فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والستين بعد الخمسمائة *
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنجد بالله، ولكنه مات في هذه السنة. والكلام فيه على أنواع:
الأول في ترجمته (^١): هو أمير المؤمنين، المستنجد بالله، أبو المظفر يوسف بن -أمير المؤمنين- المقتفي لأمر الله، أبي عبد الله محمد بن -أمير المؤمنين- المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن -أمير المؤمنين- المقتدي بأمر الله، عبد الله بن -الأمير- ذخيرة الدين ولي العهد، أبي العباس أحمد، القادر بأمر الله بن إسحاق بن المقتدر بالله ابن المعتضد بالله بن -الأمير- أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور أبي جعفر. وأمه أم ولد، يقال لها طاوس (^٢)، وكانت رومية، توفيت في السنة الماضية كما ذكرنا.
وكان مولده في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وبويع له بالخلافة [في] (^٣) صبيحة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة، وكان ولي عهد أبيه من مدة متطاولة.
الثاني في صفته: كان أسمر، طويل اللحية، تام القامة.
الثالث في سيرته: كان من خيار الخلفاء، وأعدلهم، وأرفقهم بالرعايا، وضع عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مكسًا، وكان أمارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر. وقد رأى رسول الله - ﷺ - في المنام غير مرة؛ وكانت آخرهن قبل أن يلي بأربعة أيام وهو يقول له: قل: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامه.
_________________
(١) (¬*) يوافق أولها ١٤ سبتمبر ١١٧٠ م.
(٢) انظر ترجمته في المنتظم، ج ١٨، ص ١٩٠ - ١٩١؛ الكامل، ج ١٠، ص ٢٨ - ٢٩؛ البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٤١؛ تاريخ الخلفاء، ص ٤٤٢ - ٤٤٤.
(٣) طاوس، وقيل نرجس، وهي أم المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله. انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٢٨.
(٤) ما بين الحاصرتين مثبت من نسخة ب.
[ ١ / ٥١ ]
وفي تاريخ بيبرس: وكان حسن السيرة، عادلًا في الرعية، رفيقًا بهم، شديدًا على أهل العبث والفساد والسعاية بالناس، جاهدًا في دفع المضار عنهم، وكفِّ أكُفِّ العدوان الممتدة إليهم، وكان فاضلًا، محبًا للعلم، أديبًا.
وله شعر، منه قوله في الشمعة:
وَصَفْرَاءُ مِثْلِي في الْقِياسِ وَدَمْعُهَا … سجامٌ علَى الخَدِّيِن مِثل دُمُوعي
تَذُوبُ كما في الْحُب ذُبْتُ صَبَابَةً … وتَحْوِي حَشَاهَا ما حَوته ضُلُوعي
وفي تاريخ ابن العميد: كان منكرًا للظلم مؤثرًا للعدل، كثير الصدقات مهيبًا مخوفًا، ذا سطوة وعزيمة وبأس شديد. وله شعر جيد.
وفي المرآة: (^١) كان شجاعًا مهيبًا عادلًا، أزال المظالم والمكوس، ذكيًا فطنًا فصيحًا، له واقعات عجيبة. شكى إليه رجل من القاضي فوقَّع (^٢) على الرقعة إلى القاضي: "تجنب الآثام، وانصف الأنام، وخف سطوات حاكم الحكام".
وقبض على إنسان يسعى بالناس، فشفع فيه بعض أصحاب الخليفة، وبذل عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، وأحضر لي إنسانًا مثله يؤذي الناس بالسعايات؛ لأحبسه وأكف شره عن الناس. ومن شعره:
عَيَّرتْنِي بالشّيبِ وَهْوَ وَقَارُ … لَيْتَها عيَّرتْ بِمَا هُوَ عَارُ
إِنْ تَكُنْ شَابَتْ الذَّوَائِبُ مِنِّى … فَاللَّيالِي [تُزِيْنُها] (^٣) الأقْمارُ
الرابع في وفاته:
قال ابن كثير (^٤): وكان المستنجد قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي فيما يبدو للناس، وعمل ضيافة عظيمة بسبب ذلك، وفرح الناس بذلك. ثم أدخله الحكيم إلى
_________________
(١) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٧ حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٢) "فرفع" في المرآة ج ٨، ص ١٧٧.
(٣) "تزينهن" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب. وهو الصحيح.
(٤) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٨١، حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
[ ١ / ٥٢ ]
الحمام وعنده ضعف شديد، فمات في الحمام يوم السبت بعد الظهر ثامن (^١) ربيع الآخر، ويقال إن ذلك بإشارة بعض أهل الدولة على الطبيب؛ استعجالًا لموته.
وفي عيون المعارف (^٢): أن الأمير يَزْدَن (^٣) دخل الحمام وداس على بطنه فمات.
وفي المرآة (^٤): وكان مرض، فلما اشتد مرضه اتفق بعض الأمراء الأكابر وأستاداره (^٥) مع طبيبه أنه يصف له صفة يكون فيها حتفه، فوصف له دخول الحمام، فدخل، وأغلق عليه بابها، فمات، وأظهروا وفاته للناس.
وفي المرآة (^٦) مرض في ربيع الآخر أيامًا، فاحمر الأفق، وما زالت الحمرة على الحيطان، وشعاعها متصل بالسماء حتى مات.
