فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والستين بعد الخمسمائة *
استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء (^١) بأمر الله، والخليفة في (^٢) مصر العاضد، والوزير بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ولكنه في الحقيقة سلطانها، وليس لأحد معه كلام، لا من أمرائها، ولا من أعيانها، والعاضد تحت حكمه وقهره، ومع هذا قطعت الخطبة باسمه، وخطب باسم المستضيء الخليفة. وعقيب ذلك مات العاضد، والكلام فيه مفصل على أنواع:
الأول: في قطع خطبته:
قُطعت خطبته من ديار مصر في محرم هذه السنة، وسبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت ملكه في البلاد، وأمن السودان والأجناد، وضعف أمر العاضد، وصار قراقوش (^٣) حاكما في قصره، كتب نور الدين إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه، وقطع خطبته، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، وكان المستضيء قد راسله في ذلك.
ولما وصل رسول الخليفة إلى نور الدين بذلك، سير نور الدين كتاب الخليفة، وكتابه إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأهله، والخطبة للإمام المستضيء.
فجمع صلاح الدين الأمراء، وشاورهم في ذلك، فمنهم من خوفه، ومنهم من هون عليه، فحضر الفقيه أبو يحيى بن اليسع الجامع يوم الجمعة سابع المحرم، وصعد المنبر قبل طلوع الخطيب، ودعا للإمام المستضيء، فلم ينكر أحد عليه. فلما كانت الجمعة الثانية، أمر صلاح الدين جميع الخطباء أن يخطبوا للمستضيء.
_________________
(١) * يوافق أولها: ٤ سبتمبر ١١٧١ م.
(٢) هو الحسن -أبو محمد- بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي، ولد سنة ٥٣٦ هـ/١١٤٢ م، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، أي في ثماني ربيع الآخر سنة ٥٦٦ هـ / ١١٧١ م. وتوفي سنة ٥٧٥ هـ/ ١١٧٩ م. وفي خلافته انقضت دولة بني عُبيد وخطب له في مصر. انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٤٤٤ - ٤٤٨.
(٣) "بمصر" في نسخة ب.
(٤) قراقوش: هو أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب بهاء الدين، خدم صلاح الدين وتوفي ٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م بالقاهرة، انظر: وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٩١ - ٩٢.
[ ١ / ٦٩ ]
وفي تاريخ الدولتين (^١): استفتح صلاح الدين سنة سبع وستين وخمسمائة بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس، وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة، وانقطع ذكر خلفاء مصر (^٢) منها.
وقال فيه أيضا (^٣): إن صلاح الدين لما تمكن في الديار المصرية، وضعف أمر العاضد، كتب إليه نور الدين؛ يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية. فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى العلويين. فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزامًا لا فسحة فيه. واتفق أن العاضد مرض، واستشار صلاح الدين الأمراء، فاختلفوا فيه كما ذكرنا، وكان قد دخل في مصر إنسان أعجمي، يعرف بالأمير العالم.
قال ابن الأثير (^٤): وقد رأيناه بالموصل كثيرًا، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام، قال: أنا أبتدئ بها، فلما كان أول جمعة من المحرم، صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد عليه ذلك. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: إن سَلِمَ فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نغَّصَ عليه هذه الأيام التي قد بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء، ولم يعلم بذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ولما انتهى الخبر إلى نور الدين بالشام، أرسل إلى الخليفة ببغداد يعلمه بذلك مع شهاب الدين أبي المعالي بن أبي عصرون، فزينت بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا.
_________________
(١) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٩٢.
(٢) يقصد بذلك الخلفاء الفاطميين.
(٣) انظر: الروضتين، ج ١ قي ٢، ص ٤٩٢ - ٤٩٣.
(٤) كذا في الأصل، أما نص قول ابن الأثير في الكامل فهو: "رأيته أنا بالموصل". انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٣٤. ط. بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٨٧.
[ ١ / ٧٠ ]
وكانت الخطبة لبني العباس قد قُطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع (^١) العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز (^٢) الفاطمي، باني القاهرة، إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين.
وقال ابن الجوزي (^٣): ووصل يوم السبت ثاني عشرين المحرم ابن أبي عصرون، رسولًا يبشر بأن الخليفة خطب له بمصر، وضُربت السَّكَّةُ باسمه، وخُلع على الرسول، وانكمدت الروافض (^٤). وقد صنفتُ في هذا كتابا سميته "النصر، على مصر" (^٥)، وعرضته على الإمام المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين.
وقال العماد (^٦): شيع نور الدين شهاب الدين أبا المعالي المطهر، ابن الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون بهذه البشارة، وأمرني بإنشاء بشارة عليه، تقرأ في سائر بلاد الإسلام، وبشارة خاصة للديوان العزيز بحضرة الإمام في مدينة السلام (^٧). قال (^٨): ونظمت قصيدة مشتملة على الخطبة بمصر أولها:
قَدْ خَطَبْنَا لِلْمسْتَضِىِ بِمِصْرٍ … نَائِبُ الْمُصْطَفَى إِمَامُ الْعَصْرِ
وَخَذَلْنَا لِنَصْرِه (^٩) العَضُدَ العا … ضِدَ والقَاصِرَ الَّذِي بِالْقَصْرِ
وأراد بالعضد وزير بغداد، عضد الدين بن رئيس الرؤساء.
_________________
(١) الخليفة المطيع العباسي: هو أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد، ولد سنة ٣٠١ هـ/ ٩١٤ م، وبويع له بالخلافة عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م، توفي سنة ٣٦٤ هـ / ٩٧٥ م. انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٣٩٨ - ٤٠٥.
(٢) الخليفة المعز الفاطمي: أبو تميم معد الملقب المعز لدين الله بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وكانت مدة مملكته ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي في ربيع الآخر سنة ٣٦٥ هـ/ ٩٧٦ م، انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٢٤ - ٢٢٨؛ الجوهر الثمين، ج ١، ص ٢٤٧ - ٢٤٩.
(٣) انظر: المنتظم، ج ١٠، ص ٢٣٧ حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٤) الروافض: تطلق على الغلاة في حب عَلِىّ وسموا كذلك لأنهم رفضوا رأى الصحابة حيث بايعوا أبا بكر وعمر. انظر: عبد القادر الرسعني: مختصر كتاب الفرق بين الفرق. نشر فيليب حتّى، ج ١، ص ٣٠ مصر ١٩٢٤.
