مبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ أبو محمد البغدادي (^٥)؛ نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يؤم الناس، حطيم لا يراه أحد في غير المحرم، ويعتمر كل يوم ويتعبد ولا يراه أحد، فتوفي فيها بشوال، ودفن بالمعلي، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته، وكان صالحًا ثقة.
[سعيد] (^٦) بن عبد الله بن القاسم: أخو كمال الدين الشهرزوري قاضى الشام، وهذا أصغر أخوة كمال الدين، ولد سنة ست وخمسمائة، وكنيته أبو الرضى، قدم بغداد وتفقه بها، وسمع شيوخها، وخرج إلى خراسان، فأقام عند محمد بن يحيى النيسابوري (^٧) مدة
_________________
(١) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٢) ورد هذا النص في الروضتين، ج ٢ ق ١، ص ٦٣؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٢٨.
(٣) "المسماة" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٢٩. وقال السبط أنها تسمى دار بير.
(٤) بياض بمقدار سطر.
(٥) انظر ترجمته في شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٥٣ - ٢٥٤، في وفيات سنة ٥٧٥ هـ.
(٦) "سعد" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، ج ٧، ص ٨٥، ص ٣١٢؛ طبقات الشافعية، ج ٤، ص ٤١، ط. المطبعة الحسينية المصرية. وهو القاضي فخر الدين أبو الرضي سعيد بن عبد الله بن القاسم ابن المظفر الشهرزوري.
(٧) هو: أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري الملقب محى الدين الفقيه الشافعي، توفي في رمضان سنة ٥٤٨ هـ/ ١٠٥٦ م. وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٢٢٣ - ص ٢٢٤.
[ ١ / ٢٩٦ ]
فكان يحترمه ويقول: هذا من بيت الرياسة والفضل، ثم عاد إلى الموصل، وقد برع وصار أَوجَهَ أهل بيته، وقدم رسولا من الموصل إلى بغداد مرارًا، وتوفي بالموصل، وكان ثقة جليلا نبيلا.
أحمد بن محمد أبو المظفر البغدادي؛ ولد سنة عشر وخمسمائة في شعبان، وسمع الحديث الكثير ورواه، وبنى مسجدا ببغداد في درب الرياحين يعرف به، وهو قائم إلى هلم جرَّا، وتوفي بالمخزن محبوسا بعدما ذهب بصره، ودفن بباب حرب، سمع أبا القاسم بن الحصين، وابن السمرقندي، وقاضى المارستان، وغيرهم، وكان صالحًا ثقة.
السِّلَفي أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سِلَفة الأصفهاني، الملقب صدر الدين أبو الطاهر السِلفي (^١)؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعى المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيَا أبي الحسن "على" (^٢) الهراسي (^٣) في الفقه، وعلى الفقيه الخطيب أبي زكريا يحيى بن على التبريزي اللغوي في اللغة، وروي عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صُور، وأقام بها، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن له مثل في آخر عمره في عصره، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن سلار -وزير الظافر العبيدي صاحب مصر- في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المحروس المذكور، وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن (^٤).
وقال ابن خلكان (^٥): أدركتُ جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني، وكان كتب الكثير، ونقلتُ من خطه فوائد جَمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي عن قصيدة:
_________________
(١) هو أبو طاهر السلفي الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الحرواني، وحروان محلة بأصبهان. وسلفة بكسر السين المهملة لقب جده أحمد ومعناه شقوق الشفة. وفيات الأعيان، جـ ١، ص ١٠٥ - ١٠٧؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٨ - ٣٢٩؛ شذرات الذهب، جـ ٤، ص ٢٥٥.
(٢) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٣) انظر ترجمته في وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ٢٨٦.
(٤) ينقل العيني هنا عن وفيات الأعيان، جـ ١، ص ١٠٥.
(٥) وفيات الأعيان، جـ ١، ص ١٠٥.
