على بن العساكر بن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي (^١) المقرئ اللغوي؛ سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة، ووقف كتبه بمسجد ابن جَردة (^٢) ببغداد، وتوفي في شعبان من هذه السنة، وقد نيف على الثمانين (^٣).
محمد بن سعيد بن محمد أبو سعد بن الرزاز؛ كان من المعدلين، وسمع الحديث من ابن برهان (^٤) وغيره، وكان ينظر في التركات، ويقول شعرًا مطبوعًا، كتب إليه بعض الناس مكاتبة تتضمن شعرا، فكتب في جوابها:
يا من أياديه تُعيي (^٥) من يُعدِّدُها … وليس يُحصي مدَاها من لها يَصِفُ
عجزتُ عن شكر ما أَوْلَيتَ من كرم … وصرت عبدًا ولى في ذلك الشَّرفُ
أهديتَ منظوم شعرٍ كلُّهُ دررٌ … فكُلُّ ناظم عقد دونه يقف
إذا أتَيتَ [ببيتٍ] (^٦) منه كان لنا … قصرًا ودُرُّ المعالي فوقَهُ شَرفُ
وإن أتيت أنا بيتًا يناقضُهُ … أتيت لكن ببيتٍ سقفُهُ يَكِفُ
ما كنتُ (^٧) منه ولا من أهله أبدًا … وإنَّما حين أدنو منه أقتطِفُ
مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد أبو عبد الله بن جوالق (^٨)؛ الفقيه، سمع الحديث، وتفقه على أبي بكر الدينوري، وناظر، وعلت سِنُّه، وتوفي في ذي القعدة منها، ودفن بمقبرة أحمد، ﵀ (^٩).
_________________
(١) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٣؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١٦ - ٣١٧؛ الشذرات، ج ٥، ص ٢٤٢.
(٢) "جودة" في نسخة ب، "ابن جرارة" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١٦ - ٣١٧.
(٣) المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٣.
(٤) "بزهان" في نسخة ب.
(٥) "يعيا" في ابن الجوزي، المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٣.
(٦) "بيتًا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح من المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٣؛ الكامل، ج ١٠، ص ٨٠.
(٧) "لا كنت" في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٣.
(٨) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٤؛ شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٩) يقصد بها تربة الإمام أحمد بن حنبل، وهي توجد بقطيعة أم جعفر في مقبرة باب حرب خارج مدينة بغداد، انظر البغدادي: تاريخ بغداد، ج ١، ص ١٢١؛ معجم البلدان، ج ٤، ص ٥٨٧، انظر ترجمة أحمد بن حنبل في المنتظم، ج ١١، ص ٢٨٦ - ٢٨٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
مختار الخادم (^١)؛ كان من خواص الخليفة، وكان يتدين، وعلت سِنُّهُ، توفي في آخر شعبان منها، ودفن في الترب بالرصافة (^٢).
على بن منصور أبو الحسن السروجي؛ الأديب مؤدب أولاد الأتابك زنكي (^٣)، مات في هذه السنة، ومن شعره يذكر فصل الربيع، وفضل دمشق، ويمدح نور الدين محمود ابن زنكي بقصيدة مطلعها (^٤):
فصلُ الربيع زمانٌ نَورُهُ نُورُ … ونشرُ (^٥) أزهاره مسك وكافُورُ
تظل تشدو به الأطيار من طربٍ … فذا هزارٌ وقمري وشحرور (^٦)
كأن أصواتَها فوق الغصون ضُحًى … زيرٌ (^٧) ويمٌّ ومزمارٌ وطنبور
يا لائمي في دمشق إن لومك لي … لؤم وتشبيهك الزَّورا بها زورُ (^٨)
تكامل الحسن فيها مثلما كملت … أوصاف مولي بنشر العدل مشهورُ
مولاي يا خير من يُدعى لمكرمة … وخير من زانه عقلٌ وتوقيرُ
عِش وابقَ واسلم ومُر واحكم ودُم أبدًا … ما سحَّ (^٩) غيثٌ وما هَبّت أعاصيرُ
محمد (^١٠) بن مسعود أبو المعالي بن القَسَّام الأصفهاني؛ توفي في هذه السنة، وكان أديبًا، ومن شعره يذم قاضيًا:
ولما أنْ توليت القضايا … وفاض الجَورُ من كَفَّيكَ فَيضَا
ذبحتَ بغير سكينٍ وإنِّي … لأرجو الذبحَ بالسِّكين أيضَا
_________________
(١) انظر ترجمته في، المنتظم، ج ١٨، ص ٢٣٤.
(٢) بناها الخليفة المنصور العباسي سنة ١٥١ هـ / ٧٦٨ هـ وعمل لها سورًا وخندقًا وميدانًا وبستانًا وأجرى لها الماء، وهي توجد في الجانب الشرقي من بغداد وبها مقابر خلفاء بني العباس. انظر: تاريخ بغداد، ج ١، ص ٨٢؛ معجم البلدان، ج ٢، ص ٧٨٣ - ٧٨٤.