(٥) "النصر على … مصر" في الأصل: وبالرجوع إلى المصنفات التي وردت في ترجمة ابن الجوزي في المرآة، ج ٨، ص ٣١٥ ذكر السبط اسم الكتاب كما أثبتناه؛ انظر أيضا: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٦٤ حيث ورد الاسم "النصر على مصر".
(٦) "فسير" في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٠٣ عن العماد.
(٧) مدينة السلام: هي بغداد. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٤٥٣.
(٨) القول للعماد في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٠٣.
(٩) "كنصره" في نسخة ب.
[ ١ / ٧١ ]
وقال العماد في الخريدة: قصدت بالعضد والعاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته. ثم قال:
وَأَشَعْنَا بِهَا شِعَار بَنِي الْعَبْـ … ـبَاس فاسْتبشرت وُجُوه النَّصْرِ
وَتَرَكْنَا [الدَّعِيَّ] (^١) يَدْعُو ثُبُورًا … وَهُوَ بالذُّلِّ تّحْتَ حَجْرٍ وحَصْرِ
وتباهت منابر الدين بالخط … ـبة [للهاشمي] (^٢) في أرض مصر
ولدينا تضَاعفَتْ نِعَمُ اللـ … ـه، وجَلَّت عَنْ كُلِّ عَدِّ وَحَصْرِ
وهي قصيدة طويلة (^٣):
قال العماد (^٤): ووصل من دار الخلافة في جواب هذه البشارة عماد الدين صندل، وهو من أكابر الخدم المقتفوي (^٥)، ومعه التشريف لنور الدين، والكتاب من الخليفة. وناول نور الدين الكتاب للعماد؛ ليقرأه، فتناوله منه الموفق بن القيسراني (^٦)، وكان عنده في مقام الوزير، فقرأه.
وذكر في "عِبرة أولي الأبصار" أن الخليفة سّيَّر إلى نور الدين الخلع ومعها سيفان؛ إشارة إلى تقليد مصر والشام، وسير معها طوقًا زنته ألف دينار، وبعث أيضًا إلى صلاح الدين تشريفًا أقل من تشريف نور الدين، فلبس صلاح الدين ذلك التشريف، فركب به في الديار المصرية، وهي أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية بعد استيلاء بني عُبيد عليها. وأما نور الدين؛ فكذلك لما لبس التشريف خرج إلى ظاهر دمشق حتى انتهى إلى الميدان الأخضر، ثم عاد.
_________________
(١) "المدعي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من مفرج الكروب، ج ١، ص ٢١٦؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٠٣.
(٢) "الهاشمي" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين تصحيح من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٠٣.
(٣) أورد أبو شامة القصيدة كاملة في الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٠٣ - ٥٠٤.
(٤) ينقل أبو شامة هذا القول للعماد من كتاب البرق الشامي. انظر الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٥٠٥ حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(٥) نسبة إلى الخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المقتفي لأمر الله بن المستظهر، المتوفى سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م. انظر ترجمته في تاريخ الخلفاء، ص ٤٣٧ - ٤٤٢.
(٦) هو موفق الدين أبو البقاء خالد بن محمد بن نصر بن صغير بن داغر المخزومي الخالدي، المعروف بابن القيسراني، انظر: سنا البرق الشامي، ص ٦٨ - ٦٩؛ السلوك، ج ١ ق ١، ص ٧٣، ط. الثانية.
[ ١ / ٧٢ ]
الثاني في كتاب صلاح الدين إلى الخليفة المستضيء بخط القاضي الفاضل؛ يهنئه بفتح مصر:
أوله (^١): ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٢) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، وصلواته التي تنزل بها الروح الأمين، وتشبعها الملائكة بالتأمين، على مولى الأمة ومولى النعمة، ووالي الأمر المصون بقاؤه في عقبه، وولي الله الذي لا خوف عليه، ولا خوف به الخليفة على الخليقة (^٣)، والإمام الذي يحمي من دون الله الحقيقة على الحقيقة، ووارث السقايتين زمزم والكوثر، والولايتين السرير والمنبر، والدعاءين اليوم وفي المحشر، والشرفين المشعر والمعشر، والطرفين المشهد الأول والمشهد الأكبر، والمقامين مقام إبراهيم ومقام محمد - ﷺ - أبدًا سرمدًا، والشعارين الأبيض في القلب والأسود في اليد، والخالدين في دار السلام ودار السلامة، والموطنين مقام الإمامة ودار المقامة، والشفاعتين سالفًا في أهل العمام وآنفًا في أهل النار، والسلامين سلام لكم من ألسنة الأبرار ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (^٤)، على الخليفة ابن الخلائف على رغم من رضى أن يكون مع الخوالف، وابن الأئمة المشهورين في المناظر والمواقف، مولينا ومولانا الإمام المستضيء بالله -أمير المؤمنين- صلوات الله على تلك الأنوار القدسية، يتضوع عن نسيم الأنفاس الفردوسية. والحمد لله الذي وفى الدين دينه المسئول، وأغمد عن أهله سيف الفتنة المسلول، فأورث أمير المؤمنين حقًا كان به ممطولًا، وأطال يده إلى استيفاء طائلة كان دم الحق بها مطلولًا (^٥)، وكتاب المملوك صادر إلى المقر الشريف الأشرف الأصيل، ومن شرفُهُ لشرف الرسول رسيل، والاسم الشريف المستضيء به قد صدحت منابره وعروشه، وطرزت المدائن والملابس والدنانير والدراهم رقومه (^٦) ورقوشه (^٧)، وجهزت إلى بلاد الكفار في
_________________
(١) بالرجوع إلى الروضتين وهو المرجع المتاح بين أيدينا لرسائل القاضي الفاضل، لم نعثر على نص هذه الرسالة.
(٢) سورة يس: آية (٥٨).
(٣) "الحقيقة" في نسخة ب.
(٤) سورة الرعد: الآية (٢٤).
(٥) "ممطولًا" في نسخة ب. ومطلولًا أي مهدرًا. انظر: المنجد، ص ٤٨٥، مادة "طل".
(٦) الرقوم: مفردها رقم. ذكر ماير أن اسم السلطان أو الأمير كان يسجل بالتطريز بالذهب على النسيج وكانوا يسمون هذا رقمًا. انظر: الملابس المملوكية، ص ٦١، ص ١٠٦.