[ ١ / ٢٩٧ ]
لَوْلا اشْتغالى بالأميرِ ومَدْحِه … لأَطْلتُ في ذاك الغزالِ تَغَزُّلي
لَكنَّ أَوصافَ الجلالِ عَذُبْنَ لِي … فَتَركتُ أوصافَ الجمالِ بمَعْزِلِ
وكان كثيرًا [ما] (^١) ينشد:
قالوا نفوسُ الدَّار سكانُها … وأنتم عندي نفوسُ النُفوسِ (^٢)
وأماليه وتعاليقه كثيرة، وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصفهان، ويقال: مولده سنة ثمان وسبعين. والله أعلم، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وَعْلة (^٣)، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر، فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره (﵃). وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمةً حسنةَ وإن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث، ودورانه للأقاليم، وأنه كان يتصوف أولا، ثم أقام بالإسكندرية، وتزوج امرأة ذات يسار، فحسنت حاله، ووقفت عليه مدرسة هنالك (^٤)، وذكر طرفًا من أشعاره، منها قوله:
أَتأْمنُ إلمام المنية بغْتةً … وأمْنُ الفَتَى جُهلٌ ولو (^٥) خَبَرَ الدَّهرَا
وليسَ يُحابِى الدَّهرُ في دَوَرانِه … أراذِلَ أهليه ولا السادةُ الزُّهْرا
وكيفَ وقد ماتَ النبي [(- ﷺ -)] وصَحبُه … وأزواجُه طرًا وفاطمةُ الزهْرَا
ومن شعره الذي أورده ابن عساكر قوله:
_________________
(١) ما بين الحاصرتين إضافة من وفيات الأعيان، ج ١، ص ١٠٦، حيث ينقل العيني عنه.
(٢) أورد ابن خلكان هذه الأبيات في وفيات الأعيان، ج ١، ص ١٠٦.
(٣) وَعْلة: بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء، ويقال إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن ابن وعلة السَّبَئيِّ المصري صاحب ابن عباس. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ١٠٦.
(٤) راجع ترجمته في: شذرات الذهب، ج ٤، ص ٢٥٥.
(٥) "وأمن الفتى جهلها وخبر الدهرا" كذا في نسخة ب.
[ ١ / ٢٩٨ ]
يا قاصِدًا علم الحديثِ يَذُمُّهُ … إِذْ ضَلَّ عن طُرْقِ الهدايةِ وَهْمُهُ
إِنَّ العلومَ كما عَلِمْتَ كثيرةٌ … وأجَلَّهَا فِقْهُ الحديثِ وعِلْمُهُ
مَنْ كانَ طالِبُه وفيه تَيَقُّظٌ … فأتمُّ سَهْمٍ في المعاني سَهْمُهُ
لَوْلَا الحديثُ وأهلُه لم يسْتَقِمْ … دِينُ النبيِّ وَشَذَّ عَنَّا حُكْمُهُ
وإذا اسْتَرابَ بقولِنا مُتَحَذْلِقٌ … فَأَكَلُّ (^١) فَهْمٍ في البسيطةِ فَهْمُهُ
والسِّلَفِيّ بكسر السين المهملة وفتح اللام وكسر الفاء، نسبة إلى سلفة، لقب جده إبراهيم. وفي المرآة (^٢): لقب جده أحمد كان يعرف به، ويلقب به؛ وذلك لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل الشفتين، غير الأخرى الأصلية، فقالوا له بالعجمية: سِه لَبَهْ، فلفظ سه هو الثلاثة بالعَجمي، ولب هو الشفة، فلما عربوه قالوا: سِلفَة. أسقطوا الهاء من سه، وأبدلوا الباء في لبه فاءً، فقالوا: سلفة. والنسبة إليه السلفي (^٣). وَوَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام وفي آخرها هاء، وهي مقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وَعْلة السبئي المصري صاحب ابن عباس، وقيل غير ذلك.
سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، وهو والد سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر (^٤)، أقام في الملك عشر سنين وشهورًا، وأصابه مرض مزمن، وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود (^٥).
_________________
(١) "فاء كل" في نسخة ب.
(٢) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٠.
(٣) ورد هذا النص بتصرف في وفيات الأعيان، جـ ١، ص ١٠٧.
(٤) جزيرة ابن عمر: مدينة صغيرة على دجلة من غربيها وشمالي الموصل. انظر: معجم البلدان، جـ ٢، ص ٧٩؛ تقويم البلدان، ص ٢٨٣.
