والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته: هو السلطان الجليل الملك العادل، أبو الغنائم، نور الدين محمود (^٨) بن الملك الأتابك، قسيم الدولة عماد الدين أبي سعيد زنكي، ابن الملك آقسنقر الأتابك الملقب بقسيم الدولة أيضا، المعروف بالحاجب بن عبد الله. وكان
_________________
(١) "شنير" في نسختى المخطوطة أ، ب، وبالبحث لم نجد هذه الكلمة، وإنما وجدنا سنير، وهو جبل بين حَمص وبعلبك على الطريق، وعلى رأسه قلعة سنير. ويمتد غربا إلى بعلبك وشرقا إلى سلمية. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ١٧٠؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥١.
(٢) قصر حجاج: محلة كبيرة في ظاهر باب الجابية من دمشق، قيل إنه ينسب إلى حجاج بن عبد الملك بن مروان. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ١١٠.
(٣) الشاغور: محلة بالباب الصغير من دمشق بظاهر المدينة. معجم البلدان، ج ٣، ص ٢٣٦.
(٤) يذكر القلقشندي أن العقيبة تقع في الجانب الشمالي من دمشق وهي مدينة مستقلة بذاتها ذات أبنية جليلة وعمائر ضخمة. انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ٩٤.
(٥) "النّواب" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥١.
(٦) "الاستغناء" كذا في نسخة أ، والمثبت من نسخة ب؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥١.
(٧) انظر قول العماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٦.
(٨) انظر ترجمته في الباهر، ص ٤ وما بعدها؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٥؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٥٦ وما بعدها؛ وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٤ رقم ٧١٥؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٧ - ٣٠٤.
[ ١ / ١٤٩ ]
آقسنقر (^١) مملوك السلطان ملكشاه (^٢) ابن السلطان ألب أرسلان السلجوقي كما ذكرنا. فنور الدين أيضا تركي سلجوقي ولاءً، ولد وقت (^٣) طلوع الشمس يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحلب، ونشأ في كفالة والده، صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة، وتعلم الفروسية والرمي.
الثاني في ألقابه: السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط نور الدين، وعدته ركن الدين، وسيفه قسيم الدولة، وعمادها اختيار الخلافة، ومقرها ورضى الإمامة وأمرها فخر الملة ومخبرها شمس المعالى، وفلكها سيد ملوك الشرق والغرب، وسلطانها محيى العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين. ثم إن نور الدين أسقط الجميع قبل موته، وقال: اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي.
ورُوى أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد بن القيسراني، يأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له "به" (^٤) على المنابر، وكان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب، ولئلا يقول ما ليس فيه، فكتب ابن القيسراني كلامًا، ودعا له فيه، ثم قال: وأرى أن يقال على المنبر: اللهم وأصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك، أبا القاسم محمود بن زنكي، ابن آقسنقر، ناصر أمير المؤمنين. فإن هذا ما يدخله كذب ولا تزيده (^٥). فكتب نور الدين على رأسها بخطه: مقصودي أن لا يكذب على المنبر، أنا بخلاف كل ما يقال، [لا] (^٦) أفرح بما لا أعمل.
_________________
(١) هو: أبو سعيد آق سنقر بن عبد الله، الملقب قسيم الدولة، المعروف بالحاجب. جد البيت الأتابكى أصحاب الموصل. قتله تاج الدولة تتش سنة ٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م. وهو غير آق سنقر البرسقي الذي قتلته الباطنية سنة ٥٢١ هـ/ ١١٢٧ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ١؛ ص ٢٤١؛ الكامل، ج ٨، ص ٤٩٤ - ٤٩٥؛ البداية والنهاية: ج ١٢ ص ١٥٧؛ النجوم، ج ٥، ص ١٤١.
(٢) هو: أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب جلال الدولة. كان من أحسن ملوك السلاجقة سيرة حتى كان يلقب بالسلطان العادل. حكم من ٤٦٥ هـ - ٤٨٥ هـ / ١٠٧٣ - ١٠٩٢ م. وتوفي سنة ٤٨٥ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٨٣؛ الكامل، ج ٨، ص ٤٨١ - ٤٨٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ١٥١ - ١٥٣. وعن السلاجقة في غرب آسيا انظر: تاريخ الدول الإسلامية، ص ٣١٣ - ٣٢٢.
(٣) "قبل" في نسخة ب.
(٤) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٥) انظر: الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٣٠.
(٦) ما بين الحاصرتين إضافة لاستقامة النص.
[ ١ / ١٥٠ ]
الثالث في صفته: قال ابن خلكان (^١): كان أسمر اللون، طويل القامة، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى ذقنه. وقال ابن كثير (^٢): كان حلو العينين، واسع الجبين، تركي الشكل، ليس له لحية إلا في حنكهـ. وفي المرآة (^٣): وكان معتدل القامة، واسع الجبهة، بلحيته شعرات خفيفة في حنكهـ. ونشأ على الخير والصلاح وقراءة القرآن والعبادة.
الرابع في سيرته: كان ملكا مهيبا متواضعا، عليه جلالة ونور، [يعظم الإسلام وقواعد الدين، ويعظم الشرع (^٤)]. وقال ابن خلكان (^٥): وكان ملكا عادلا، زاهدا، عابدًا، ورعًا، مستمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير، مجاهدًا في سبيل الله.
وفي تاريخ الدولتين (^٦): ولقد كان من أولياء الله المؤمنين، وعباده الصالحين، وجمع الله له من العقل المتين، والرأي الثاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السلف الماضيين، والتشبه بالعلماءِ والصالحين، والإصغاء لسيرة مَن سلف منهم في حسن سمتهم، والاتباع لهم في حفظ حالهم ووقتهم، حتي روي في حديث المصطفى - ﷺ - وأسمعه. وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير في نشر السنة بالأداءِ والتحديث، رجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا، كما جاء في الحديث. فمن رآه شاهد من جلال (^٧) السلطنة، وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره. يحبُ الصالحين، ويؤاخيهم، ويزورُ مساكنهم. لحسن ظنه فيهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم؛ ومتى تكررت الشكاية إليه من أحد من ولاته، أمره بالكف عن أذى من تظَّلم
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٨.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٤؛ النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٧١.
(٣) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٢.
(٤) "عليه جلالة ونور الإسلام وتعظيم قواعد الشرع" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين من البداية والنهاية ج ١٢، ص ٣٠٢ لدقة المعنى.
(٥) انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٥.
(٦) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٠ - ٥٨١ حيث ينقل العيني بتصرف عن أبي شامة.
(٧) "خلال" في الروضتين، ج ١ ق ٢ ص ٥٨١، الذي ينقل عنه العيني. ويبدو أن هذا خطأ مطبعي في الروضتين.
[ ١ / ١٥١ ]
بشكاته، فمن لم يرجع منهم إلى العدل، قابله بإسقاط المنزلة والعزل. فلما جمع الله له من شريف الخصال، يسر له جميع ما يقصده من الأعمال، وسهل على يديه فتوح (^١) الحصون والقلاع، ومكن له في البلدان والبقاع (^٢).
وفي تاريخ ابن العميد: وكان ملكا عظيما، جليلا، عابدًا، سخيا، كريما، صالحا، معدودا من الأبدال (^٣). وفي تاريخ ابن العميد: ولما اشتهر من قلة ابتهاجه بالشعر، لما علم من تزيد الشعراء، وهي طريقة عمر بن عبد العزيز (- ﵁ -) زاهد الخلفاء.
قال يحيى بن محمد الوهراني في مقامة له، وقد سئل في بغداد عن نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمين زاهد وملك مجاهد، تُساعده الأفلاك، وتعضده الجيوش والأملاك، غير أنه عرف بالمرعى الوبَيل لابن السبيل، وبالمحل الجدب (^٤) للشاعر الأديب، فما يرزي ولا يعزى، وما لشاعر عنده من نعمة تجزي، وإياه عُنى أسامة بن منقذ (^٥) بقوله:
سلطاننا زاهد والناسُ قد زهدوا … [له] (^٦) فكلٌّ على الخيرات مُنكمشُ
أيامُه مثل شهر الصوم طاهرةٌ … من المعاصي وفيها الجوعُ والعطشُ
وقال صاحب التاريخ: ما كان يبذل أموال المسلمين إلا في الجهاد، وما يعود نفعه على العباد، وكان كما قيل في حق عبد الله بن محيريز؛ وهو من سادات التابعين بالشام. قال يعقوب بن سفيان الحافظ: حدثنا ضمرة عن الشيباني (^٧) قال: كان ابن الديلمي من
_________________
(١) "فتح" في نسخة ب.
(٢) عن هذه الصفة لنور الدين انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٣، حيث ينقل أبو شامة هذا القول عن ابن عساكر.