(٣) هو عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود.
(٤) انظر هذه الأبيات في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢١٥.
(٥) "وأنفاس" في المرآة، ج ٨، ص ٢١٥.
(٦) "وزرزور" في المرآة، ج ٨، ص ٢١٥.
(٧) "بنب" في المرآة، ج ٨، ص ٢١٥.
(٨) "زور ويشهد لزورانه زور" في المرآة، ج ٨، ص ٢١٥.
(٩) سَحٌ: سال من فوق إلى أسفل. والسح هو الصب الكثير. انظر: المصباح المنير، ج ١، ص ٣١٧.
(١٠) "محمود" في نسخة ب.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وفي المرآة: خرج إلى الحج، وتوفي بفَنْد (^١).
القاضي الشريف أبو محمد عبد الله العثماني الديباجي؛ من ولد الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان - ﵁ - ويعرف بابن أبي إلياس (^٢)، من بيت القضاء والعلم، وكان واسع الباع في علم الأحاديث، كثير الرواية، قيمًا بالأدب، متصرفًا في النظم والنثر، إلا أنه مقل من النظم أوحد عصره في علم الشروط، قوله المقبول على كل العدول، مات في هذه السنة بالإسكندرية.
شمس الدين ابن الوزير أبي المضاء (^٣) خطيب الديار المصرية، وابن وزيرها؛ كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، بأمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم حظى عنده حتى كان قد جعله سفيرًا بينه وبين الملوك والخلفاء، وكان رئيسًا مطاعًا كريمًا ممدحًا، توفي في هذه السنة، وجعل مكانه في السفارة وأداء الرسائل ضياء الدين ابن قاضي القضاة الشهرزوري بمرسوم سلطاني، وكانت وظيفة مقررة (^٤).
وقال العماد الكاتب (^٥): وفي ليلة الجمعة الثاني عشر من صفر ونحن في طريق الوصول إلى دمشق توفي شمس الدين ابن الوزير بدمشق.
قاضي القضاة الشهرزوري، أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري؛ الملقب كمال الدين، الفقيه الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، وكان فاضلًا دينًا أمينًا ثقة ورعًا، ولى القضاء بدمشق لنور الدين محمود بن زنكي. واستوزره أيضًا فيما حكاه ابن الساعي قال: وكان يبعثه في الرسائل، كتب مرة على أعلى القصة "إلى الخليفة المقتفي" (^٦) محمد بن عبد الله الرسول، فكتب الخليفة تحت ذلك ﷺ.
_________________
(١) "بقند" في المرآة ج ٨، ص ٢١٥. ولعل ما أثبتناه هو الصواب من ابن عبد الحق البغدادي: مراصد الإطلاع، ج ٣، ص ١٠٤٤ حيث أن فَنْد: بالفتح ثم السكون وآخره دال؛ جبل بين مكة والمدينة قرب البحر.
(٢) "ابن أبي اليابس" في شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٤١ - ٢٤٢. والمثبت من الأصل وكما في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٩٥.
(٣) اتفقت نسختى المخطوطة أ، ب مع الروضتين في أن اسمه "أبو المضاء". أما البداية والنهاية فقد ورد الاسم "أبو الضياء". انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٩٢ - ٤٩٦؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١٧.
(٤) إلى هنا انتهى العيني من النقل من، البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١٧.
(٥) انظر قول العماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٦٧١ - ٦٧٢.
(٦) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقال ابن كثير (^١): وقد فوض إليه نور الدين نظر الجامع ودار الضرب، وعَمَّر له المارستان والمدارس وغير ذلك من الأمور المهمة. وقال ابن خلكان (^٢): وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل، وتوفي يوم الخميس سادس المحرم من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وقال: ولما ملك صلاح الدين الشام أَقَرَّه على ما كان عليه في أيام نور الدين.
وكان شهما جسورًا كثير الصدقة والمعروف، وقف أوقافًا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وبنى بالموصل مدرسة للشافعية، ورباطًا بمدينة الرسول (-﵇-). وتولى القضاء بالموصل أيضًا، وله نظم جيد، فمن ذلك قوله:
ولقَد أتَيْتُك والنجومُ روَاصدٌ … والفجرُ وَهْمٌ في ضميرِ المشرقِ
وركبتُ [م الأهوال] (^٣) كُلَّ عظيمةٍ … شوقًا إليك لعلّنا أنْ نلتقِي (^٤).
وفي المرآة (^٥): قدم بغداد وتفقه على أسعد الميهني (^٦) بالنظامية (^٧)، وسمع الحديث ببغداد والموصل، وكان رئيس أهل بيته، وولي قضاء القضاة بدمشق وحمص وحماة وحلب وجميع الشام في أيام نور الدين، وكان إليه أمر المدارس والمساجد والأوقاف والحسبة والأمور الدينية والشرعية، وكان صاحب القلم والسيف. وكانت شحنكية دمشق إليه، وليَّ فيها بعض غلمانه، ثم ولاها نور الدين لصلاح الدين، وكانت بينهما
_________________
(١) نقل العينى هذا النص من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣١٧.