(٥) ورد هذا النص بتصرف في الروضتين، جـ ٢ ق ١ ص ٥٢ - ٥٥: الباهر، ص ١٨٠؛ مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقال ابن كثير (^١): وكان سيف الدين غازي المذكور شابا حسنًا مليح الشكل تام القامة، مدور اللحية، مكث في الملك عشر سنين، ومات عن ثلاثين سنة، وكان عفيفا في نفسه، مهيبا وقورًا، لا يلتفت إذا ركب ولا إذا جلس، غيورًا لا يدع أحدًا من الخدام يدخل على النساء، وكان لا يقدم على سفك الدماء، وينسب إلى شيء من البخل، فأجلس مكانه في المملكة أخاه عز الدين مسعود، وجعل مجاهد الدين قيماز نائبه ومدبر مملكته. وجاءت رسل الخليفة يلتمسون من صلاح الدين أن يبقى سروج (^٢) والرها والرقة، وحران والخابور ونصيبين في يده، كما كانت في يد أخيه، فامتنع السلطان من ذلك، وقال: هذه البلاد هي حفظ [ثغور] (^٣) الإسلام، وإنما كنت تركتها في يده؛ ليساعدنا على غزو الإفرنج، فلم يكن يفعل ذلك، وكتب إلى الخليفة يعرفه بذلك.
وفي تاريخ بيبرس: وكان مرض غازي السِل، وأراد أن يعهد بالملك إلى ابنه الأكبر معز الدين سنجرشاه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة، فخاف من صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يجبه أخوه مسعود إلى ذلك، فأشار عليه أكابر دولته بأن يجعل الملك في أخيه عز الدين مسعود، وأن يجعل لولديه بعض البلاد، وأن يكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما، والمتولى لأمرهما مجاهد الدين قيماز، ففعل ذلك، وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجرشاه، وقلعة الحميدية (^٤) لولده الصغير ناصر الدين، وكان مجاهد الدين قيماز الحاكم في الجميع.
وقال ابن الأثير (^٥): كان قد علق به سل، وطالت علته، وأجدبت البلاد قبل موته، وخرج الناس يستسقون، وخرج سيف الدين معهم، فاستغاث إليه الناس، وقالوا: كيف يستجاب لنا والخمور والخواطيء والمظالم بيننا؟! فقال: قد أبطلتها. ورجعوا إلى البلد
_________________
(١) ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٦؛ الباهر، ص ١٨٠؛ الروضتين جـ ٢ ق ١، ص ٥٤ - ٥٥.
(٢) سروج: بلدة قريبة من حران من ديار مضر. معجم البلدان، جـ ٣، ص ٨٥.
(٣) "ثغر" في نسخة أ، والمثبت من نسخة ب.
(٤) قلعة الحميدية: قلعة حصينة في جبال الموصل، أهلها أكراد، وتقع شرقي الموصل: انظر: معجم البلدان جـ ٣، ص ٦٩٦؛ تقويم البلدان، ص ٢٧٤؛ الباهر ص ٤٨ حاشية (٥).
(٥) انظر: الباهر، ص ١٨٠ - ١٨١؛ كما ورد النص بتصرف في الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ٥٣ - ٥٤؛ مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفيهم رجل صالح يقال له: أبو الفرج الدقاق، فأحرق الخمور لا غير، ونهب العوام دكاكين الخمارين، فاستدعى الدقاق والى القلعة، وقال له: أنت جَرَّأْتَ العوام على السلطان. وضرب على رأسه، فانكشفت رأسه، وأطلق ونزل مكشوف الرأس، فقيل له: غطى رأسك، فقال: لا والله لا غطيتها حتى يُنتقم لي ممن ظلمني. فمات الدزدار (^١) والذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدين وتوفي.
ذكر حكايته مع الشيخ أبي أحمد الحداد الزاهد:
كان أبو أحمد قد انقطع في قرية من بلد الموصل، يقال لها الفضلية (^٢)، ومنها أصله، وهي على فراسخ من الموصل.