(٣) الأبدال: قوم بهم يقيم الله ﷿ الأرض وهم سبعون؛ أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر من سائر الناس. انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، مادة بدل، ج ٣، ص ٣٤٤؛ ابن عربي: الفتوحات المكية، السفر الأول، ص ٥٣، ط. هيئة الكتاب، القاهرة ١٩٨٥ م.
(٤) "الجديب" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٤.
(٥) هو: أبو المظفر أسامة بن مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الشيزري، مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم. له تصانيف عديدة في فنون الأدب. توفي سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م. انظر: ترجمته في الخريدة، قسم شعراء الشام، ج ١، ص ٤٩٨ - ٥٤٧؛ وفيات الأعيان، ج ١، ص ١٩٥.
(٦) ما بين الحاصرتين إضافة من الخريدة، قسم شعراء الشام، ج ١، ص ٥١٦؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٤.
(٧) "ضمرة الشيباني" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٤.
[ ١ / ١٥٢ ]
أنصر الناس لإخوانه، فذكر ابن محيريز في مجلسه، فقال رجل: "كان رجلا بخيلا" (^١)، فغضب ابن الديلمي وقال: كان جوادا حيث يحب الله، بخيلا حيث تحبون. وأما شعر ابن منقذ فلا اعتبار به، فهو القائل في ليلة الميلاد يمدح نور الدين:
في كلِّ عامٍ للبريَّة ليلةً … فيها [تُشَبُّ] (^٢) النارُ بالإيقادِ
لكِنْ لنورِ الدّين مِن دُونِ الوَرى … نارينِ نارُ قِرًى ونارُ جهادِ
أبدًا يُصَرِّفُها نداهُ وبأسُه … فالعامُ أجمعُ ليلةَ الميلادِ
مَلكٌ له في كلِّ جِيدٍ مِنَّةٌ … أَبْهَي من الأَطْواقِ في الأَجْيادِ
أعلى الملوكَ يدًا وأمْنعُهم حِمًى … وأمَدُّهم كفًا ببَذْل تلادِ
يعْطِى الجَزيلَ من النوالِ تبرُّعًا … مِن غيرِ مَسْألةٍ ولا مِيعادِ
لازالَ في سَعْدٍ ومُلْكٍ دائمٍ … ما دامَت الدُّنيا بغيرِ نفادِ
ولقد أكثر ابن منير (^٣)، وابن القيسراني (^٤)، والعماد الكاتب وغيرهم من مدح نورَ الدين بالكرم والجود، "وذلك كله" (^٥) يردّ قول الوهراني (^٦) وابن منقذ. على أن ابن منقذ قد رددنا شعره لشعره كما تراه. وإنما الشعراء وأكثر الناس كما قال الله [تعالى] (^٧) في وصف قوم: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا [مِنْهَا] (^٨) إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.
وما كل وقت يتفق العطاء، ويفعل الله ما يشاء.
_________________
(١) "رجل كان بخيلًا" في الروضتين عن الحافظ ابن عساكر، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٤.
(٢) "يشب" في نسخته المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٤.
(٣) هو: أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، الملقب مهذب الدين. كان شاعرا مجيدا مكثرا هجاءً معارضا للقيسراني في زمانه. توفي بحلب سنة ٥٤٨ هـ / ١١٥٣ م. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج ١، ص ٧٦ - ٩٥؛ وفيات الأعيان، ج ١، ص ١٥٦.
(٤) ابن القيسراني: أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر المخزومي الخالدي الحلبي، الملقب شرف الدين. كان هو وابن منير شاعرى الشام في ذلك العصر. توفي بدمشق سنة ٥٤٨ هـ. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج ١، ص ٩٦ - ١٦٠. وقد ذكر أبو شامة أشعار كثيرة لهما وللعماد في مدح نور الدين انظر: الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٤٤ - ٥٨؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٤٥٨.
(٥) "ما قليل منه" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٥.
(٦) "المهراني" في نسخة ب.
(٧) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٥.
(٨) ما بين الحاصرتين ساقط من نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من سورة التوبة: آية (٥٨).
[ ١ / ١٥٣ ]
الخامس في شجاعته (^١): كان يقال إنه لم يُر على ظهر الفَرس أحسن ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالأكرة (^٢)، وربما ضربها، ثم يسوق وراءها، ويأخذها من الهواء بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، ولم يُرَ جوكانه (^٣) يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده؛ لأن الكم ساتر لها. كان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة. فقال له يوما الفقيه قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا [لا] (^٤) تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد. فقال: أسكت يا قطب الدين، من هو محمود؟! [و] (^٥) من كان يحفظ البلاد قبلى؟! الله الذي لا إله إلا هو. قال: فبكى من حضر. وكان إذا حضر الحرب شد تركاشين (^٦)، وحمل قوسين، وباشر الحرب بنفسه، وشجاعته ظاهرة في غزواته وفتوحاته على ما ذكر في السنين المتقدمة.
السادس في ورعه وزهده: وقال ابن الأثير في تاريخه (^٧): قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين من قبل الإسلام إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز (﵃) ملكًا أحسن سيرة من نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه.
وقال الحافظ ابن عساكر (^٨) (﵀): وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من مِلك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار، وكان يُحضر الفقهاء ويستفتيهم فيما يحل له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عينوها، فلم يتعد إلى غيرها، ولم
_________________
(١) انظر: الباهر، ص ١٦٨ - ١٦٩؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٠؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ١٨ - ١٩.
(٢) هي: لعبة الكرة وهي اللعبة المعروفة الآن باسم Polo . وعن تعريف هذه اللعبة ووصف هيئة السلطان للعب بالميدان الأكبر. انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ٤٧؛ السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٤٤٤.
(٣) الجوكان: هو المحجن الذي تضرب به الكرة ويعبر عنه بالصولجان. انظر: صبح الأعشي، ج ٥، ص ٤٥٨؛ السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٤٣٥.
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من أ، والمثبت من ب.
(٥) ما بين الحاصرتين ساقط من أ، والمثبت من ب.
(٦) مثني تركاش؛ وهو لفظ فارسي الأصل، ومعناه الكنانة أو الجعبة التي توضع فيها النشاب. انظر. Dozy: Supp. Dict. Ar؛ السلوك، ج ١ ق ٢، ص ٣٧١.
(٧) انظر: الباهر، ص ١٦٣ حيث ينقل العينى عنه بتصرف، وانظر أيضا: الكامل، ج ١٠، ص ٥٦ - ٥٧.
(٨) ورد هذا النص في الباهر نقلا عن ابن عساكر، ص ١٦٤؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ١١.
[ ١ / ١٥٤ ]
يلبس حريرا قط، ولا ذهبا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر في بلاده، وكان يحد شاربها، والناس عنده سواء في ذلك، وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، وكان يقدم أشغال المسلمين عليها، ثم يتم أوراده (^١).
وكان قد تزوج الخاتون (^٢) بنت معين الدين [أُنر] (^٣)، فطلبت منه زيادة نفقة، وقال: قد فرضتها ما يكفيها، والله لا أخوض جهنم بسببها، وهذه الأموال ليست لى، وإنما هي للمسلمين، وأنا خازنهم، فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاثة (^٤) دكاكين، اشتريتها من الغنائم، قد وهبتها لها، وكان يحصل منها قدر يسير (^٥).
وكان أول من بنى دار العدل (^٦) بدمشق، وسماها دار الكشف؛ وسببه أن الأمراء لما قدموا دمشق اقتنوا الأملاك، واستطالوا على الناس خصوصًا أسد الدين شيركوه (^٧)، وكثرت الشكاوى إلى القاضي [كمال الدين] (^٨)، فلم يقدر على الإنصاف من أسد الدين، فشكوا إلى نور الدين، وأمر ببناء دار العدل، فأحضر أسد الدين شيركوه أصحابه
_________________
(١) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٣.
(٢) هي: الست خاتون عصمت الدين بنت معين الدين أُنر. توفيت سنة ٥٨١ هـ/ ١٠٨٥ م. انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٣٩؛ الشذرات، ج ٤، ص ٢٧٢.
(٣) "أنز" في الأصل؛ الكامل، ج ٩، ص ٣٦٤؛ الشذرات، ج ٤، ص ١٣٨. أما مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٢٢ - ١٢٣ فقد ورد الاسم "أبر". والمثبت بين الحاصرتين من ذيل تاريخ دمشق، ص ٢٨٨ - ٣٠٦؛ الباهر، ص ٥٨. وهو: معين الدين أُنر بن عبد الله، تولى منصب الاسفهسلار بدمشق زمن النوريين سنة ٥٣٢ هـ/ ١٠٣٨ م، ثم ارتفع شأنه حتي حاصر نور الدين دمشق، فتصالحا وتزوج نور الدين ابنته. توفي سنة ٥٤٤ هـ/ ١١٤٩ م.