(٧) الرقوش: مفردها رقش؛ وهي النقوش والزخارف. انظر: المعجم الوسيط، مادة "رقش" ج ١، ص ٣٦٥.
[ ١ / ٧٣ ]
العام مرة أو مرتين بعوث نصره وجيوشه، والزمن قد وقرته السكينة لا الوجوم، والكواكب قد همت بأن تتساقط إيثار الطرب لا إيثار الرجوم، ونشأة الدعوة المنيعة قد أشبهت ولاية النبوة الشريفة، وقد طالع وزير أمير المؤمنين بتفصيل ما أجمله، وتحصيل ما منعته الجلالة أن يستوفيه ويستكمله، راجيا أن يناله من الملاحظات النبوية ما يجعل له سلطانًا، ويمكن له في قلوب الأعداء والأولياء مكانًا؛ حتى يحفظ على الخلافة من لا يعنيه إلا إياها، وينفذ على الثقلين في الخافقين أوامرها وقضاياها، ويستضيف لها نصرًا إلى نصرٍ، ويستنجز لها ما كتب في الزبور من بعد الذكر، نَوَّه الله باسم أمير المؤمنين في الملأ الأعلى، وطبق بدعوته المعمورة حتى لا يستثنى مكان بإلا، وقلص به عن الأمة ضلالة، ومد عليه ظلًا إن شاء الله تعالى.
الثالث: في أمر (^١) نور الدين بالقبض على العاضد:
قد ذكرنا أن نور الدين كتب إلى صلاح الدين، يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه وقطع خطبته، وعزم صلاح الدين على ذلك، واستفتى الفقهاء، فأفتوه بجواز ذلك، لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة، وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع في الصحابة (﵃)، والاستهتار بذلك. وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الشيخ نجم الدين الخبوشاني (^٢)، فإنه عدد مساويء هؤلاء القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك.
وكان العاضد رأي -في آخر دولته- في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته، فلما استيقظ ارتاع لذلك، فقصَّ على بعض المعبّرين المنام، فقال له: ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد، فأمر والي مصر أن يكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني، وأنه إذا رأى به أحدًا يحضره عنده. فمضى الوالي إلى المسجد، فرأى فيه رجلا صوفيًا فأخذه ودخل به على العاضد،
_________________
(١) تكرار في نسخة ب.
(٢) نجم الدين الخبوشاني: أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني، الملقب نجم الدين الفقيه الشافعي، توفي يوم الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة سنة ٥٨٧ هـ/١١٩١ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٤، ص ٢٣٩ - ٢٤٠.
[ ١ / ٧٤ ]
فلما رآه سأله: من أين هو؟ ومتى قدم البلاد؟ وفي أي شيء قدم؟ وهو يجاوبه عن كل سؤال، فلما ظهر له [منه] (^١) ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه، أعطاه شيئًا وقال له: يا شيخ ادْعُ لنا، وأطلق سبيله، وعاد إلى مسجده. فلما استفتى صلاح الدين في أمر العاضد والقبض عليه، وأفتاه الفقهاء، كان هذا الصوفي هو المبالغ في فتواه، وهو الشيخ نجم الدين كما ذكرنا، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد (^٢).
الرابع في وفاة العاضد:
قال بيبرس: جلس الخليفة في قصرة بعد الإرجاف بقطع خطبته، فظهر عليه ضعف القوى، وتخاذل الأعضاء، وأثر الحمى. ولما اشتد مرضه، تخاذل عنه حتى طبيبه الذي يعوده، وانقطع عن عيادته (^٣).
وما أحسن قول الشاعر:
جَرَّبْتُ فِي شِدَّتِى أَنْ لَا صَدِيق لِمَنْ … أضْحَى كعصْفٍ عليه الدهرُ قد عصفا
خُلْقُ الصَّدِيقِ لِخُلْقِ الدَّهْر مُتَّبعٌ … فإن صفا (^٤) لك صَافَى أو جفاك جَفَا
ثم توفي يوم عاشوراء من هذه السنة، فلم يكن بين قطع خطبته ووفاته إلا أيام يسيرة. وقال القاضي الفاضل: كان (^٥) بين وضع اسمه من على أعواد المنابر ووضع جثته على أعواد النعش ثلاثة أيام. فأقام له صلاح الدين الجنازة، وواصل العزاء به شهرًا كاملًا.
وفي المرآة (^٦): واختلفوا في سبب وفاته على أقوال؛ أحدها: أنه تفكر في أموره فرآها في إدبار، فأصابه ذرب (^٧) عظيم، فمات منه.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين إضافة لازمة من وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١١١.
(٢) نقل العينى هذا النص بتصرف من وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١١١.
(٣) "يعوذه وانقطع عن عياذته" كذا في نسخة ب.
(٤) "صفى" كذا في نسخة أ والمثبت من نسخة ب، وهو الصحيح.
(٥) "وكان" في نسخة ب.
(٦) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨١.
(٧) كذا في الأصل، وفي المرآة "كرب"، جـ ٨، ص ١٨١، حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
[ ١ / ٧٥ ]
والثاني: أنه لما خطب لبني العباس بلغه، فاغتم، فمات. وقيل: إن أهله أخفوا عنه ذلك على ما ذكرناه.
والثالث: أنه لما أيقن بزوال دولته، كان في يده خاتم له فص مسموم، فمصه فمات. وجلس صلاح الدين في عزائه، ومشي بين يدي جنازته، وتولى غسله وتكفينه ودفنه عند أهله.
وقال ابن الأثير (^١): ولما اشتد مرض العاضد أرسل يستدعى صلاح الدين، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه. وكان صلاح الدين يقول: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعت خطبته إلى أن يموت.
وقال ابن خلكان (^٢) قيل: إنه حصل له غيظ من شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، فسمّ نفسه فمات، والله أعلم.