قال السبط (^٣): حدثني أبو بكر القديمى وإسماعيل الشعار، وكانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد، "قالا: كان سيف الدين يزور الشيخ أبا أحمد" (^٤)، فقال له يوما: "يا" (^٥) سيف الدين أي فائدة في زيارتك وأنت تشرب الخمر، وتبيح المحرمات، وتمكس (^٦) المسلمين؟ فإن كنت تدع هذا وإلا فلا تجيء إلى عندى. فقال: يا سيدي أنا تائب إلى الله من جميع ما قلت، وترك الجميع وعاد إلى ما كان عليه. وكان للشيخ طاقة على باب الزاوية، ينظر من يجيء من دمشق، قال: فبينما نحن عنده يوما، إذا بسيف الدين قد أقبل، وصعد على الدرج، فقال: يا أبا بكر أغلق الباب في وجهه وقل له مالك عندي شغل، وادفعه إلى أسفل الدرج. قال أبو بكر القديمي: فخرجت فاستحييت منه، فقال لي سيف الدين: يا شيخ أفعل بي ما أمرك الشيخ وأدار ظهره إلىَّ، فدفعت في ظهره، حتى أنزلته إلى أسفل الدرج، فقعد يبكي، وصاح الجند بأسرهم، فأشار لهم (^٧) أن
_________________
(١) الدزدار: هو حافظ القلعة، أي والى القلعة، ودز بالعجمى القلعة، ودار الحافظ أى حافظ القلعة، انظر: وفيات الأعيان، جـ ٧، ص ١٤٢.
(٢) الفضلية: قرية كبيرة كالمدينة من نواحي شرقي الموصل وأعمال نينوي، معجم البلدان، جـ ٣، ص ٩٠٣.
(٣) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٢.
(٤) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٥) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٦) المكس: جمعها المكوس. وهي الضريبة غير الشرعية.
(٧) "إليهم" في نسخة ب.
[ ١ / ٣٠١ ]
اسكتوا، ثم قال لي: يا شيخ أبو بكر اصعد إلى الشيخ، وقل له: فما لي توبة؟ قال: فصعدت إليه وأخبرته، فقال: قل له يجوز، قد أذنت له. قال: فخرجت وقلت له: بسم الله، فدخل على الشيخ، فبكى وقبَّل يده، وتاب إلى الله تعالى، وعاد إلى الموصل، وأقام مدة يسيرة، ومات يوم الأحد ثالث صفر، ولم يبلغ ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وشهورًا. وأراد أن يعهد إلى ابنه سنجر شاه، فامتنع أخوه عز الدين مسعود من ذلك، وقال له مجاهد الدين قيماز وأكابر الأمراء: قد علمت استيلاء صلاح الدين على البلاد وقربه منا، وسنجر شاه صبي لا رأي له، وأخوك عز الدين كبير السن، صاحب رأي وشجاعة، فاعهد إليه واجعله وصيًا على أولادك، ففعل. وكانت الرعية قد خافت من عز الدين مسعود؛ لإقدامه على سفك الدماء وحدَّته. فلما ولي تغيرت أخلاقه، فصار رفيقًا بالرعية، قريبًا منهم، محسنا إليهم. ولما مات سيف الدين كان صلاح الدين في حدود الروم، فأرسل إليه مجاهد الدين قيماز الفقيه أبا شجاع بن الدهان البغدادي (^١)، فطلب منه أن يكون مع عز الدين، كما كان مع أخيه سيف الدين، ويبقى عليه الجزيرة وما بيده من حران والرها والرقة وخابور ونصيبين وقاطع الفرات، فقال صلاح الدين: أما ما خلف له من بلاد الموصل فهو باق على حاله، وأما ما ذكره من بلاد الجزيرة فإنما كانت بيده بشفاعة الخليفة، على شرط أن يقوى ثغور المسلمين بالمال والعساكر، أما الآن فالخليفة قد فوَّض أمرها إلىَّ، لا أفعل "فيها" (^٢) إلا ما أراه من المصلحة.
الملك المعظم توران شاه؛ مات في هذه السنة. وقال ابن كثير (^٣): السلطان الأكبر الملك المعظم شمس الدولة (^٤) توران شاه بن أيوب، الذي افتتح بلاد اليمن عند أمر أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فمكث فيها حينًا، واقتني
_________________
(١) أبو شجاع بن الدهان: هو أبو شجاع محمد بن على بن شعيب المعروف بابن الدهان، والملقب فخر الدين، البغدادي الفرضي، توفي سنة ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م. انظر: وفيات الأعيان جـ ٥، ص ١٢ - ١٣.