(٤) "ثلاث" في نسختى المخطوطة أ، ب والصحيح لغويا ما أثبتناه.
(٥) عن معاملة نور الدين لزوجته انظر: الباهر، ص ١٦٤ حيث ينقل عنه العيني باختصار.
(٦) عن دار العدل بالتفصيل انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٤ - ١٩٥. وعن جلوس السلطان بدار العدل لخلاص المظالم انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ٤٤.
(٧) هو أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان، الملك المنصور، أسد الدين، عم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولاه العاضد الفاطمي الوزارة بمصر سنة ٥٦٤ هـ/ ١٠٦٩ م، فأقام بها شهرين وخمسة أيام. ثم توفى فجأة في نفس السنة، فتولى الوزارة صلاح الدين من بعده. انظر: الكامل، ج ١٠، ص ١٥ - ١٦، الباهر، ص ٤٣ - ٤٤؛ وفيات الأعيان، ج ٢، ص ٤٧٩؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٨) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من الباهر. وانظر ما سيأتي ص ١٥٧. وهو: القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري، الفقيه الشافعي. بني مدرسة بالموصل للشافعية. كان في خدمة نور الدين محمود بعد والده عماد الدين زنكي. كان فقيها أديبا شاعرا. توفي بدمشق سنة ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، ج ٢، ص ٣٢٣ - ٣٢٧؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٢٤١ - ٢٤٤؛ طبقات الشافعية، ج ٤، ص ٧٤ - ٧٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
وديوانه، وقال: إن نور الدين ما بني هذه الدار إلا بسببي وحدي؛ لينتقم مني، وإلا فمن هو الذي يمتنع على كمال الدين، والله لإن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه مهما أمكن، ولو أتي على جميع ما في يدي، فإن خروج أملاكي من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم، ويسوى بيني وبين آحاد العوام، ففعلوا وأرضوا الخصوم. فجلس نور الدين في دار العدل، وقال للقاضي: ما أري أحدا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر، فسجد وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا.
وكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل أسبوع أربعة أيام أو خمسة (^١)، ويحضر عنده العلماء والفقهاء، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه.
وكان إذا مات أحد من جنده أو قتل وله ولد؛ فإن كان كبيرا أقر الإقطاع عليه، وإن كان صغيرا رتب معه من يتولى أمره إلى أن يكبر (^٢).
وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده؛ من هيبته (^٣)، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة (^٤) قام ومشى إليه، وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك، يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه، فلهم المنة علينا (^٥).
وأسقط ما كان يؤخذ من دار بطيخ (^٦)، وسوق الخيل والغنم، والكيالة، وجميع المكوس (^٧). وعاقب على شرب الخمر.
_________________
(١) "وكان يجلس في الأسبوع يومين" كذا في الباهر، ص ١٦٨ ويوافق العيني في روايته ما ورد في المرآة، ج ٨، ص ١٩٤؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٩.
(٢) انظر: الباهر، ص ١٦٩. حيث يوضح نظام الإقطاع في دولة نور الدين؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٨٠ حيث تعليق د. الشيال على ذلك.
(٣) عن وقاره وهيبته، انظر الباهر، ص ١٧٢ - ١٧٣؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠١.
(٤) هم المتصوفة. والخرقة: هي خرقة التصوف. وهي ما يلبسه المريد من يد شيخه الذي يدخل في إرادته ويتوب على يده، انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، ج ٢، ص ٢٢٤.
(٥) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٢؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠١.
(٦) دار البطيخ: محلة ببغداد كانت تباع فيها الفواكه، توجد في درب الأساكفة بجانب درب الخير، ثم نقلت إلى الكرخ، انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٥١٧؛ الدارس، ج ٢، ص ٣١٤.
(٧) عن ابطال نور الدين للمكوس انظر: ذيل تاريخ دمشق، ص ٣٢٩؛ الباهر، ص ١٦٦؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ١ / ١٥٦ ]
وكان كثير المطالعة في الكتب الدينية، متبعا الآثار النبوية، مواظبا على الصلوات الخمس في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، حريصا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدا في الإنفاق، متحريا في المطعم والمشرب والملبس. لم تسمع منه كلمة فحش قط، لا في رضاه ولا في غضبه، هذا مع ما جمع الله فيه من العقل المتين، والرأي الصائب الرصين، والاقتداء بسنة السلف الصالحين حتي روي حديث المصطفى [وأسمعه] (^١)، وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير، ونشر السنة والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا، كما جاء في الحديث. وكان يكتب خطًا حسنا، وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة (- ﵁ -)، وليس عنده تعصب على أحد، والمذاهب كلها سواء.
وقال ابن الأثير (^٢): وكان يوما يلعب بالأكرة في ميدان دمشق، فجاء رجل، فوقف بإزائه، وأشار إليه، فقال للحاجب: أسأله ما حاجته، فسأله، فقال: لى مع نور الدين حكومة، فرمى الصولجان من يده، وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك: لا تنزعج واسلك معه ما تسلكه مع آحاد الناس، فلما سوى بينه وبين خصمه، وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان يدعى مُلكا في يد نور الدين، فقال نور الدين للقاضي والعدول: هل ثبت له عليّ حق؟ قالوا: لا، قال: فاشهدوا أني قد وهبت له هذا المُلك، وقد كنت أعلم أنه لا حق [له] (^٣) عندي، وإنما حضرت معه؛ لئلا يقال عنى: إني دُعيت إلى مجلس الشرع فأبيت (^٤).
_________________
(١) "واسمه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والصحيح ما أثبتناه.
(٢) انظر: الباهر، ص ١٦٦ - ١٦٧؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٣؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٩.
(٣) "لك": في الأصَل: ويبدو أنه خطأ من الناسخ ويؤيد ذلك الضمير السابق واللاحق في الكلام، انظر: الباهر، من ص ١٦٦ - ١٦٧؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٩.
(٤) انظر هذه القصة عن عدله في الكامل، ج ١٠، ص ٥٧؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٣، الروضتين، ج ١ ق ١، ص ١٥؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٩.
[ ١ / ١٥٧ ]
قال (^١): ودخل يوما إلى خزائنه، فرأى مالا كثيرا، فقال: من أين هذا؟ قال خازنه: بعث به القاضي كمال الدين من فائض الأوقاف، فقال: ردُّوه إليه، وقولوا له: إن رقبتي دقيقة لا [تقدر] (^٢) على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة، تقدر على حمله.
وكان له برسم نفقته الخاص في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس (^٣)، يصرفها في كسوته، وملبوسه، ومأكوله، حتى أجرة خياطه وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. ويقال: إن قيمة القراطيس مائة وخمسون درهما، وقيل: كل ستين قرطاسا أو سبعين بدينار (^٤).
قال ابن الأثير (^٥): وما كان يصل إليه من هدايا الملوك وغيرهم يبعثه إلى القاضي كمال الدين، يبيعه ويعمر به المساجد المهجورة، ولا يتناول منه شيئا.
وقال ابن الجوزي (^٦): وكان يتدين بطاعة الخلافة، والطرق آمنة في أيامه، والمحامد كثيرة، وكان يميل إلى التواضع، ويحب العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا. وقد صنف له كتابا سماه "الفخر النوري" (^٧) فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك. وصنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد، وهو بدمشق.
وقال السبط (﵀) (^٨): كانت له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر (^٩) للأبواب، وتبيعها العجائز، ولا يدري من أخذ، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها. وحكي شرف الدين يعقوب ولد المبارز المعتمد أن في دارهم سكرة من عمل نور الدين، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة، يتبركون بها. وفي المرآة (^١٠)
_________________
(١) القول لابن الأثير حيث يستمر العيني في الاقتباس منه. انظر: الباهر، ص ١٦٧؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٣؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ١٦ - ١٧؛ مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٨١.
(٢) "أقدر" في نسخة أو ما أثبتناه من نسخه ب.
(٣) "قرطاش" في نسخة ب.
(٤) عن الأوقاف والصدقات انظر: الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢٦، حيث ينقل أبو شامة عن العماد الأصفهاني.
(٥) بالرجوع إلى ابن الأثير، لم نجد النص المذكور وإنما ورد في مصادر أخرى. انظر هذا القول في الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢٦، حيث ينقل أبو شامة عن العماد الأصفهاني.
(٦) انظر: المنتظم، ج ١٨، ص ٢١٠؛ انظر أيضًا: المرآة، ج ٨، ص ١٩٦ - ١٩٧.
(٧) انظر مؤلفات ابن الجوزي كما أوردها السبط في المرآة، ج ٨، ص ٣١٢ - ٣١٦؛ هدية العارفين، ج ١، ص ٥٢٠ - ٥٢٣.