قال العماد (^٣): ولما وصل الخبر بموت العاضد، في ليلة عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة، بعد الخطبة بمصر للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، عملتُ هذه الأبيات. فذكر قصيدة منها:
تُوُفِّىَ العَاضِدُ الدَّعِيُّ، فَمَا … يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا
وَعَصْرُ فِرْعَوْنِها انْقَضَى، وَغَدا … يُوسُفُها فِي الأُمُورِ مُحْتكِمَا
وَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الْغُوَاةِ، وَقَدْ … بَاحَ مِنَ الشِّرْكِ كُلَّ مَا اضْطَرَمَا
وصَارَ شَمْلُ الصَّلاحِ مُلْتَئِمًا … بِهَا، وَعَقْدُ السَّدَادِ مُنْتَظِمَا
لَمَّا غَدَا مُعْلِنًا شِعَارَ بَنِي الْـ … ـعَبّاسِ حَقًا، وَالْبَاطِلَ اكْتَتَمَا
وَبَاتَ دَاعِىَ التَّوحِيدِ مُنْتَصِرًا … وَمِنْ دُعَاةِ الإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا
وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلال في ظُلَلٍ … دَاجِيَةٍ مِنْ غَيَابَةٍ وَعَمَى (^٤)
_________________
(١) انظر: الكامل، جـ ١٠، ص ٣٣ - ٣٤ حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٢) انظر: وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١١٢.
(٣) انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٤) "وعما" في نسخة ب.
[ ١ / ٧٦ ]
الخامس في سيرته:
كان شيعيًا خبيثًا، لو أمكنه قَتَلَ كل من قدر عليه من أهل السنة، وكان كريمًا جوادًا ممدحًا.
وقال ابن خلكان: كان العاضد شديد التشيع، متغاليًا (^١) في سب الصحابة ﵃، وإذا رأى سُنِّيًا استحل دمه، وسار وزيره (^٢) الصالح بن رزيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خشية منهم، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها، وأفني ذوي الآراء والحزم منها.
وفي تاريخ ابن العميد: وكان مذهبهم مذهب أهل التناسخ (^٣)، واعتقاد الجزء الإلهي في أشياخهم. وقد ذكرنا أن الحاكم (^٤) قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفا، يعتقدون أنك إله.
وقال فيه بعض الشعراء:
مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءتْ الأقْدَارُ … فَاحْكُمْ فَأنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
وهذا كفر محض، وليس مثله إلا قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (^٥)، وقال بعض شعرائهم بذكر ظهور مهديهم فيما يزعمون برقادة (^٦) من عمل القيروان:
حَلَّ بِرُقَّادَةَ الْمَسِيحِ … "و" (^٧) حَلَّ بِهَا آَدَمٌ وَنُوحُ
حَلَّ بِهَا اللَّهُ في عُلَاهُ … وَمَا سِوَى اللهِ فَهْوَ رِيحُ
_________________
(١) "غاليا" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت من وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١١٠.
(٢) الصالح بن رزيك، هو أبو الغارات طلائع بن رزيك، توفي سنة ٥٥٦ هـ/ ١١٦١ م. انظر وفيات الأعيان، جـ ٢، ص ٥٢٦ - ٥٣٠.
(٣) أهل التناسخ: قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد والانتقال من شخص إلى شخص. الشهرستاني: الملل والنحل، جـ ١، ص ٢٥٣، تحقيق محمد سيد كيلاني، القاهرة ١٩٦١ م.
(٤) هو الحاكم بأمر الله الفاطمي، المنصور أبو علي بن العزيز بالله نزار بن المعز، وكانت مدة خلافته خمسًا وعشرين سنة وشهرًا. تولى سنة ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م وقتل سنة ٤١١ هـ/ ١٠٢٠ م. انظر: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، جـ ٢، ص ٣ - ١٢٣؛ نهاية الأرب، جـ ٢٨، ص ١٦٧ - ٢٠٢.
(٥) سورة النازعات: آية (٢٤).
(٦) رقَّادَة: بلدة بتونس بينها وبين القيروان أربعة أميال. انظر: معجم البلدان، جـ ٢، ص ٧٩٧ - ٧٩٨.
(٧) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
[ ١ / ٧٧ ]
وهذا أعظم من اعتقاد النصارى في المسيح؛ لأنهم يزعمون أن فيض الإله حل على المسيح، وهؤلاء يعتقدون حلول الباريء تعالى في جسد آدم ونوح وسائر الأنبياء وجميع خلفائهم وأئمتهم، نعوذ بالله من ذلك، وتعالى الله عن ذلك.
السادس في ترجمته:
هو أبو محمد عبد الله، الملقب العاضد بن يوسف، ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون، عبد المجيد بن أبي القاسم محمد -ولم يل الخلافة (^١) - ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي. آخر ملوك مصر من العبيديين.
والعاضد في اللغة القاطع (^٢)، ومنه الحديث: "لا يعضد شجرها" (^٣). وبه قطعت دولتهم وعُضِدَت.
ولى المملكة بعد عمه الفائز، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس (^٤) بعد الظافر. واستقر الأمر للعاضد اسمًا، وللصالح طلائع بن رزيك جسمًا، وكان مولده في سنة ست وأربعين وخمسمائة، فعاش إحدى وعشرين سنة.
وفي المرآة (^٥): توفي يوم عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكانت أيامه إحدى (^٦) عشرة سنة وشهورًا، وكان العاضد مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة (^٧). وبويع له في
_________________
(١) يقصد هنا أن أبا القاسم محمد لم يخطب له بالخلافة - وقد ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل، جـ ١٠، ص ٣٤. كما ذكر أن والد العاضد يوسف بن الحافظ لم يخطب له بالخلافة أيضًا.
(٢) وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١٠٩ - ١١٢.
(٣) نص الحديث: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة … البخاري، جـ ١، ص ٣٦ - ٣٧.
(٤) هو: أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي. تولى الوزارة للخليفة الفاطمي الظافر سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م. توفي ٥٤٩ هـ/ ١١٥٤ م. وعن قتله للظافر انظر: وفيات الأعيان، جـ ١، ص ٢٣٧؛ اتعاظ الحنفا، جـ ٣، ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٥) انظر: مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨١. حيث ينقل العيني عنه بتصرف.
(٦) "أحد عشر" كذا في نسختى المخطوطة أ، ب والصحيح ما أثبتناه.
(٧) انفرد سبط ابن الجوزي في المرآة بذكر مولد العاضد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة. في حين أن المصادر الأخرى أجمعت على أن مولده كان سنة ست وأربعين وخمسمائة. انظر: وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ١١١؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٦٤؛ اتعاظ الحنفا، جـ ٣، ص ٢٤٣؛ الشذرات، جـ ٤، ص ٢٢٣.
[ ١ / ٧٨ ]
رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة (^١). ولم يل أبوه الخلافة، وأمه أم ولد، يقال لها ست المُنى. وكانت الخطبة لبني العباس قد قطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز الفاطمي -باني القاهرة-[و] (^٢) إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين.