وكان قد فوض أمور العساكر إلى قطب الدين قيماز مملوكه، فأظهر الاستبداد بالأمر، وبلغه أن قيماز يجتمع بالأمير أبي محمد الحسن بن المستنجد، المستضيء، وأن بينهما مراسلات، فتغير على قيماز.
ومرض المستنجد، وكان وزيره ابن البلدي (^٧) قد اطلع على الحال، فأخبر المستنجد، فأمره بالقبض عليهما، وخاف قيماز وكان له طبيب يقال له ابن صفية، فخلا به قيماز، فقال: خلصنا منه وإلا قتلتك. فقال: به حمى محرقة، وليس عليه أضر من الحمام، فدخل عليه قيماز وهو في فراشه، فقال: قد وصف لك ابن صفية
_________________
(١) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٨١ أن الوفاة كانت في "ثاني ربيع الآخر"؛ أما ابن الأثير، الكامل، ج ١٠، ص ٢٨ فذكر أن وفاته في تاسع ربيع الآخر، وقد وافقه أبو شامة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٨٤؛ أما السيوطي فقد اتفق مع العيني، انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٤٤٣.
(٢) عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف؛ جمعه القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن خضر "جعفر" القضاعي المتوفى سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م. جمعه فيه أنباء الأنبياء وتواريخ الخلفاء وولايات الملوك والأمراء، انتهى فيه إلى الخلافة الفاطمية. انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون، ج ٢، ص ١١٨٨.
(٣) يزدن: الحسن بن ضافي بن يزدن التركي. من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة. كان رافضيا خبيثًا. توفي سنة ٥٦٨ هـ/١١٧٣ م. انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٩٢؛ الباهر، ص ١٥١.
(٤) لم نعثر على هذه الفقرة في ذكر وفاة المستنجد بالمرآة وأقرب نص لهذا المعني موجود بالكامل، ج ١٠، ص ٢٨.
(٥) أستاداره أبو الفرج عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وطبيبه ابن صفية.
(٦) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٧ - ١٧٨ حيث ينقل العيني عن السبط؛ وانظر أيضًا: تاريخ الخلفاء، ص ٤٤٤.
(٧) هو الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي، وزير الإمام المستنجد بالله، المعروف بابن البلدي. لمزيد من التفاصيل عن هذا الوزير انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٢٨ - ٢٩؛ الباهر، ص ١٥١؛ وفيات الأعيان؛ ج ٤، ص ٤٦٩.
[ ١ / ٥٣ ]
الحمام، فقال: لا حاجة لي فيه، وقيماز يقول: لابد لك منه، فحمله كرهًا وهو يقول: بلى ينفعك، فأدخله الحمام وأغلق عليه الباب، وقطع عنه الماء البارد، فمات يوم السبت ثامن ربيع الآخر ودفن بالدار.
وفي تاريخ المؤيد (^١): ولما مرض واشتد مرضه، كان قد خاف منه أستاداره عضد [الدين] (^٢) أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا مع الطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه فأدخلوه، وغلقوا عليه الباب، فمات.
الخامس في أشياء تتعلق به:
ولما مات المستنجد كان عمره ثمانيًا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا. قاله في تاريخ ابن كثير (^٣). وفي تاريخ بيبرس: وكان عمره ستًا وخمسين سنة، وخلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا وسبعة أيام.
وفي المرآة (^٤): وقد بلغ من العمر [ثمانيًا] (^٥) وأربعين سنة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا، وعمل العزاء ثمانية أيام.
وقال ابن الجوزي (^٦): وتكلمت فيه وخلع على. وقال: وحضرت الصلاة عليه يوم الأحد قبل الظهر في التاج (^٧)، ودفن في الدار، أعني دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب بالرصافة.
_________________
(١) أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، ج ٣، ص ٤٩ حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(٢) "الدولة" في نسختى المخطوطة أ، ب، والمثبت بين الحاصرتين مما سيأتي ص ٥٨. وهو عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء، المعروف بابن المسلمة. انظر: وفيات الأعيان، ج ٦، ص ٢٤١ في ترجمة الوزير ابن هبيرة؛ الكامل، ج ١٠، ص ٢٩.
(٣) انظر: البداية والنهاية: ج ١٢، ص ٢٨١.
(٤) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٨.
(٥) "ثمانية" في الأصل والصحيح ما أثبتناه.
(٦) انظر: المنتظم، ج ١٨، ص ١٩١ حيث ينقل عنه العيني بتصرف.
(٧) التاج: دار مشهورة جليلة ببغداد، من دور الخلافة. كان أول من وضع أساسه وسماه بهذه التسمية أمير المؤمنين المعتضد، وأتمه ابنه المكتفي. ياقوت، معجم البلدان، ج ١، ص ٨٠٦.
[ ١ / ٥٤ ]
وفي تاريخ ابن العميد (^١): مدة خلافته إحدى عشرة سنة وسبعة وعشرون يومًا، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الخميس، لتتمة خمسمائة وخمس وستين سنة وثمانية وثمانين يومًا للهجرة، ولتمام ستة آلاف سنة وستمائة و[اثنتين] (^٢) وستين سنة، ومائة وأربعة أيام للعالم شمسية.