(٨) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٧ حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٩) "الكساكير" في المرآة، ج ٨، ص ١٩٧.
(١٠) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٧ - ١٩٩.
[ ١ / ١٥٨ ]
قال: حكى لى رجل صالح من أهل حرّان (^١) قال: لما قُتل أتابك زنكي على قلعة جعبر (^٢)، وملك نور الدين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس ورد المظالم وأنا حديث عهد بعرس، وقد ركبني دين، فقالت لي زوجتي: قد سمعتُ أوصاف نور الدين، وإحسانه إلى الناس، فلو قصدته وأنهيت إليه حالك (^٣) لقضى دينك، قال: فخرجت من حرّان وليس معي سوي درهمين، فتركت عندها درهمًا، وتزودت بدرهم، وأتيت الفرات وقت القائلة، فعبرت جسر منبج (^٤)، وأبعدت عن أعين الناس، وخلعت ثيابي، ونزلت فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، وإذا إلى جانبي شخص، ملفوف في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وإلى أين؟ قلت: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلت: أنا فقير مديون، وقد بلغني إحسان نور الدين إلى الخلق، فقصدته لعله يقضي ديني، فقال: وأين أنت من نور الدين؟ ومن يوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلت: خمسون دينارا، فأخرج يده من العباءة، وبحث [في] (^٥) الرمل، وأخرج منه قرطاسا وألقاه إليّ، وقال: خذ هذا فاقض به دينك، وارجع إلى أهلك: قال: فأخذته فعددته، وإذا به خمسون دينارا، فالتفتُ فلم أره، فبهتُ وبتُ في مكاني [أتفكر] (^٦) هل أرجع إلى حران، أم أمضي إلى حلب، وترجح عندى المضي إلى حلب، وقلت في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟.
ثم قمت وقصدت طريق حلب، فبتُ بباب بزاعة (^٧)، وقمت في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح، وقعدت تحت القلعة، وإذا قد فتح بابها، ونزل نور الدين في أبهة عظيمة، والأمراء بين يديه، حتى جاء إلى الميدان، فلما أراد أن يدخل، نظر إليَّ فرمقني طويلا، وأشار إلى خادم بين يديه، فجاء الخادم إلى، وقال: قم، فأخذني،
_________________
(١) حران: قصبة ديار مضر. وهي على طريق الموصل والشام والروم. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٢٣٠ - ٢٣٢.
(٢) جعير: هي على الفرات بين بالس والرقة، قرب صفين. وكانت قديمًا تسمى دوسر. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٤.
(٣) "ذلك" في نسخة ب.
(٤) منبج: بلد قديم، بين الفرات وحلب. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٦٥٤ - ٦٥٥.
(٥) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٨.
(٦) "اذكر" في الأصل والمثبت من المرآة، وهو الأصح.
(٧) بزاعة: هي بلدة من أعمال حلب، بين منبج وحلب. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٦٠٣.
[ ١ / ١٥٩ ]
وصعد بي [إلى] (^١) القلعة، قال: فندمت على مجيئي حلب، وقلت: ياليتني قبلت من ذلك الرجل الصالح، ولعل نور الدين يتوهم أني إسماعيلى.
قال: فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان (^٢)، وَمُدَّ سماط عظيم، ولم يمد يده إليه، وإذا قد فتح باب عن يمينه صغير، وخرج منه خادم، وعلى يده طبق خوص، مغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة (^٣) عليها رغيف، فتأملتها من بعيد، وهي ترِدُه، فتناول منها شيئا يسيرا، وأكل الناس وأكلت معهم، وصرف الناس، وبقيت قاعدا خائفا، فأومأ إلى، فقمت وأتيت إلى بين يديه، وأنا خائف أرعد، فقال: من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وما الذي أقدمك؟ قلت: على دين وبلغني إحسانك إلى الناس، فقصدتك لتقضي ديني، قال: وكم دينك؟ قلت: خمسون دينارا، قال: ما أعطاك صاحب العباءة أمس على الفرات خمسين دينارا؟ هل لا رجعت إلى أهلك، وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما (^٤) يطلب شيئا آخر. ثم قال: ما يضيع تعبك، ورفع سجادته، وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس الذي أعطاني صاحب العباءة. قال: فبكيت بكاء كثيرا، وقلت: لا آخذه حتي تخبرني بصاحب العباءة، قال: هو أمر لا يلزمك، فقلت: يا مولاي أنا غريب وضيف ولي حرمة، فبالله عليك أخبرني، فقال: إحلف لي أنك لا تتحدث بهذا في حال حياتي، فحلفت له، فكشف [القباء] (^٥)، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. فقلت: بالله الذي أعطاك هذه المنزلة بأى شئ وصلت إلى هذا، فقال: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (^٦).
قال: لما التقينا بالإفرنج على حارم (^٧)، ونصرنا الله عليهم، وعدت إلى حلب،
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من أ ومثبت من ب.
(٢) "الديوان" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٨.
(٣) الغضارة: صحفة من الطين يوضع فيها الطعام. انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة "غضر"، ج ٦١، ص ٣٢٧.
(٤) "فلا" في نسخة ب.
(٥) "العباءة" في الأصل، والمثبت من المرآة، ج ٨، ص ١٩٩ حيث ينقل عنه العيني.
(٦) سورة الأنبياء: آية (١٠١).
(٧) هي حصن حصين وكورة جليلة تجاه أنطاكية، وهي من أعمال حلب، انظر: معجم البلدان؛ ج ٢، ص ١٨٤؛ وعن فتح نور الدين لحارم انظر: الباهر، ص ١٢٢ - ١٢٦؛ الكامل، ج ٤، ص ٤٦٧ - ٤٦٩؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٣٣٩ - ٣٤٣.
[ ١ / ١٦٠ ]
التقاني في الطريق شاب حسن الوجه، طيب الرائحة، فسلم على وقال: يا محمود أنت من الأبدال، وقد أعطاك الله الدنيا، فاشتر بها الآخرة، وسله مهما شئت، ثم علمني كلمات وقال: إذا طلبت أمرًا فاذكرها، فقلت له: بالله من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، ثم غاب عني. فإذا عزمت على أمر، أو أردت أن أذهب إلى مكة أو إلى المدينة أو إلى أي بلد شئت، لبست العباءة، وتكلمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة.
قال السبط (^١) أيضا: وحكى لى نجم الدين الحسن بن سلام (^٢) أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا (﵀) قال: لما ملك الأشرف (^٣) بن العادل دمشق، وبني مسجد أبي الدرداء (^٤) في القلعة، وأفرده عن الدور، قال: وما صلى فيه أحد منذ زمان أبي الدرداء إلى الآن. فقلت له: الله الله يا مولانا، مازال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: حدثني والدي -وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسعيد- أنه لما نزلت الفرنج على دمياط (^٥) بعد وفاة أسد الدين شيركوه (﵀) وضايقوها وأشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف (^٦). وكان مهيبًا لا يتجاسر أن يخاطبه أحد في ذلك (^٧)، وكان له إمام يقال له يحيى، ضرير، يصلي به في هذا المسجد، وكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواص نور الدين وخدمه، وقالوا [له] (^٨): قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله (^٩)، وأنت تدل
_________________
(١) يستمر العيني في النقل بتصرفه عن المرآة، ج ٨، ص ١٩٩.
(٢) هو: النجم بن سلام، متولي ديوان دمشق بالقلعة بعد الشمس بن النفيس. توفي سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م. انظر: الذيل على الروضتين، ص ١٧٥.
(٣) هو: الملك الأشرف موسي بن العادل أبو بكر بن أيوب. ملك دمشق بعد ابن أخيه الناصر داود سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م. وذلك بالاتفاق مع أخيه الملك الكامل محمد. توفي سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٣٣٠ - ٣٣٦.
(٤) هو: عويمر بن زيد، أو ابن عامر، أو ابن مالك، بن عبد الله بن قيس بن عائشة بن أمية، أسلم يوم بدر، توفي سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٢ م، انظر السلمي: طبقات الصوفية، ص ٥٧ - ٥٨، حاشية (و). والمسجد من المقامات والمزارت في قلعة دمشق. انظر: خطط الشام، ج ٦، ص ١٥٧؛ وانظر أيضًا: ابن قتيبة: المعارف ص ٢٦٨، تحقيق ثروت عكاشة، القاهرة ١٩٦٠ م.
(٥) عن نزول الفرنج على دمياط انظر: ما سبق في أحداث سنة ٥٦٥ هـ؛ انظر أيضا: الباهر، ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٦) "أن يتلف" في نسخة ب.
(٧) "لا يتجاسر أحد أن يخاطبه في ذلك" في نسخة ب.