وقال النويري (^٣) في تاريخه: وجميع من خطب [له من الفاطميين] (^٤) بالخلافة أربعة عشر خليفة، بمصر أحد عشر خليفة، وبالمغرب ثلاثة -عدد خلفاء بني أمية (^٥) - وهم: المهدي، والقائم والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد (^٦).
وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة (^٧) في ذي الحجة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة -أعني سنة سبع وستين (^٨) وخمسمائة- مائتان واثنان وسبعون سنة.
وقال ابن كثير (^٩): كان أول من ملك منهم المهدي، وكان من أهل سلمية (^١٠) حداد اسمه سعيد، وكان يهوديًا، فدخل بلاد المغرب، وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال: إنه المهدي. وقد ذكر هذا غير واحد من سادات العلماء الكبراء؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والشيخ أبي حامد الإسفراييني، كما ذكرنا ذلك مفصلًا. والمقصود أن هذا الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جهلة من العباد،
_________________
(١) إلى هنا توقف العيني عن النقل من سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، جـ ٨، ص ١٨١.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل ومثبت في ب.
(٣) نهاية الأرب، جـ ٢٨، ص ٣٤٧ حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(٤) "للفاطميين" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين لإيضاح المعنى.
(٥) عن خلفاء بني أمية في المشرق انظر: معجم الأنساب، جـ ١، ص ١.
(٦) انظر: معجم الأنساب، جـ ١، ص ١٤٦ - ١٤٧.
(٧) سجلماسة: مدينة في جنوب المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام. انظر: معجم البلدان، جـ ٣، ص ٤٥ - ٤٦.
(٨) ذكر المقريزي أن دولة الفاطميين اتصلت نحوًا من مائتين وسبعين سنة. انظر: اتعاظ الحنفا، جـ ٣، ص ٣٣١.
(٩) انظر البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٦ حيث ينقل العينى عنه بتصرف.
(١٠) سَلَمْية: بفتح أوله وثانيه وسكون الميم. بليدة من أعمال حماه. انظر: معجم البلدان، جـ ٣، ص ١٢٣.
[ ١ / ٧٩ ]
وصارت له دولة وصولة وجولة، فتمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية (^١)، نسبة إليه. وصار ملكًا مطاعًا أظهر الرفض وانطوى على الكفر المحض، ثم كان من بعده أولاده (^٢) كما ذكرنا.
وقد كانوا من أنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العباد، وكثر بأرض الشام النصيرية (^٣) والدرزية (^٤) والحشيشية (^٥).
وتغلب الإفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس الشريف، ونابلس، والغور، وبلاد غزة، وعسقلان، والكرك، والشوبك، وطبرية، وبانياس، وصُور، وعثليث (^٦)، وصيدا، وبيروت، وعكا، وصفد، وطرابلس، وأنطاكية، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس. واستحوذوا على بلاد آمد والرها [ورأس العين] (^٧) وبلاد شتى، وقتلوا خلقًا لا يعلمهم إلا الله، وسبوا من الذراري المسلمين من النساء والولدان ما لا يحد ولا يوصف (^٨).
وفي أيام العاضد وصل (^٩) أسطول الفرنج إلى الإسكندرية، وكان معهم من الخيل ألف وخمسمائة فرس، وفي الأسطول ثلاثون ألف مقاتل في مائتي شين، ومعهم آلات الحرب والحصار، ومعهم أربعون مركبًا أخرى تحمل الأزواد، وفيها من الرجال والغلمان تتمة خمسين ألف رجل، وكشفوا المسلمين عن البر، وطلعوا فضربوا خيامهم، وكانت
_________________
(١) المهدية: موضع بتونس قرب سلا، معجم البلدان، جـ ٤، ص ٦٩٣ - ٦٩٧.
(٢) في البداية والنهاية تفصيل لأولاده: "ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد". جـ ١٢، ص ٢٨٦.
(٣) النصيرية أو العلوية: "قال القدماء: هم أتباع نصير غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهم يدعون ألوهية على - ﵁ - مغالاة فيه". انظر: خطط الشام، جـ ٦، ص ٢٦٥.
(٤) هم من الباطنية ينسبون إلى محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بتشتكين. وعنهم انظر: خطط الشام، جـ ٦، ص ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٥) الحشيشية: أطلق هذا اللفظ على فرقة الإسماعيلية مع بداية دخول الصليبيين إلى الشام، وسموا بذلك لأن رؤساءهم كانوا يعطون الحشيشة لمن يكلفونه منهم على قتل أحد خصومهم السياسيين. انظر: خطط الشام، جـ ٦، ص ٢٦٥.
(٦) عَثْلِيثُ: اسم حصن بسواحل الشام يعرف بالحصن الأحمر، كان فيما فتحه الملك الناصر يوسف بن أيوب سنة ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧ م. معجم البلدان، جـ ٣، ص ٦١٦.
(٧) ما بين الحاصرتين إضافة من البداية والنهاية حيث ينقل العينى عنه، جـ ١٢، ص ٢٨٧.
(٨) إلى هنا توقف العيني عن النقل من: البداية والنهاية جـ ١٢، ص ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٩) "وصلت" في نسختى المخطوطة أ، ب والمثبت هو الصحيح.
[ ١ / ٨٠ ]
ثلاثمائة خيمة، وحاصروا الإسكندرية أيامًا. ففتح المسلمون أبواب المدينة بالليل، وكبسوا الفرنج على غفلة، فأفنوهم قتلًا وأسرًا (^١)، وغنموا جميع ما أحضروه، وغنموا بعض المراكب، وأقلعوا بعض المراكب الباقية. وحين زالت أيام الفاطميين أعاد الله هذه البلاد إلى أهلها من السادة المسلمين.
وقد قال حسان (^٢) الشاعر المدعو عرقلة:
أَصْبَحَ الْمُلْكُ بَعْدَ آَلِ عَلِىٍّ … مُشْرِقًا بِالْمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي
وَغَدا الشَّرْقُ يَحْسُدُ الْغَرْبَ لِلْقَوْ … م وَمِصْرُ تَزْهُو عَلَى بَغْدَاذِ
مَا حَوَوْها (^٣) إِلَّا بِعَزْمٍ وَحَزْمٍ (^٤) … وَصَلِيلِ الفُؤادِ مِنْ فُولَاذِ (^٥)
[لا] (^٦) كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَا … نَ بِهَا كَالْخَصَيبِ (^٧) وَالأُسْتَاذِ
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (^٨): يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي. وقوله: آل علىٍّ يعنى الفاطميين على زعمهم؛ لأنهم ما كانوا فاطميين، وإنما كانوا أدعياء.
