وذلك أن نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الإفرنج (^٢) في السواحل، فأحل بهم بأسًا شديدًا، ثم عزم على محاصرة الكرك، وكتب إلى صلاح الدين؛ أن يلاقيه بالعساكر المنصورة إلى بلاد الكرك؛ ليجتمعا هناك على المصالح، فيما يعود نفعه على المسلمين (^٣). فتوهم من ذلك صلاح الدين، وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة، يزول بها ما حصل له من التمكين، ولكنه ركب في جيشه من الديار المصرية؛ ليقصد امتثال المرسوم، فسار أيامًا، ثم كر راجعًا معتلا بقلة الظهر، والخوف على اختلال الديار المصرية إذا بعد منها واشتغل عنها، وأرسل يعتذر بذلك إلى السلطان نور الدين، فوقع في نفسه منه، واشتد غضبه عليه، وعزم على الدخول إلى الديار المصرية، وانتزاعها من يد صلاح الدين، وتوليته غيره فيها. ولما بلغ هذا الخبر إلى صلاح الدين ضاق بذلك ذرعه، وذكره بحضرة الأمراء والكبراء، فبادر ابن أخيه تقي الدين عمر (^٤) فقال: والله لو قصدنا نور الدين لنقاتلنه، فشتمه الأمير نجم الدين أيوب (^٥) والد صلاح الدين يوسف وأسكته. ثم قال لابنه: اسمع ما أقول لك: والله ما هاهنا أحد أشفق عليك مني ومن خالك هذا، يعني شهاب الدين الحارمي، ولو رأينا الملك نور الدين لبادرنا إليه، ولقبلنا الأرض بين يديه، ولو كتب إلى أن أبعثك إليه مع نجاب لفعلت، ثم أمر من هنالك بالانصراف والذهاب.
_________________
(١) انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٢٢ - ٥٢٣.
(٢) "الفرنج" في نسخة ب.
(٣) ورد هذا الحدث بتصرف في الباهر، ص ١٥٨؛ الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٢٨.
(٤) هو الملك المظفر تقي الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين، توفي يوم الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م بالقرب من خلاط. وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ٤٥٦ - ٤٥٧.
(٥) هو أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك الأفضل نجم الدين، والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، توفي سنة ٥٦٨ هـ/ ١١٧٣ م. انظر: وفيات الأعيان، جـ ١، ص ٢٥٥ - ٢٥٩.
[ ١ / ٩٧ ]
فلما خلا بابنه قال "له" (^١): أما لك عقل تذكر مثل هذا بحضرة هؤلاء، ويقول ابن عمك مثل هذا الكلام وتقره عليه، فلا يبقى عند نور الدين وجه أهم عنده من قصدك وقتالك، ولكن ابعث إليه وترفق له وتواضع له، وقل له أي حاجة إلى مجيء مولانا، ابعث إلىَّ بنجاب أجيء معه (^٢) إلى بين يديك، فإنك إذا فعلت هذا تمادي الوقت بما تحصل به الكفاية من الله تعالى. ففعل صلاح الدين ذلك، وكان كما قال نجم الدين أيوب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^٣).
وقال العماد: وكان صلاح الدين واعده نور الدين أن [يجتمعا] (^٤) على الكرك والشوبك يتشاوران فيما يعود بالصلاح المشترك، فخرج من القاهرة في الثاني والعشرين من المحرم، فلقي في تلك السفرة شدة، وعدم خيلا وظهرًا وعُدّة، وعاد إلى القاهرة في النصف من ربيع الأول.
وفي تاريخ بيبرس: تجهز صلاح الدين من مصر إلى الكرك، وكان قد قرر مع نور الدين أن يخرج من دمشق، ويجتمعا على غزو الإفرنج، فسبق صلاح الدين، وخرج نور الدين من دمشق، فأوجس صلاح الدين خيفة منه أن يعزله عن مصر ويوليها غيره، فرجع عائدًا وقد بقى بينه وبين الكرك مسافة قريبة، وأرسل إلى نور الدين رسولًا، وأصحبه هدايا كثيرة وتحفًا جليلة، وكتب إليه؛ يعتذر بأن والده ضعيف. وكان الرسول إليه الفقيه عيسى الهكاري، فلاطف نور الدين، وخاطبه بالحسنى حتى قال نور الدين: حفظ مصر عندنا أهم من غيرها، وفطن لما قصده برجعته، وعز ذلك عليه في باطنه.
وقال ابن الأثير (^٥): لما نصح نجم الدين ولده صلاح الدين، وأشار عليه بأن يرسل رسولًا إلى نور الدين ويستعطفه، فأرسل إليه بذلك، عدل نور الدين عن قصده، وكان من جملة ما قال نجم الدين لولده صلاح الدين: الأيام تندرج، والله كل وقت في شأن. وكان الأمر كما قال؛ توفي نور الدين. ولم يقصد صلاح الدين، ولا أزاله، وكان هذا الرأى من نجم الدين من أحسن الآراء وأجودها.
_________________
(١) ما بين الأقواس ساقط من نسخة "ب".
(٢) ورد هذا النص بتصرف في الكامل، جـ ١٠، ص ٣٥ - ٣٦؛ الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٨ - ٥٢٠؛ مفرج الكروب، جـ ١، ص ٢٢١ - ٢٢٣.
(٣) سورة الأحزاب: آية (٣٨).
(٤) "يجتمعوا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٨ حيث يتسق مع السياق واللغة.
(٥) نقل العينى هذا النص بتصرف من الباهر، ص ١٥٨ - ١٥٩.
[ ١ / ٩٨ ]
وفيها (^١)
وفيها حج بالناس (^٢)