(٨) ما بين الحاصرتين ساقط من أ، والمثبت من نسخة ب.
(٩) "لا نقابله" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٠٠.
[ ١ / ١٦١ ]
عليه، ونحن [نسألك] (^١) أن تسأله أن يتناول شيئا مما يحفظ به قوته، فقال: نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته. قال: فلما كان في تلك الليلة، رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله (- ﷺ -) يقول له: يا يحيي بشر نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلت: يا رسول الله ربما لا يصدقني، وأريد له أمارة، قال: قل له بعلامة يوم حارم، قال: فانتبه يحيي وهو ذاهب العقل، فلما صلى نور الدين خلفة الفجر وسلم، شرع [يدعو، ففاته] (^٢) أن يتحدث معه، فقال له نور الدين: يا يحيى، قال: لبيك يا مولانا، قال: تحدثني أو أحدثك، قال: فارتعد يحيى وخرس، فقال له: أنا أحدثك؛ رأيت النبي (- ﷺ -) في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا، فقال: نعم يا مولانا، فقال: يا مولانا ما معنى قوله ﵇: بعلامة يوم حارم؟ فقال له نور الدين: لما التقى الصفان يوم حارم، خفت على الإسلام؛ لأني رأيت من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردت عن العسكر، ونزلت فمرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدى مَنْ محمود في الدين؟ الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم (^٣).
السابع: فيما فعله من الخيرات وما بناه من بيوت العبادات وغيرها (^٤):
وكان نور الدين (﵀) بنى المدائن، وأوقف الأوقاف، وبني سور دمشق والمساجد والمدارس، ووقف أوقافا على المرضى والمجانين، وبني المكاتب لليتامى، وبنى المارستان (^٥) في دمشق.
_________________
(١) "نسأله" في نسختي أ، ب. والمثبت من مرآة الزمان ج ٨، ص ٢٠٠، حيث ينقل عنه العيني، ويتمشى مع السياق.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة يحتاجها النص من المرآة، ج ٨، ص ٢٠٠.
(٣) إلى هنا ينتهي النص المنقول بتصرف من مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٠٠.
(٤) عن تفاصيل هذه المنجزات انظر: الباهر، ص ١٧٠ - ١٧٢؛ مراة الزمان، ج ٨ ص ١٩٢؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٨.
(٥) المارستان: مستشفى لمعالجة المرضى وإقامتهم، وهو لفظ فارسي مركب من "بيمار" أي مريض و"ستان" أي محل. ويقال بيمرستان وبيمارستان. وأول من بنى المارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك. وكان بدمشق ثلاث مستشفيات أو بيمارستانات الأول أنشأه نور الدين محمود بن زنكي، كما أنشأ غيره في البلاد. وكان بيمارستان دمشق أعظمها وأكثرها خرجا ودخلا. انظر: خطط الشام، ج ٦، ص ١٦١ - ١٦٢.
[ ١ / ١٦٢ ]
ووقف على سكان الحرمين، وأقطع أمراء العرب القطائع؛ لئلا يتعرضوا للحاج. وأمر بإكمال سور المدينة، وأجرى إليها العين التي تأخذ من أُحُد من عند قبر حمزة (- ﵁ -).
وبنى الرُبط والحانات والقناطر، وجدد كثيرا من قني السبيل، ووقف كتبا كثيرة في مدارسه. وأول من بنى دار العدل بدمشق، وقد ذكرناه.
وبني جامعا في الموصل، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر المُلا، وكان من الصالحين، وإنما سمي المُلا؛ لأنه كان يملأ تنانير الآجر، ويأخذ الأجرة فيتقوت بها، وكان لا يملك شيئا من الدنيا، وكان عالما بفنون العلوم، وجميع الملوك والعلماء والأعيان يزورونه ويتبركون به. وصنف كتاب سيرة النبي (- ﷺ -). وكان يعمل بمولد رسول الله (﵇) في كل سنة، ويحضر عنده صاحب الموصل والأكابر، وكان نور الدين يحبه ويكاتبه.
وكان مكان الجامع النوري (^١) خربة واسعة، ما شرع أحد في عمارتها إلا وقصر عمره، فأشار عمر على نور الدين بعمارتها جامعا، فاشتراها، وأنفق عليها أموالا كثيرة، يقال ستون ألف دينار، ويقال ثلثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين. ولما تم، جاء نور الدين إلى الموصل، وهي المرة الأخيرة، فصلى فيه، ووقف عليه قرية بالموصل، ورتب فيه الخطيب والمؤذنين والحصر والبسط وغيرها. ثم دخل عمر المُلا على نور الدين وهو جالس على دجلة، فوضع بين يديه أوراق الحساب والخرج، وقال: يا مولانا أشتهي أن تنظر فيها، فقال له نور الدين: يا شيخ نحن عملنا هذا لله، دع الحساب إلى يوم الحساب، ثم رمى بالأوراق في الدجلة (^٢).
_________________
(١) يقصد جامع الموصل السابق ذكره. وعن قصة بناء الجامع النوري بالموصل انظر: الباهر، ص ١٧٠؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٥.
(٢) انفرد السبط بذكر هذه الحادثة. انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٥.
[ ١ / ١٦٣ ]
وقال ابن الأثير (^١): وبني جامع حماة (^٢) على العاصي (^٣)، وهو من أحسن الجوامع. قال (^٤): ووقع بيد نور الدين إفرنجي (^٥) من أكابر الملوك، ففدى نفسه بمال عظيم، فشاور نور الدين أمراءه، فأشاروا ببقائه في الأسر؛ خوفا من شره، فأرسل إليه نور الدين في السر، يقول: أحضر المال، فأحضر ثلثمائة ألف دينار، فأطلقه نور الدين، فعند وصوله إلى مأمنه مات. وطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال نور الدين: ما تستحقون منه شيئا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحُسْنَيْين: الفداء، وموت اللعين وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال مارستان دمشق، ومدرسة ودار الحديث بدمشق (^٦)، ووقف عليها الأوقاف.
قال ابن الأثير (^٧): وبلغني أن أوقاف نور الدين في أبواب البر بالشام في وقتنا هذا، وهو سنة ثمان وستمائة، كل شهر تسعة آلاف دينار صورِية (^٨)، ليس فيها مِلك، بل حق ثابت بالشرع باطنا وظاهرا، صحيح الشراء.
وقال السبط (^٩): أما في زماننا هذا فقد تشعَّث وقفه، وتغيرت صفاته، ولم يبق منه إلا آثاره وبركاته.
_________________
(١) انظر: الباهر، ص ١٧٠، حيث ينقل العينى عنه بتصرف؛ المرآة، ج ٨، ص ١٩٥؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢١.
(٢) جامع مفرد مشرف على نهرها، المعروف بالعاصي، عليه عدة نواعير تستقى الماء من العاصي فتسقي بساتينها وتصب إلى بركة جامعها. انظر: معجم البلدان ج ٢، ص ٣٣١، مادة "حماة"؛ خطط الشام، ج ٦، ص ٦١.
(٣) اسم نهر حماة وحمص، مخرجه من بحيرة قَدَسْ ومصبه في البحر قرب أنطاكية. والعاصي ضد الطائع. وقد سمي بذلك لأن أكثر الأنهرُ تتوجه ذات الجنوب، وهو يأخذ ذات الشمال. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٥٨٨.
(٤) القول هنا ليس لابن الأثير. فقد ذكر ابن الأثير، أن نور الدين أطلق بيمند صاحب أنطاكية بمال جزيل أخذه منه، وأسرى كثيرة من المسلمين أطلقهم". انظر: الباهر، ص ١٢٥؛ الكامل، جـ ٩، ص ٤٦٩، أحداث سنة ٥٥٩ هـ. أما عن تفصيل هذه النادرة وارتباطها ببناء مارستان دمشق، انظر: مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٩٦ - ١٩٧؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢١؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٠٠.
(٥) هو: البرنس بوهيموند الثالث صاحب أنطاكية. ويطلق عليه العرب بيمند. وقد أسره نور الدين في معركة حارم مع عدة من ملوك الفرنج وذلك في سنة ٥٥٩ هـ/ ١١٦٤ م. انظر: الباهر، ص ١٢٥؛ حسين مؤنس: نور الدين محمود، ص ٢٩٤ - ٢٩٧.
(٦) عن مدرسة ودار الحديث النورية بدمشق انظر: الدارس، ج ١، ص ٦٠٨ - ٦١١؛ الباهر، ص ١٧٢.
(٧) نقل العينى هذا النص بتصرف من الباهر، ص ١٧٢. انظر أيضًا: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٥؛ الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢٣.
(٨) الدنانير الصورية: هي الدنانير المسكوكة التي يؤتي بها من البلاد الإفرنجية والروم، وهي مشخصة، على أحد وجهيها صورة الملك الذي تضرب في زمنه. ويعبر عنها بالإفرنتية. انظر: صبح الأعشي، ج ٣، ص ٤٣٧.