وقال أبو شامة (^٩): وقد أفردت كتابًا سميَته "كشف ما كان عليه بنو عُبيد من الكفر والكذب والكيد" (^١٠). وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبًا كثيرة. ومن أَجَلِّ ما وضع في ذلك (^١١): كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني الذي سماه كتاب "كشف الأسرار وهتك الأستار".
_________________
(١) "وأسروا" في نسخة ب.
(٢) هو: أبو الندى حسان بن نُمير الكلبي المعروف بعرقله الكلبي. كان شاعرًا خصيصًا بالأمراء السادة بني أيوب. ولد سنة ٤٨٦ هـ/ ١٠٩٣ م، وتوفي سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧٢ م. انظر ترجمته في الخريدة. قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ١٧٨ وما بعدها. وانظر هذه الأبيات ص ٢٠٣ - ٢٠٤ في الجزء نفسه.
(٣) "حواها" في الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ٢٠٣.
(٤) "بحزم وعزم" انظر الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ٢٠٣؛ الروضتين جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٩.
(٥) "وصليل الفولاذ في الفولاذ" كذا في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٩؛ الخريدة: قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٦) "بها" في الأصل. والمثبت من الخريدة؛ والروضتين جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٩.
(٧) الخصيب: هو الخصيب بن عبد الحميد، والي خراج مصر زمن الرشيد. وإليه تنسب منية ابن خصيب. انظر: الخريدة، قسم شعراء الشام، جـ ١، ص ١٧٩، حاشية ٦.
(٨) انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٩. حيث ينقل العيني عنه.
(٩) انظر الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٤ - ٥١٥. حيث ينقل العينى عنه باختصار شديد.
(١٠) لم نعثر على هذا الكتاب في المصادر التي بين أيدينا.
(١١) عن هذه القضية وصحة نسب الفاطميين انظر: اتعاظ الحنفا، جـ ١، ص ٢٢ وما بعدها.
[ ١ / ٨١ ]
وما أحسن ما قال بعض الشعراء في بني أيوب، يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر:
أَلَسْتُمْ مُزِيلِى دَوْلَةَ الكُفْرِ مِنْ بَنِي … عُبَيد بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ
زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ … مَجُوسٌ مَعًا فِي الصَّالِحين لَهُمْ أَصْلُ
يُسِرُّون كُفْرًا، يُظْهِرُون تَشَيُّعا … لِيَسْتَتِروا شَيْئًا وَعَمَّهُم الْجَهْلُ
السابع في قصيدة يرثيهم بها عمارة اليمني وهي هذه:
رَمَيْتَ يَا دَهْرُ كَفَّ الْمَجْدِ بِالشَّلَل … وَجِيدَهُ بَعْدَ "حُسْنِ الحَلْي بِالْعَطَلِ" (^١)
سَعَيْتَ فِي مَنْهَجِ الرَّأَيِ العَثُورِ فَإِنْ … قَدَرْتَ مِنْ عَثَرات "الدَّهرِ فَاسْتَقِل" (^٢)
جَدَعْتَ مارِنَك الأقْنى، [فَأَنْفُكَ] (^٣) لا … ينْفَكُّ مَا بَيْن نَقْصِ (^٤) الشَّين والخَجَلِ
هَدَمْتَ قَاعِدَةَ الْمَعْرُوفِ عَنْ عَجَلٍ … سُقِيتَ مُهْلًا، أَمَا تَمْشِي عَلَى مَهَلِ
لَهْفِي وَلَهْف بَنِي الآمَالِ قَاطِبَةً … عَلَى فَجِيعَتِنَا (^٥) فِي أَكْرَمِ الدُّوَلِ
قَدِمْتُ مِصْرَ فَأَوْلَتْنِي خَلَائِفُهَا … مِنَ الْمَكَارِمِ مَا أَرْبَى عَلَى الأمَلِ
قَوْمٌ عَرَفْتُ بِهِمْ كَسْبَ الألُوفِ، وَمِنْ … كَمَالِهَا أَنَّها جَاءَتْ وَلَمْ أَسَلِ
وَكُنْتُ مِنْ وُزَرَاءِ الدِّسْتِ حَيْثُ سَمَا … رَأْسُ الْحِصَانِ بِهَادِيه عَلَى الكَفْلِ
وَنِلْتُ مِنْ عُظَمَاءِ الْجَيْشِ تَكْرِمَةً … وَخُلَّةً حُرِسَتْ مِنْ عَارِضِ الْخَلَلِ
يَا عَاذِلِي فِي هَوَى أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ … لَكَ الْمَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذلِي
بِاللَّهِ زُرْ سَاحَة الْقَصْرَيْن، وَابْكِ مَعِى … عَلَيْهِمَا، لا علَى صِفَّين والْجَمَلِ
وَقُلْ لأَهْلِهِمَا (^٦): وَاللّهِ مَا الْتَحَمَتْ … فِيكُمْ جُرُوحِي، وَلَا قَرْحِي بِمُنْدَمِلِ (^٧)
_________________
(١) "حلى الحسن بالعطل" في الروضتين، وقد ذكر أبو شامة القصيدة في حديثه عن مقتل عماره اليمني سنة ٥٦٩ هـ/ ١١٧٠ م. جـ ١ ق ٢، ص ٥٧٠ - ٥٧١؛ أيضا وردت القصيدة في مفرج الكروب، جـ ١، ص ٢١٢ - ٢١٦؛ تاريخ ابن الفرات، جـ ١ م ٤، ص ١٦٩ - ١٧٢.
(٢) "البغي فاستقل" كذا في الروضتين.
(٣) "فوجهك" في الأصل. والمثبت من الروضتين ومفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات وهو الأولى للمعنى.
(٤) "أمر" في مفرج الكروب.
(٥) "فجيعتها" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(٦) "لأهلهما" في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٧٠.
(٧) "وقل لأهلهما … فيكم قروحي ولا جُرحي … ". في الروضتين.