(٢) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٣) البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٧.
(٤) "شمس الدين توران شاه" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، جـ ١، ص ٣٠٦؛ البداية والنهاية جـ ١٢، ص ٣٢٧؛ الروضتين جـ ٢ ق ١، ص ٥٦ - ٥٨؛ زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، جـ ١، ص ١٥٨.
[ ١ / ٣٠٢ ]
منها أموالا جزيلة، ثم استناب فيها، وأقبل نحو أخيه إلى الشام؛ شوقا إليه. وكان قدومه إليه في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة كما ذكرنا، فشهد معه مواقف مشهودة وغزوات محمودة، واستنابه على دمشق مدة، ثم سار إلى مصر فاستنابه على الإسكندرية (^١) فلم توافقه، وكان يعتريه القُولَنج (^٢) فمات بها في هذه السنة، فدفن فيها. ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب فدفنته بتربتها التي بالشامية البرانية (^٣) بدمشق، فقبره القبليّ، والوسطاني قبر زوجها ابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، والمؤخر قبرها، رحمها الله. والتربة الحسامية منسوبة إلى ولدها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي إلى جانب المدرسة من غربيّها، وقد كان الملك تورانشاه كريما جوادا ممدَّحا شجاعا باسلًا، عظيم في [الهيبة] (^٤)، كبير النفس واسع الصدر. وقال فيه ابن سعدان الحلبي:
هو المَلكُ إِنْ تَسْمَع بكسرى وقيصر … فإنهما في الجودِ والبأسِ عَبْدَاهُ
وما حاتمٌ (^٥) ممن يُقاسُ بمثلِه … فخُذْ ما رأيناه ودَعْ ما رويناهُ
ولُذْ بِذُرَاهُ مستجيرًا فِإنَّه … يُجِيرُك مِنْ جَوْرِ الزمانِ وعَدْواهُ
ولا (^٦) تتحَمَّلْ للسحائبِ مِنَّةً … إذا هطلت (^٧) جُودًا سَحَائبُ جَدْواهُ
ويُرسِلُ كَفْيه بما اشْتُق منْهُما … فَلِليُمْنْ يمناه (^٨) ولِلْيُسْرِ يُسْراهُ
ولما بلغ خبر موته إلى أخيه السلطان صلاح الدين، وهو مخيم بظاهر حمص، حزن حزنا شديدًا عليه، وجعل ينشد باب المراثي من الحماسة، وكانت محفوظته.
_________________
(١) "إسكندرية" في نسخة ب.
(٢) القولنج: مرض وصفة الخوارزمي بأنه اعتقال الطبيعة لانسداد المعي المسمى قولون. انظر: النوادر السلطانية، ص ٥٥، حاشية ٣.
(٣) هذه المدرسة توجد بالعقيبة بدمشق، وقد بنتها ست الشام بنت نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، أخت الملك الناصر صلاح الدين، وهي من أكبر المدراس وأعظمها وأكثرها أوقافًا. انظر الدارس، جـ ١، ص ٢٧٧ - ٢٧٩.
(٤) "الهيئة" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٧ حيث ينقل العيني عنه هذا النص.
(٥) "حتم" في البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٧.
(٦) "فلا" في الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ٥٦.
(٧) "هللت" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين جـ ٢ ق ١، ص ٥٦؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٢٧.
(٨) "يملاه" في نسخة ب.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقال ابن خلكان (^١): وكانت وفاة تورانشاه يوم الخميس مستهل صفر، ويقال: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة. وتورانشاه بضم التاء المثناة من فوقها (^٢) وسكون الواو وبعدها راء مهملة، ثم بعد الألف نون ساكنة، وبعدها شين معجمة وألف ساكنة وهاء، ومعناه ملك الشرق، وشاه لفظ أعجمي ومعناه الملك. وتوران اسم لبلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه (^٣) فقالوا: توران. وقد علم أن المضاف إليه يقدم على المضاف في لغتهم. فافهم.
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان، جـ ١، ص ٣٠٦ - ٣٠٩.
(٢) "فوق" في نسخة ب.
(٣) "خرموه" في نسخة ب.
[ ١ / ٣٠٤ ]