(٩) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٥.
[ ١ / ١٦٤ ]
وقال [العماد] (^١): في سنة وفاته أكثر من الخيرات والصدقات والأوقاف، وعمارة المساجد المهجورة، وإسقاط كل ما كان فيه من الحرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج، وما يحُصَّل من قسمة الغلات على قويم المنهاج. قال: وأمرني [بكتابة] (^٢) المناشير لجميع أهل "البلاد" (^٣)، فكتبت أكثر من ألف منشور. وحسِبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان (^٤) ثلاثين ألف دينار.
وقال العماد (^٥): بني جامع قلعة دمشق، ومسجد عطية (^٦) بباب الجابية، ومسجد الرماحين (^٧)، ومسجد سوق الصاغة، ومسجد دار البطيخ، ومسجد العباسي (^٨)، ومسجد بجوار بيعة اليهود، ومسجد الكشك (^٩) وأشياء أخر.
وقال ابن الجوزي: وكان من عزمه أن يفتح (^١٠) البيت المقدس، فعمر منبرا وقبلة بجامع حلب على اسم القدس، فتوفي قبل الفتوح. فلما ملك صلاح الدين البيت المقدس، حمل المنبر إليه، وأبقى القبلة بجامع حلب. وحكي عن الشيخ أبي عمر شيخ المقادسة (﵀) قال: كان نور الدين (﵀) يزور والدي الشيخ أحمد (﵀) في المدرسة الصغيرة (^١١) التي على نهر يزيد، المجاورة للدير، ونور الدين بني هذه المدرسة والمصنع والفرن.
_________________
(١) "ابن الأثير" في الأصل وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه من الروضتين ج ١ ق ١، ص ٢٦؛ مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٦ حيث ينقل كلًا من أبي شامة والسبط هذا القول عن العماد. وقد نقل العينى هذا النص بتصرف.
(٢) "بكتبه" في الأصل. والتصحيح من الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٢٦، حيث ينقل أبو شامة هذا النص من العماد.
(٣) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٤) كذا في الأصل والمرآة، ج ٨، ص ١٩٦، عن العماد. وفي الروضتين عن العماد "فزاد علي" انظر: ج ١ ق ١، ص ٢٦.
(٥) انظر: قول العماد في المرآة، ج ٨، ص ١٩٦. وقد ذكر السبط هذه الجوامع والمساجد في معرض الحديث عن إحصاء نور الدين للمساجد لوقف الأوقاف عليها.
(٦) يعرف بمسجد عطية الحائك. انظر: الدارس، ج ٢، ص ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٧) مسجد الرماحين: يعرف بمسجد الطريفيين في سوق السراجين. الدارس، ج ٢، ص ٣٠٦.
(٨) مسجد العباسي: ويعرف بسوق الأحد قبلة المطرزين، له بابان، انظر: الدارس، ج ٢، ص ٣٢٨.
(٩) مسجد الكشك: كان دارًا فبناه الملك نور الدين مسجدًا، وبنى له منارة، وعين له إمامًا ومؤذنًا. الدارس، ج ٢، ص ٣١٥.
(١٠) "أن يفتح" مكرره في نسخة ب.
(١١) المدرسة الصغيرة على نهر يزيد، بجوار دير الحنابلة. ووصفت بالصغيرة لأنها صغيرة بالنسبة للمدرسة العمرية، وهي مسجد ناصر الدين غربي المدرسة العمرية. وقد بناها نور الدين محمود. انظر: الدارس، ج ٢، ص ١٠٣ - ١٠٤.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقال ابن خلكان (^١) (﵀): وبني نور الدين المدارس بجميع بلاد الشام الكبار مثل: دمشق وحلب وحماه وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، وبني جامع الرها، وجامع منبج ودار الحديث بدمشق.
وقال النويري في تاريخه (^٢): وأحصيت أوقافه، وكانت في كل شهر تسعة عشر ألف دينار مصرية من وجه حل إما من إرث والده، أو من سهمه في الغنيمة. وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل: دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر (^٣) وبعلبك وغيرها، لما هدمت بالزلازل.
وقال ابن كثير (^٤): وبني المارستان الذي بدمشق، وهو أحسن ما بني من المارستانات بالبلاد، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا لم توجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه، فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إليه مستوصفا، فلا يمنع من شرائه، ولهذا جاء نور الدين إليه، وشرب من شرابه. وقال ابن كثير (^٥): ويقول بعض الناس: إنه لم تخمد النار منه منذ بُني إلى زماننا هذا، والله أعلم. وقد بني الخانات في الطرقات والأبراج، [ورتب الخفراء] (^٦) في الأماكن المخوفة، وفيها الحمام الهوادي (^٧) التي تطالع بالأخبار في أسرع مدة، وبني الربط والخانقاهات (^٨).
وقال ابن الأثير (^٩): وهو أول من بني دار الحديث، ووقف على من يعلم الأيتام الخط، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى من يقرئ القرآن، وعلى المجاورين بالحرمين. وكان الجامع بدمشق داثرًا، فولي نظره للقاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري
_________________
(١) انظر: ترجمة نور الدين محمود بن زنكي في وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٥، حيث ينقل العينى عنه باختصار.
(٢) بالرجوع إلى تاريخ النويري "نهاية الأرب" لم نجد هذه المعلومة بخصوص أوقافه في كل شهر. انظر: نهاية الأرب، ج ٢٧، ص ١٦٧، ولمعرفة تفاصيل أوقافه انظر: أبو شامة، الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٣٩ - ٤٤.
(٣) شيزر: قلعة تشتمل على كورة بالشام قرب المعرة بينها وبين حماة يوم. انظر: معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٥٣.
(٤) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٠.
(٥) ينقل العيني هنا عن ابن كثير بتصرف، البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٠.
(٦) "والخفر" في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٠، حيث ينقل عنه العيني هذا الخبر.
(٧) الحمام الهوادي: ذكر أبو شامة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٢٠، أنها: "المناسيب التي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها". انظر أيضا: الباهر، ص ١٥٩.
(٨) خانقاه وجمعها خنقاوات وخنقاهات، وهي منزل للصوفية. العصر الممالكى، ص ٤١١.
(٩) انظر: الباهر، ص ١٧٢؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٨١.
[ ١ / ١٦٦ ]
الموصلي، الذي قدم به فولاه قاضي القضاة بدمشق، فأصلح أموره، وفتح المشاهد الأربعة، وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترق في سنة إحدى وستين وأربع مائة، وأضاف إلى أوقاف الجامع الأوقاف التي لا يعرف (^١) واقفوها، ولا يعرف (^١) شروطهم فيها، وجعلها قلما واحدا، وسمي مال المصالح، ورتب عليه ذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك.
وأحاط السور على حارة اليهود، وكان خرابا، وأغلق باب كيسان، وفتح باب الفرج، ولم يكن هناك قبله باب بالكلية. وحكى الشيخ شهاب الدين: أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيط الذي قبليه نصفه على "تطييب" (^٢) جامع دمشق، والنصف الآخر يقسم على أحد عشر جزءًا، جزءان منها على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية، والتسعة الأجزاء الباقية على تطييب المساجد التسعة (^٣)؛ وهي: جامع الصالحية بجبل قاسيون، وجامع القلعة، ومسجد عطية، ومسجد ابن لبيد بالفسقار (^٤)، ومسجد الرماحين المعلق، والمسجد العباسي بالصاغة، ومسجد دار البطيخ المعلق، والمسجد الذي جدده نور الدين بجوار بيعة اليهود، لكل من هذه المساجد جزء من أحد عشر جزءا من النصف.
الثامن في فتوحاته وبلاده:
قال النويري: وكان قد اتسع ملكهـ جدًا، وخطب له بالحرمين ومصر والشام وحلب وديار بكر والجزيرة، وكذلك باليمن لما ملكها الملك المعظم توران شاه بن أيوب بن شاذي، وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وكرمه وصدقاته. وتصدق في شهر واحد بثلاثين ألف دينار، وقسم في يوم واحد مائتي ألف دينار، خلاف الدواب والسلاح والخيام. وكان يحضر أماثل البلد عنده، ويعطيهم الذهب، ويقول: تصدقوا به على من تعرفونه في جواركم من الأرامل والأيتام (^٥).
_________________
(١) "تعرف" في نسخة ب.
(٢) "تطبيب" في الروضتين، ج ١ ق ١، ص ٤١. والمثبت أولى لمقصود أبي شامة حيث ذكر أنه: "يبتاع بذلك عود وطيب".
(٣) عدد المساجد ثمانية وليست تسعة كما ذكرها العيني.