[ ١ / ٨٢ ]
مَاذَا تُرىَ كَانَت الإِفْرِنْجُ فَاعِلَةً … فِي نَسْلِ آَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي
هَلْ كَانَ فِي الأَمْرِ شَيءٌ غَيْرُ قِسْمَةِ مَا … مُلِّكْتُمُ (^١) بَيْنَ حُكْمِ السَّبْيِ والنَّفَل
وَقَدْ حَصَلْتُم عَلَيْهَا وَاسْمُ جَدّكم … مُحَمَّدٍ، [وأبوكم] (^٢)، خَيرُ مُنْتَعِلِ (^٣)
مررتُ بالقصرِ والأركانُ خاليةٌ … من "الأنيسِ" (^٤) وكانتْ قِبلَةَ القِبَل
فمِلتُ عنها بوجْهِي (^٥) خوفَ مُنْتَقِدٍ … مِنَ الأَعادِي ووجْهُ الودِّ لم يَمِلِ
أسْبَلتُ مِن أسَفٍ (^٦) دمْعي غداةَ خلتْ … رحابُكم وغَدَتْ مَهْجورةَ السُّبُلِ
أبكي على [مأثراتٍ] (^٧) مِن مَكارِمِكُم … حَالَ الزمانُ عليها وهي لم تَحُلِ
دَارُ الضيافة كانت أُنْسَ وافِدِكم … واليومَ أَوْحَشُ من رسْمٍ ومنْ طَللِ
وفطرةُ الصَّومِ إنْ أصْغَتْ (^٨) مَكَارمُكم … [تَشكُو] (^٩) من الدهرِ حَيفًا غيرَ مُحْتَملِ
وكُسْوةُ النّاسِ في الفصْلين قد دَرَسَت … ورث فيها جديدٌ عندكم (^١٠) وَبَلى
وموسِمٌ كان في كَسْرِ الخليج (^١١) لكُم … يأتي تَجَمُّلكم فيه على الجُمَلِ
وأولُ العامِ و[العِيدان] (^١٢) [كان] (^١٣) لكم … فيهن من وَبْلِ جُودٍ ليس بالْوَشَلِ
والأرضُ تهتزُّ في "عيد الغدير" (^١٤) كما (^١٥) … يَهْتَزُّ ما بَيْن قصْرَيْكم من الأَسَلِ
والخيلُ تُعْرضُ "في" وشْيٍ وفي (^١٦) شِية … مثلُ العرائِس في حَلْى وفي حُلَلِ
_________________
(١) "ملكتمو": في مفرج الكروب.
(٢) "أبيكم" في الأصل والروضتين. والمثبت ما بين الحاصرتين من مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات وهو الأصح.
(٣) "غير منتقل" في الروضتين؛ "خير منتحل" في تاريخ ابن الفرات.
(٤) "الوقود" في الروضتين ومفرج الكروب وابن الفرات.
(٥) "بوجه" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(٦) "من أسفي" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(٧) "ما تراءت" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٧٠.
(٨) "أضفت" في تاريخ ابن الفرات.
(٩) "فشكوا" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب، ومن الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٧٠.
(١٠) "عنهم" في الروضتين ومفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(١١) "يوم الخليج" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(١٢) "العيدين" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٧١.
(١٣) "كنز" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين وتاريخ ابن الفرات. وفي مفرج الكروب "كم لكم".
(١٤) "يوم الغدير" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(١٥) "لما" في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٧١.
(١٦) "من" في الروضتين وتاريخ ابن الفرات. وقد أورد ابن الفرات البيت التالي قبل هذا البيت.
[ ١ / ٨٣ ]
وما (^١) حَمَلْتُم (^٢) قِرى الأضْيافِ مِن سِعَة الْـ … أطْباقِ إلَّا علَى الأعناقِ (^٣) والعَجَلِ
وما خَصَصْتم ببِرٍّ أهلَ مِلّتِكُم … حتى عَمَمْتُم به الأقْصى مِن المِلَلِ
كانت رَوَاتِبُكُم لِلذمتينِ (^٤) وللضَّـ … ـيفِ المقِيم وللطَّارِي من الرُّسُلِ
وللجوامعِ (^٥) مِنْ أحَباسِكُم نِعَمٌ … لمنْ تَصَدَّرَ في عِلْمٍ وفي عَمَلِ
ورُبَّما عادَت الدُّنْيا لِمَعْقِلِها (^٦) … مِنكُم، وأضحَتْ بكُم محلُولة الْعُقَلِ (^٧)
والله لا فازَ يومَ الحشْر ظالِمُكُم (^٨) … ولا [نَجا] (^٩) من عذابِ النارِ غيرُ وَليِ
ولا (^١٠) رَأى جَنّةَ "الخُلدِ" التي "وُعِدَتْ" … مَنْ خَانَ عهدَ الإمَامِ العَاضِد بن علي
ولا سُقِي الماءُ مِن "حَرٍّ" (^١١) ومنْ ظمإٍ … مِن كفِّ خير البَرايا خَاتَمِ الرُّسُلِ
أئمتي وهُدَاتي والذخيرةُ لي … إذا ارْتَهنْتُ بمَا قَدّمْتُ مِن [عَمَلِ] (^١٢)
"بِاللهِ" (^١٣) لم أُوفِهِمْ في المدْحِ حَقَّهُمُ … لأنَّ فَضْلَهُمُ كالوابِلِ الهَطِلِ
وإنْ (^١٤) تَضَاعَفَت الأقْوالُ واسْتَبَقَتْ … ما كنتُ فيهِم بحمدِ الله بالْخَجِلِ
بابُ النجاةِ فَهُمْ دُنيا وآخرةً … وحُبُّهم فهو أصلُ الدِّين والعَملِ
_________________
(١) "ولا" في الروضتين.
(٢) "جلتم" كذا في نسخة ب.
(٣) "الأكتاف" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(٤) "للوافدين" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(٥) في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات بيت زائد عن الأصل نصه: "ثم الطراز بتنيس الذي عظمت … منه الصلات لأهل الأرض والدول".
(٦) كذا في الأصل والروضتين. وفي مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات: "فمعقلها".
(٧) إلى هنا انتهت القصيدة في الروضتين.
(٨) "مبغضكم" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(٩) "نجي" في الأصل والمثبت من نسخة ب.
(١٠) في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات هذا البيت والذي يليه فيهما تقديم وتأخير عن الأصل المثبت. وفي الشطر الأول من البيت الأول اختلاف نصه: "ولا رأى جنة الله التي خلقت".
(١١) "خير" كذا في نسخة ب.
