا أجْحَدُ الحقَّ عِنْدى للركابِ يَدٌ … تمنَّت اللَّجَمُ فيها رُتبةَ الخَطُمِ
قَرَّينَ بعدَ مَزارِ العزِّ من نظرى … حتى رأيتُ إِمامَ العَصْر مِن أَمَمِ
ورُحْن من كَعْبةِ البَطحاءِ والحرَم … وفدًا إلى كَعْبةِ المَعْروفِ والكَرمِ
فهل دَرىَ البيتُ أنِّي بعدَ فُرقَتِه … ما سِرْتُ من حَرمٍ إلا إلى حَرمِ
حيثُ الخِلافةُ مضروبٌ سُرادقُها … بين النقيضين من عَفْوٍ ومن نِقَمٍ
وللإمَامةِ أنوارٌ مُقَدّسةٌ … تجْلُو البغيضين من ظُلمٍ ومن ظُلَمِ
وللنبوةِ آياتٌ [تنصُّ] (^٤) لنا … على الخَفِيين (^٥) من حُكمٍ ومن حِكمِ
وللمَكارمِ أعلامٌ تعُلِّمُنا … مدحَ الجَزِيلَيْن مِنْ بأسٍ ومن كَرَمِ
وللعُلا ألْسُنٌ تُثْنِي مَحَامِدُها … على الحَميدين من فعلٍ ومن شِيَمِ
ورايةُ [الشَّرفِ] (^٦) البذَّاخِ ترفَعُها … يدُ الرفِيعَيْن من مَجْدٍ ومن هِمَمِ
أقسَمْتُ بالفائِزِ المعصوم معتقدًا … فوزَ النجاة وأجْرَ البر في القَسَمِ
لقد حَمى الدينَ والدُّنيا وأهلُهُما … وزيرُه الصالِحُ الفَرَّاجُ للغُمَمِ
اللابسُ الفخْرَ لم تَنْسجْ غَلائُلهُ … إلا يدُ الصَّنعتين (^٧) السيفِ والقلمِ
وُجُودُه أوجَدَ الأيامَ ما اقْتَرحَتْ … وَجُودُه أعْدَمَ الشَّاكِين للعَدَمِ
_________________
(١) الفائز بن الظافر: هو أبو القاسم عيسى الملقب الفائز بن الحافظ بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله توفي سنة ٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٩١ - ٤٩٤.
(٢) هو أبو الغارات طلائع بن رزيك الملقب بالملك الصالح وزير مصر كان واليًا بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر توفي سنة ٥٥٦ هـ/ ١١٦١ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٥٢٦ - ٥٣٠.
(٣) انظر القصيدة أيضا في النكت العصرية لعمارة اليمنى، ص ٣٢ - ٣٤؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٤) "ينص" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت من النكت العصرية، ص ٣٣؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٥) "الحفيين" في نسخة ب.
(٦) "للشرف" في الأصل، والمثبت من ديوان عمارة؛ وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٢.
(٧) "الصنعين" في وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٣.
[ ١ / ١٨٥ ]
قد مَلَّكَتْه العَوالي رِقَّ مملكةٍ … تُعيرُ أنفَ الثُريّا عِزَّة الشَّمَمِ
أرى مَقامًا عَظِيمَ الشَّأْن أَوهَمَنِى … في يقظتي أنها من جُملَةِ الحُلُمِ
يومٌ من العُمْرِ لم يخْطُرْ على أمَلي (^١) … ولا ترقَّت إليه رَغْبَةُ الهِمَمِ
ليتَ الكواكبَ تدنوُ لى فأنظُمُها … عقوُدَ مَدْحٍ فما أرضَى لكُمْ كلِمي
تَرى الوزارةَ فيه وهي بَاذِلةٌ … عندَ الخلافة نُصْحًا غيرَ مُتَّهَمِ
عواطفٌ علَّمَتْنا (^٢) أنَّ بَيْنهُما … قَرابةً من جَمِيل الرأْي لا الرَّحِمِ
خليفةٌ ووزيرٌ مَدَّ عَدْلُهُما … ظِلَّا على مَفْرِق الإسْلام والأُممِ
زيادَةُ النيلِ نقْصٌ عند فَيْضِهِما (^٣) … فَمَا عسَى نتعاطَى منّةَ الدِّيَمِ
فاسْتَحْسَنا قصيدته، وأجْزلا صِلَته.