(٤) "العسقار" في نسخة ب. وهو خطأ. ويوجد في دمشق سوق يسمى سوق الفسقار. انظر: الدارس، ج ٢، ص ٣٠٥.
(٥) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٨٧.
[ ١ / ١٦٧ ]
وقال ابن الجوزي (^١): ولي نور الدين الشام سنين، وجاهد الثغور وانتزع من أيدي الكفار نيفا وخمسين مدينة وحصنًا منها الرها. وكان محبًا للعلماء وأهل الدين، وكاتبني مرارا. وعاهد ملك الإفرنج (^٢) صاحب طرابلس، وقد كان في قبضته أسيرا على أن يطلقه بثلثمائة ألف دينار، وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية (^٣)، ومثلها أتراس (^٤) إفرنجية، ومثلها قنطاريات (^٥)، وخمسمائة أسير من المسلمين، وأنه لا يعبر بلاد الإسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك، مائة من أولاد كبراء الإفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دمهم. وعزم على فتح بيت المقدس، فوافته المنية في شوال من هذه السنة (^٦).
وذكر الحافظ ابن عساكر (﵀): فتح نور الدين (﵀) نيفا وخمسين حصنا منها: تل باشر وعينتاب وأعزاز ومرعش وبهسني وتل خالد وحارم والمرزبان ورعبان وكيسون والرها. وكسر إبرنس أنطاكية وقتله، وقتل معه ثلاثة آلاف، وأخذ من القومص ثلثمائة ألف دينار، وخمسمائة زردية، وخمسمائة حصان، وخمسمائة أسير. واتسع ملكهـ، ففتح الموصل والجزيرة وديار بكر والشام والعواصم ودمشق وبعلبك وبانياس ومصر واليمن، وخُطب له في الدنيا، وأظهر السُنة بحلب، وأزال الأذان بحي على خير العمل. وكان يتعرض للشهادة، ويسأل الله تعالى أن يحشره [في] (^٧) بطون السباع (^٨) وحواصل الطير (^٩).
_________________
(١) انظر: المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) ملك الإفرنج صاحب طرابلس، هو ريموند بن ريموند الصنجيلي، تزوج بالقومصية صاحبة طبرية، وعاش معها في طبرية، وتوفي بالشام. الكامل، ج ١٠، ص ١٤١.
(٣) زردية: هي قميص من الزرد يقوى برقائق من المعدن تتداخل أطرافه بعضها فوق بعض. انظر ماير: الملابس المملوكية، ص ٦٨.
(٤) أتراس: جمع ترس، وهو مستدير الشكل، تحيطه حافة، وله مقبض أفقي من الداخل، وعليه من الخارج بعض النهود القليلة، وكان يصنع من الخشب أو المعدن. انظر: الملابس المملوكية، ص ٨٦
(٥) القنطارية: نوع من الرماح أسنتها قصار وعراض. انظر: نبيل عبد العزيز: خزائن السلاح ومحتوياتها، ص ١٢٤، مجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، المجلد ٢٣ لسنه ١٩٧٦ م؛ الملابس المملوكية، ص ٦٧ - ٨٣.
(٦) إلى هنا توقف العينى عن النقل من المنتظم، ج ١٨، ص ٢٠٩ - ٢١٠.
(٧) "من" في الأصل وهو خطأ. والمثبت هو الصحيح.
(٨) "السبا" في نسخة ب.
(٩) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٢.
[ ١ / ١٦٨ ]
النوع التاسع في وفاته:
قال العماد (^١): أمر نور الدين بتطهير ولده الملك الصالح إسماعيل (^٢) يوم عيد الفطر. قال: ونظمت للهنا بالعيد والطهر قصيدة منها:
عيدان فِطرٌ وطُهْرٌ … فَتْحٌ قريبٌ ونصْرُ
كلاهُما لك فيه … حقًا هناءٌ وأجرُ
وفيهما بالتَّهَاني … رسمٌ لنا مسْتَمِرُّ
طَهارة طابَ فيها … أصْلٌ وفرعٌ وذكرُ
نَجْلٌ على الطُّهْرِ نامٍ … زَكىٌّ له مِنْك نَجْرُ
محمود المَلكُ العا … دلُ الكريمُ الأغرُّ
وبابنه الملِكِ الصا … لحِ العيونُ تَقَرُّ
مولي به اشتدَّ للديـ … ـنِ والشريعةِ أزرُ
وهي قصيدة طويلة آخرها:
هذا الطُّهورُ ظُهُورٌ … على الزمان وأمْرُ
وذا الخِتَانٌ خِتَامٌ … بِمِسْكِهِ طَابَ نَشْرُ (^٣)
قال: وفي يوم العيد ركب نور الدين على الرسم المعتاد، محفوفا من الله بالإسعاد، والقدر يقول له: هذا آخر الأعياد. ووقف في الميدان الأخضر، ورمي القبق (^٤)، وكان قد ضرب خيمته في الميدان القبلي الأخضر، وأمر بوضع المنبر، وخطب له القاضي شمس
_________________
(١) انظر قول العماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٧٧ - ٥٨٠.
(٢) عن الملك الصالح إسماعيل انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٨؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٧٧ - ٥٧٩.
(٣) أورد أبو شامة القصيدة كلها، مع زيادة بيت عما ذكره العينى وهو آخر القصيدة، ونصه: رزقت عمرا طويلا … ما طال للدهر عمر
(٤) القبق أو القباق: لفظ تركي معناه القرعة العسلية (Une Courgette) وقد أطلق في العربية على الهدف الذي كان مستعملًا في لعب الرماية، المعروف باسم القبق أيضا، وكانت طريقة لعب القبق أن ينصب صار طويل من خشب يكون في رأسه شكل قرعة من ذهب أو فضة بمثابة هدف ويكون في القرعة طير حمام ثم يأتي اللاعبون للمباراة في رمي الهدف بالنشاب أو السهام وهم على ظهور الخيل من أصاب منهم القرعة وطار الحمام فاز بالسباق وأخذ القرعة المعدنية نفسها مكافأة. انظر: المقريزي: السلوك، ج ٢، ص ١١١؛ النويري: نهاية الأرب، ج ٢٩، ص ٣٠٤؛ راجع أيضا: Dozy: Supp. Dict. Ar
[ ١ / ١٦٩ ]
الدين بن الفراش قاضى العسكر، بعد أن صلى به، وعاد إلى القلعة، وأنهب سماطه العام على رسم الأتراك، وأكابر الأملاك. قال: ثم حضرنا على خوانه (^١) الخاص. وفي يوم الاثنين ثاني العيد بكّر وركب، ودخل الميدان والعظماء يسايرونه، وفيهم همام الدين مودود، وكان قديما في أول دولته والي حلب، فقال لنور الدين في كلامه، عظة لمن يغتر بأيامه، هل نكون ههنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟ فقال نور الدين: قل هل نكون بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة! فجرى على منطقهما ما جرى به القضاء السابق، فإن نور الدين لم يصل إلى الشهر، والهمام (^٢) لم يصل إلى العام. ثم شرع نور الدين في اللعب بالأكرة، فاعترضه أمير يقال له، برتقش وقال له باش، فأحدث له الغيظ والاستيحاش، وكان ذلك على خلاف مذهبه، ونهره وزجره، ثم ساق ودخل القلعة واحتجب؛ فبقى أسبوعا في منزله. ثم اتصل به مرض، وأشار عليه الأطباء بالفصد، فامتنع من ذلك، وكان مهيبا فما روجع، وانتقل يوم الأربعاء حادي عشر شوال من دار الفناء إلى دار البقاء.
وقال ابن شداد (^٣): وكانت وفاة نور الدين بسبب خوانيق اعترته، عجز الأطباء عن علاجها. وقال ابن الأثير (^٤): وكان نور الدين قد شرع بتجهيز المسير إلى مصر؛ لأخذها من صلاح الدين، فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر ليتركها (^٥) بالشام؛ لمنعه من الإفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر. وكان المانع [لصلاح] (^٦) الدين من الغزو، "الخوف من نور الدين" (^٧)، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متي زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، وكان نور الدين لا يرى إلا الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو، علم غرضه، فتجهز للمسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يرد. قال (^٨): وحكي
_________________
(١) الخوان: كلمة فارسية معناها، سفرة الطعام، أو السماط، انظر: محمود التونجي: المعجم الذهبي، ص ٢٤٥.
(٢) "وهمام الدين" في نسخة ب.
(٣) انظر: النوادر السلطانية، ص ٤٧؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٠.
(٤) انظر: التاريخ الباهر، ص ١٦١. حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(٥) "ليتركها مع ابن أخيه سيف الدين في الشام"، في التاريخ الباهر، ص ١٦١.
(٦) "من صلاح" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الباهر، ص ١٦١.
