هو أبو يعقوب يوسف ابن السلطان عبد المؤمن [١٣] بن على القيسي الكومي (^٢)، توفي في هذه السنة، وذلك أنه سار في هذه السنة إلى بلاد الأندلس، وعبر البحر في جمع عظيم من عساكره وقصد بلاد الإفرنج، فحصر شنترين (^٣) من غرب الأندلس، وأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول من هذه السنة، وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية (^٤) وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين سنة وشهورًا (^٥). وكان فقيهًا حافظًا متفننًا (^٦)؛ لأن أباه هذبه وقرن به وبإخوته أكمل رجال الحرب والمعارف، فنشأوا في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء. وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جمّاعًا متّاعًا ضابطًا لخراج مملكته، عارفًا بسياسة رعيته. وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب، ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام قد كان يفوِّض الأمور إليهم لما علم من صلاحهم لذلك. والدنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه.
ثم إنه لما تمهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه، استرجع بلاد المسلمين من أيدي الإفرنج، لعنهم الله، وكانوا قد استولوا عليها. فاتسعت مملكته بالأندلس، وصارت سراياه تصل مغيرة إلى باب طليطلة (^٧)، وهي كرسي بلادهم وأعظم قواعدهم، ثم إنه حاصرها، فاجتمع الإفرنج كافة عليه، واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها، وعاد
_________________
(١) ورد هذا الحدث بتصرف في الكامل، ج ١٠، ص ١٢٩؛ المختصر، ج ٣، ص ٦٨.
(٢) هو أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن على القيسي الكومى صاحب المغرب. انظر: وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٣٠ - ص ١٣٨.
(٣) شنترين: كلمتان مركبة من شئت كلمة ورين كلمة. مدينة متصلة الأعمال بأعمال باجة في غربي الأندلس ثم غربي قرطبه وعلى نهر تاجة، ياقوت: معجم البلدان، ج ٢، ص ٣٢٧.
(٤) إشبيلية: مدينة كبيرة، بها قاعدة ملك الأندلس وسريره وهى غربي قرطبة. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٢٧٥.
(٥) "وشهرا" في الكامل، ج ١٠، ص ١٢٧.
(٦) "متقننًا" كذا في وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٣٠.
(٧) طليطلة: مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس، وكانت قاعدة ملوك القرطبيين وكرسي بلادهم وموضع قرارهم. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٥٤٥؛ وفيات الأعيان، ج ٧، ص ١٣١.
[ ٢ / ٢٥ ]
إلى مراكش (^١). وفي سنة خمس وسبعين قصد بلاد إفريقية وفتح مدينة قفصه، ثم دخل جزيرة الأندلس فحاصر مدينة شنترين شهرًا وذلك في سنة ثمانين وخمسمائة، وكان معه جمع كثيف، فأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول كما ذكرنا. وشَنْتَرين بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون، وهي مدينة في غرب الأندلس (^٢). قال ابن حوقل في كتاب المسالك والممالك: إن شنترين على البحر المحيط وبها يقع العنبر، ولا يعلم ببلد الروم والمحيط عنبر يقع في غير هذا الموضع. ويقع بشنترين في وقت من السنة دابة تحك الحجارة في وسط البحر، فيقع بها وبره في لين الخز ولون الذهب، فيجمع منه ما يُغْزَل وينسج ثيابًا، ويتلون الثوب ألوانًا. وكان ملوك بني أمية بالأندلس يحجرون عليه فلا ينقل ولا يشترى، ويزيد الثوب على ألف دينار لعزته وحسنه. (^٣)
وقال ابن خلكان (^٤): حكي لي بعض الفضلاء من أهل الأندلس أنه رأى قطعة من هذه الثياب هناك، وأراد أن يصفها لي فما قدر [أن] (^٥) يعبر عنها، ثم قال: لكنها أرفع وأنعم من نسج العنكبوت. .