قال عمارة (^٤): لما دخلتُ مِصرَ، وحضرتُ للسلام على الخليفة، والوزير في قاعة الذهب من قصر الخليفة، أنشدتهما هذه القصيدة (^٥)، والصالح يستعيدها في حالة الإنشاد مرارًا، فاستحسنها الأستاذون والأمراء والكبراء، ثم أُفيضت علىَّ خلع من ثياب الخليفة (^٦) مُذهبة، ودفع إلىَّ الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين قد خرج لي من عند السيدة [الشريفة] (^٧) بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معي إلى المنزل، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد [من] (^٨) قبلي، وتهادتنى أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم، فاستحضرني الصالح للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، [وانثالت علىّ صلاته وغمرني برّه] (^٩)، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي بن الحباب، والموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاءِ، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبا محمد الحسن بن الزبير وغيرهم.
_________________
(١) "أمل" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٣.
(٢) "أعلمتنا" في نسختي المخطوطة أ، ب، والمثبت من وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٣.
(٣) "قبضهما" في وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٣.
(٤) انظر: النكت العصرية، ص ٣٢ - ٣٤ حيث ورد النص مع اختلاف طفيف في الألفاظ.
(٥) أورد عمارة القصيدة السابقة في هذا الموضع.
(٦) "الخلافة" في النكت العصرية.
(٧) ما بين الحاصرتين إضافة من النكت العصرية، ص ٣٤.
(٨) ما بين الحاصرتين إضافة من النكت العصرية، ص ٣٤.
(٩) ما بين الحاصرتين إضافة من النكت العصرية، ص ٣٤.
[ ١ / ١٨٦ ]
وقال ابن خلكان (^١): وأقام عمارة في مصر إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب، ثم فارق مصر في هذا التاريخ، وتوجه إلى مكة، ومنها إلى زَبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة (^٢) إلى مصر مرة ثانية، فاستوطنها ولم يُفارقها بعد ذلك. وكان فقيها شافعي المذهب، شديد التعصب للسُّنة، أديبا ماهرًا، شاعرًا مجيدا، محادثا ممتعًا، فأحسن الصالح وبنوه إليه كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة؛ لحسن صحبته.
وله في الصالح وولده مدائح كثيرة، وكانت بينه وبين ابن شاور (^٣) صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وُزِّرَ استحال عليه فكتَبَ إليه:
إذا لم يُسَالِمْك الزمَانُ فحارِبِ … وباعِدْ إذا لم تنتفعْ بالأقاربِ
ولا تحتقرْ كيدًا ضَعِيفا فربَّما … تموتُ الأفاعي من [سمام] (^٤) العقَاربِ
فقد هَدّ قِدمًا عرش بلقيس هدْهدٌ … وَخرَّبَ فأرُ قبل ذا سد مأربِ
إذا كان رأسُ المالِ عُمْرك فاحترز … عليه من الإنفاقِ في غير واجبِ
فبين اختلافِ الليلِ والصبح مَعرَكٌ … يَكر علينا جيشُه بالعجائبِ
وما راعَني غَدْرُ الشبابِ لأنني … أَنِستُ بهذا الخُلْق من كلِّ صاحبِ
وغدْرُ الفتى في عَهْده ووفائِه … وغدْرِ المواضِي في بُنُوِّ المضاربِ
إذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمي … فصُونوه عن تقْبِيلِ راحة واهبِ
رأيتُ رجالا أصبَحَتْ في مآدبِ … لدَيكم وحالي وحْدَها في نوادِبِ
تأخَرْتُ لَمَّا قدَّمَتْهُم عُلاكُم … عَلىَّ وتأبي الأسْدُ سَبْقَ الثعالبِ
تُرى أين كَانُوا في مواطِنِي التي … غَدَوْتُ لكُم فيهِنَّ أكرمَ نائبِ
ليالىَ أتْلُو ذِكْرَكُم في مَجَالسٍ … حَدِيثُ الورَى فيها بغَمزِ الحواجبِ
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٣ - ٤٣٥.
(٢) انظر خبر هذه الرسالة في النكت العصرية، ص ٤٢.
(٣) هو: الكامل بن شاور. انظر النكت العصرية، ص ١٢٩، حيث أورد بعد ذلك الأبيات الآتي ذكرها ص ١٣٠.
(٤) "سموم" في نسخة ب.