(٧) "خوف نور الدين" في الباهر، ص ١٦١، والمثبت من الأصل؛ والروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨١ وهو الأولى حسب السياق.
(٨) الضمير عائد على ابن الأثير في الباهر، ص ١٦١.
[ ١ / ١٧٠ ]
لى طبيب بدمشق يعرف بالرحبى (^١)، وهو من أحذق الأطباء، قال (^٢): استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء، فدخلنا عليه، وهو ببيت صغير بقلعة دمشق، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك. فلا يكاد يسمع صوته، وكان يخلو فيه للتعبد في أكثر أوقاته، فابتدأ به المرض فيه، فلم ينتقل عنه. فلما دخلنا عليه، ورأينا ما به، قلت: كان ينبغي أن لا يؤَخَّر [إحضارنا] (^٣) إلى أن يشتد المرض إلى هذا الحد، فالآن ينبغي أن تنتقل إلى مكان فسيح، فله أثر في هذا المرض. وشرعنا في علاجه، فلم ينجع فيه الدواء، ومات عن قريب (^٤). قال ابن عساكر (^٥): وتوفي يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بقلعة دمشق، ثم نقل إلى تربة تجاور مدرسته التي بناها لأصحاب أبي حنيفة (- ﵁ -) جوار الخواصين في الشارع الغربي. وقال العماد: قلت في ذلك:
عَجِبْتُ من (^٦) المَوتِ كيفَ اهْتدى … إلى مَلِكٍ في سَجايا مَلَكْ
وكيف ثَوى الفَلَكُ المُسْتَدِيـ … ـرُ في الأرضِ، والأرضُ وسط الفَلَكْ (^٧)
وقال ابن كثير (^٨): حصلت له علة الخوانيق، ومنعته عن النطق، فمات في التاريخ المذكور، وصلى عليه بجامع القلعة، ودفن بها، حتي حُوّل إلى تربته التي بُنيت له بباب المدرسة التي أنشأها للحنفية. وقبره بدمشق مشهور يزار وَيُخَلَّقُ شباكه، فيستطيب برائحته (^٩) كل مَار. وإنما يقول الناس: [قبر] (^١٠) نور الدين الشهيد، لما حصل له في "حلقه" (^١١) من الخوانيق، وكذا كان يقال لأبيه الشهيد، ويلقب بالقسيم. وكانت الإفرنج
_________________
(١) هو: جمال الدين عثمان بن يوسف بن حيدرة الرحبي.
(٢) انظر هذا الخبر في ابن واصل: مفرج الكروب، ج ١، ص ٢٦٢.
(٣) "إحضارك عنك" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٢.
(٤) ورد هذا الخبر بتصرف في: الباهر، ص ١٦١ - ص ١٦٢.
(٥) "العساكر" في نسختى المخطوطة أ، ب. وقد نقل العيني هذا الخبر من الروضتين عن ابن عساكر، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٢ - ٥٨٣.
(٦) "إلى" في نسخة ب.
(٧) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨١.
(٨) البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٤.
(٩) "رائحته" في نسخة ب.
(١٠) ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٤، لتوضيح النص.
(١١) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
[ ١ / ١٧١ ]
يقولون له ابن القسيم. وقال ابن خلكان (^١): ويقول أهل دمشق إن الدعاء عند قبره مستجاب. وقال القاضي: ولقد جربت ذلك فصحَّ. وكان عمره حين مات ثمانيا وخمسين سنة، وله في المُلك ثمان وعشرون سنة.
العاشر فيما رثي به، وما قيل له من الأشعار:
قال العماد: ومما نظمته في مرثية نور الدين قصيدة "منها" (^٢):
لِفَقْدِ المَلكِ العَاد … لِ يبْكِى المُلْكُ والعَدْلُ
وقد أظْلَمَت الآفَا … ق: لا شَمْسٌ ولا ظِلُّ
ولمَّا غَابَ نُور الدِّيـ … ـنِ عنَّا أظْلَمَ الحَفْلُ
وزالَ الخصْبُ والخَيْرُ … وزاد الشَّرُّ والمَحْلُ
ومات البَأسُ (^٣) والجُودُ … وعاش اليَأسُ والبُخْلُ
وعَزَّ النَّقْصُ لَمّا هَا … نَ أهلُ الفَضْلِ والفَضْلُ
وهلْ يَنْفقُ ذو العِلْمِ … إذا مَا نفَقَ الجَهْلُ (^٤)
وما كَانَ لِنُور الدِّيـ … ـنِ، لولا نَجْلُه مِثْلُ
[يا مَلكًا] (^٥) أيامُه لم تَزلْ … بفَضْلِه فَاضِلةً فاخره
مَلكتَ دُنْياك وخَلَّفْتَهَا … وسِرْتَ حتي تَمْلِكَ الآخره
وكان الواعظ أبو عثمان (^٦): المنتجب بن أبي محمد الواسطي -من الصالحين الكبار- أنشد لنور الدين بقوله:
_________________
(١) وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٨٧.
(٢) ما بين الأقواس ساقط من ب. انظر هذه القصيدة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨٨.
(٣) "الناس" في نسخة ب.
(٤) هذا الشطر مكرر في نسخة ب.
(٥) "يا ملك" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٨١.
(٦) "أبو عنان" في نسخة ب.
[ ١ / ١٧٢ ]
مَثِّلْ وُقُوفَكَ أيها المَغْرور … يومَ القيامِةِ والسماءُ تمورُ
إن قِيلَ نورُ الدين رُحتَ مسلمًا … فاحذر بأن تبقى ومالك نُور
أنهَيتَ عن شُربِ الخمور وأنت في … كأسِ المَظالم طَالحٌ (^١) مخْمورُ
عطَّلت كاسات المُدامِ تَعَفُّفًا … وعليك كاساتُ [الحَرامِ] (^٢) تَدُورُ
ماذا تقول إذا [نُقِلتَ] (^٣) إلى البِلى … فرْدًا وجاءك مُنكِرٌ ونَكِيرُ
وتَعلَّقتْ فيك الخُصُومُ وأنت في … يوم الحساب مُسَحَّبٌ (^٤) مجرور
وتَفرقَتْ عنك الجُنودُ وأنت في … ضيق اللحُودِ مُوَسّدٌ مَقْبورُ
ووَددْتَ أنك مَا وَلِيتَ ولايةً … يومًا ولا قال الأنامُ أمِيرُ
وبقيتَ بعد العِزِّ رهنَ حُفَيْرةٍ … في عَالَمِ المَوتَى وأنت حَقِيرُ
وحُشِرت عُرْيانًا حَزِينًا باكِيًا … قلِقًا ومَالَك في الأنامِ (^٥) مُجِيرُ
أرضِيت أن [تحيا] (^٦) وقلبُكَ دارسٌ … عافي الخرابَ وجسْمُك المَعْمُورُ
أرضِيتَ أنْ يحْظَى سِواكَ بقُرْبِهِ … أبدًا وأنتَ مُبَعَّدٌ مَهْجورُ
مَهِّدْ لنفْسِك حُجَّةً تَنْجو بها … يومَ المَعَادِ لَعَلَّك المَعْذُورُ
فلما سمعها الملك نور الدين بكي، وأمر بوضع المكوسات والضرائب في سائر البلاد. وقيل: إن برهان الدين البلخي (^٧) أنكر على نور الدين استعانته في الحروب بأموال المكوس. قال: وكيف تنصرون وفي عسكركم الطبول والخمور والزمور؟. وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر "بن" (^٨) القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه أنه
_________________
(١) "طائش" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٢.
(٢) "المظالم" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٢.
(٣) "انقلبت" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت من البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٢ حيث ينقل عنه العيني.
(٤) "مسلسل" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٠٢.
(٥) "الأنام" مكررة في نسخة أ.
(٦) "تحيي" في الأصل، والمثبت هو الصحيح.
(٧) هو أبو الحسن البلخي على بن الحسن الحنفي الواعظ درس بالصادرية، وكان يلقب ببرهان الدين توفي سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م، انظر: الدارس، ج ١، ص ٤٨١، مطبعه الترقي بدمشق ١٩٤٨؛ وانظر أيضًا: شذرات الذهب، ج ٤، ص ١٤٨.
(٨) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
[ ١ / ١٧٣ ]
يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره أن يكتب مناشير بوضع المكوسات والضرائب عن البلاد، وقال: هذا تفسير رؤياك. وكتب إلى الناس يستحل منهم عما أخذ منهم، ويقول: إنما صُرفت في قتال أعدائكم من الكفرة. وكتب بذلك إلى سائر ممالكهـ وبلدان سلطانه، وأمر الوعاظ أن يستحلوا من التجار لنور الدين، وكان يقول في سجوده: اللهم أنا العشَّار المكَّاس.