(٢) وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٢٤١ - ٢٤٥. ترجمة رقم ٥٩٨.
(٣) "من أهوال" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٢٤٣ حيث ينقل العيني عنه.
(٤) إلى هنا توقف العينى عن النقل من وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٢٤٣.
(٥) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢١٥ - ص ٢١٦.
(٦) أسعد الميهني: هو أبو الفتح أسعد بن أبي نصر بن أبي الفضل الميهني، الفقيه الشافعي الملقب محي الدين، توفي سنة ٥٢٧ هـ/ ١١٣٣ م، وفيات الأعيان، جـ ١، ص ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٧) المدرسة النظامية ببغداد: بناها الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن على بن إسحاق بن العباس، وزير السلطان ملكشاه السلجوقي، وهو أول من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس، وقد شرع في عمارة هذه المدرسة ببغداد سنة ٤٥٧ هـ/ ١٠٦٥ م. وفرغت عمارتها في سنة ٤٥٩ هـ/ ١٠٦٧ م. انظر: الكامل، جـ ١٠، ص ٤٩، ص ٥٥؛ وفيات الأعيان، جـ ٢، ص ١٢٨ - ١٢٩.
[ ١ / ٢٥٦ ]
مضاغنة وكل واحد منهما ينقض حكم الآخر، فلما كتب إليه صلاح الدين بأن (^١) يساعده على أخذ دمشق أعانه وفتح له أبوابها. فلما دخلها صلاح الدين مشي إلى دار كمال الدين وطيب قلبه، وجاء إلى الشيخ أحمد والد الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة -وأحمد أول من سكن منهم قاسيون- فزاره ومعه ألف دينار، فدفعها للشيخ أحمد فامتنع من أخذها. فاشترى كمال الدين قرية الهامة بوادي بَردَىَ (^٢)، ووقف نصفها على الشيخ أحمد والمقادسة، والنصف الآخر على الأسارى، وهي باقية إلى هلم جرا.
ولما مرض كمال الدين وهو بدمشق بلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب، فقدم دمشق ودخل على القاضي كمال الدين وعانقه وبكيا، فلما توفي كمال الدين تولى ابن أبي عصرون أمره، وخرج في جنازته ماشيا هو وجميع الملوك مشاة؛ سيف الإسلام وتقي الدين عمر وشمس الدولة وغيرهم. وصلى عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون، فدفن بسفحه قريبا من الجادة عند مسجد البصار (^٣). ولم يكن عنده من أولاده أحد وإنما كان عنده ابن أخيه ضياء الدين أبو الفضائِل (^٤)، وكان كمال الدين قد تصدق بجميع ما كان عنده وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل إنه لم يكن له كفن فكفن في إحرامه. وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدين مع وجود ولده، وكان لكمال الدين ولد اسمه محمد (^٥) بن محمد بن عبد الله ولقبه محي الدين، وكان [أبو] (^٦) ضياء الدين قاضيا على حلب، وهو تاج الدين الشهرزوري.
وفي تاريخ الدولتين (^٧): ولما مات كمال الدين كان عمره ثمانين سنة.
_________________
(١) "أن" في المرآة، جـ ٨، ص ٢١٦.
(٢) بَرَدَى: أعظم نُهر دمشق، مخرجة من قرية قَنْوَا من كورة الزبداني، ويمر بمدينة دمشق في ظاهرها فيشق ما بينها وبين العقيبة حتى يصب في بحيرة المرج في شرقي دمشق. انظر: معجم البلدان، جـ ١، ص ٥٥٦ - ٥٥٧.
(٣) "البصار" في نسختى المخطوطة أ، ب، ولعله مسجد البيطار إذ ذكر ابن عساكر: أن مسجد البيطار من مساجد دمشق بناه ابن البيطار، ولم تذكر المصادر التي وقعت بين أيدينا اسم مسجد "البصار" انظر ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، مجلد ٢ ق ١، ص ٥٦.
(٤) هو ضياء الدين أبو الفضائل القاسم ابن القاضي تاج الدين أبي طاهر يحيى بن عبد الله. توفي سنة ٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٥) هو القاضي أبو حامد محمد بن القاضي كمال الدين بن الشهرزوري. توفي سنة ٥٨٦ هـ/ ١١٩٠ م. انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٢٤٦ - ٢٤٨.
(٦) "أبوه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٢٤٥. والمقصود هنا ضياء الدين أبو الطاهر يحى أخو كمال الدين الشهرزوري، توفي بالموصل سنة ٥٥٦ هـ/ ١١٦١ م.
(٧) الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٦٧١.
[ ١ / ٢٥٧ ]