[ ١ / ١٨٧ ]
قال ابن خلكان (^١): وزالت (^٢) دولة المصريين وهو في البلاد. ولما ملك السلطان صلاح الدين مدحَه، ومدح جماعةً من أهل بيته، يتضمن ديوانه جميع ذلك. ورَثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها، وغالبُ شعره جيدِ، ثم أنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعةٍ من رُوساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم، فأحس بهم صلاح الدين، فكانوا ثمانية من الأعيان، ومن جملتهم عمارة هذا، وشنقهم يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، وقد ذكرناه مفصلًا. وقال ابن خلكان (^٣): وله تواليف منها كتاب "أخبار اليمن"، وفيه فوائد. ومنها "النكت العصرية في أخبار الوزراء المصريّة"، وغير ذلك.
وقال ابن كثير (^٤): وله تصنيف في الفرائض، وقد كان أديبا فاضلا فقيها فصيحا، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين، وله فيهم وفي أمرائهم ووزرائهم مدائح كثيرة جدًا، وأقل ما [كان] (^٥) ينسب إلى الرفض، وقد اتهم باطنه بالكفر المحض.
وذكر العماد (^٦) في الخريدة أنه قال في قصيدته التي يقولُ فيها:
قد كان أول هذا الدينِ من رجل … سعى إلى أن دَعَوْه سيِّد الأمم
قال [العماد] (^٧): فأفتى علماء مصر بقتله وحرَّضوا السلطان صلاح الدين على ذلك. قال: ويجوز أن يكون [هذا البيت] (^٨) معمولا به عليه (^٩)، والله أعلم.
وقد أورد ابن الساعي (^١٠) شيئا من رقيق شعره، فمن ذلك قوله يتغزل:
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٤ - ٤٣٥ حيث نقل العيني عنه بتصرف.
(٢) "ورايت" في نسخة ب.
(٣) وفيات الأعيان، ج ٣، ص ٤٣٤ - ٤٣٥.
(٤) انظر البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥.
(٥) ما بين الحاصرتين من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥.
(٦) ذكر في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٥ أول القصيدة هذا نصها: العلم مذ كان محتاج إلى العلم … وشفرة السيف تستغني عن القلم. وقال أيضًا: "وهي طويلة جدًا". وقد ذكر في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٣ نقلًا عن العماد أن هذا منسوب إليه.
(٧) "العلماء" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من، البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٦؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦١.
(٨) ما بين الحاصرتين إضافه للتوضيح من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٦.
(٩) انظر هذا الخبر في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٦٢.
(١٠) انظر: النكت العصرية، ص ٢٦٥ حيث أورد عمارة اليمنى القصيدة كاملة.
[ ١ / ١٨٨ ]
لى في هوى [الرَّشَأِ] (^١) العُذْرِىِّ أعْذارُ … لم يبقَ لي مُذْ أقَرَّ الدمعُ إنكارُ
لي في القُدودِ وفي لثْمِ الخدودِ وفي (^٢) … ضَمِّ النُّهُودِ لُباناَتُ وأوطارُ
هذا اختِياري فوافِقْ إن رَضِيتَ به … أو لَا فَدَعْني بما أهْوى وأخْتَارُ
ومما وجد في شعره يرثي العاضد وأيامه، ويظهر محبته للفاطميين (^٣):
يا عاذِلِي في هَوى أبناءِ فاطِمَةٍ … لكَ المَلامةُ إن قصَّرتَ في عَذْلي
بالله زُر ساحةَ القَصْرين، وابكِ معي … عليهما، لا على صِفِّين والجَمَلِ (^٤)
وهي قصيدة طويلة، وقد ذكرناها فيما مضى.
مَالك بن علي (^٥) صاحب قلعة جعبر؛ قتل في هذه السنة، قتله الإسماعيلية بسرُوج (^٦).
مِرِى ملك الإفرنج، صاحب عسقلان (لعنه الله)، هلك في هذه السنة، وقد كاد اللعين أن يغلب على الديار المصرية، لولا فضل الله تعالى ورحمته.
_________________
(١) "الرشاء" في الأصل، والمثبت هو الصحيح لسلامة الوزن.
(٢) "لي" في نسخة ب.
(٣) ذكر ابن كثير أبياتا أخرى لعمارة اليمني في رثاء العاضد أولها: أسفي على زمان الإمام العاضد … أسف العقيم على فراق الواحد انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٧٧.
(٤) انظر هذه القصيدة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٧٠ - ٥٧١ حيث نقلها عن العماد.
(٥) هو: شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن مقلد العقيلي. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٥.
(٦) سروج: بلدة قريبة من حران من ديار مضر. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٨٥.
[ ١ / ١٨٩ ]