(١٢) "عملي" في الأصل. والمثبت من مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
(١٣) "تالله" في مفرج الكروب فقط.
(١٤) "ولو" في مفرج الكروب وتاريخ ابن الفرات.
[ ١ / ٨٤ ]
نُورُ الهُدَى ومَصَابيحُ الدُّجَي ومَحَـ … ـلُّ الغَيْثِ إن وَنَت الأنواءُ في المحَلِ
أئمةٌ خُلِقُوا نورًا فنورهم … مِنْ نور خَالصِ نُورِ اللَّهِ لَمْ يَفلِ (^١)
واللهِ لا زُلْتُ عن حُبِّي لهُم أبدًا … ما أخَّرَ اللهُ لي في مُدةِ الأَجَلِ (^٢)
الثامن فيما جرى بعد موته.
قال ابن كثير (^٣) (﵀): لما مات العاضد استحوذ الملك الناصر صلاح الدين يوسف على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم الأرزاق والنفقات الهنيئة؛ عوضًا عما فاتهم من الخلافة (^٤).
واستعرض حواصل القصرين، فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والثياب والملابس شيئًا كثيرًا باهرًا، وأمرًا هائلًا، فمن ذلك: سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد (^٥) طوله أكثر من شبر وسُمْكُهُ نحو الإبهام، وحبل من ياقوت، وَوُجِدَ فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج (^٦). فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده، ولم يدر ما شأنه، فلما ضرب عليه حبق (^٧) فألقاه من يده فكسره فبطل أمره، وأما القضيب الزمرد فإن السلطان كسره ثلاث فلق، فقسَّمه بين نسائه، وقسَّم بين الأمراء شيئًا كثيرًا من قطع البلخش (^٨) والياقوت والذهب والأثاث وغير ذلك. واستمر البيع فيما كان هنالك من الأثاث والأمتعة نحوًا من عشر سنين، وأرسل إلى الخليفة ببغداد هدايا
_________________
(١) "أئمة خلقوا نورا، قبورهم … من خالص نور الله لم يأَفُل" في الأصل، والمثبت من مفرج الكروب وابن الفرات.
(٢) في مفرج الكروب وابن الفرات بيت زائد نصه: عمارة قالها المسكين وهو على … خوفٍ من القتل، لا خوف من الزلل.
(٣) انظر البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٤.
(٤) ذكر ابن كثير هذا القول نقلًا عن ابن أبي طي. انظر أيضا قول ابن أبي طى في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٥) "قضيب زمرد وطوله قبضة ونصف" في المرآة. وانظر تفصيل ما وجد في القصر من الأمتعة والجواهر في المرآة أيضًا، جـ ٨، ص ١٨١؛ وعن الزمرد راجع، صبح الأعشي، جـ ٢، ص ١٠٣ - ١٠٥.
(٦) القَولَنْج: مرض اعتقال الطبيعة لانسداد المعى المسمى قولون. انظر: الخوارزمي: مفاتيح العلوم، ص ٩٨٠؛ النوادر السلطانية، ص ٥٥، حاشية ٣.
(٧) حبق: هو ضراط المعى، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة "حبق".
(٨) البلخش، يسمى اللّعْلُ وهو من نفائس الأحجار. انظر: القلقشندي: صبح الأعشي، جـ ٢، ص ٩٩ - ١٠٠.
[ ١ / ٨٥ ]
عظيمة سنية، وكذلك إلى الملك العادل نور الدين، أرسل إليه جانبًا كبيرًا صالحا، وكان مما أرسله لنور الدين ثلاث قطع بلخش، زنة الواحدة أحد وثلاثون مثقالًا، والأخرى ثمانية عشر مثقالًا، والثالثة "دونهما" (^١)، مع لآلئ كثيرة، وستين (^٢) ألف دينار، وعطر لم يسمع بمثله (^٣)، ووجد في القصر أيضا خزانة كتب ليس في دار الإسلام مثلها، تشتمل على نحو ألفي ألف مجلد (^٤). ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري.
وقال العماد الكاتب (^٥): كانت الكتب قريبًا من مائة وعشرين ألف مجلد، وقد تسلمها القاضي الفاضل، وأخذ منها شيئًا كثيرًا مما اختاره وانتخبه (^٦).
قال (^٧): وقَسَّم القصر الشمالي بين الأمراء، فسكنوه، وأسكن أباه نجم الدين في قصر عظيم على الخليج، الذي يقال له اللؤلؤة (^٨)، الذي فيه بستان الكافورى، وسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمي إلى الفاطميين، ولا يلقى أحد من الأتراك أحدًا من أولئك الذين كانوا بها أكابر إلا شلحوه ثيابه، ونهبوا داره حتى تمزق كثيرًا منهم في البلاد، وتفرقوا شذر مذر، وصاروا أيادي سبأ.
وقال ابن أبي طىّ: ولم يوجد في القصر من المال كثير؛ لأن [شاور] (^٩) قد ضيعه في إعطائه الفرنج في المرات العديدة، ووجد فيه ذخائر جليلة من ملابس وفرش وخيول وخيام وكتب وجوهر، ووجد فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، فأنفذه السلطان إلى
_________________
(١) "عشرة مثاقيل، وقيل أكثر" في البداية والنهاية.
(٢) "ستون" في نسختى المخطوطة أ، ب.
(٣) في البداية والنهاية زيادة نصها: "ومن ذلك حمارة وفيل عظيم جدا، فأرسلت الحمارة إلى الخليفة في جملة هدايا".
(٤) "ألفي مجلد" في نسخة ب. وكذا ابن كثير الذي ينقل عنه العيني. انظر: البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٨٦.
(٥) انظر قول العماد في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٨.
(٦) انظر تفصيل ذلك في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٧، حيث أوردها نقلا عن ابن أبي طي.
(٧) القول لابن أبي طي. انظر الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٧.
(٨) قصر اللؤلؤة. أو منظرة اللؤلؤة: كانت للخلفاء الفاطميين، وتقع على الخليج بالقرب من باب القنطرة. وكان القصر من أحسن القصور وأعظمها زخرفة، وهو أحد منتزهات الدنيا، فهو يشرف من شرقيه على البستان الكافورى، ومن غربيه على الخليج. وهذه المنظرة بناها العزيز بالله الفاطمي. انظر: الخطط، جـ ١، ص ٤٦٧ - ٤٦٩.
(٩) "العاضد" في الأصل وهو خطأ. والمثبت بين الحاصرتين من قول ابن أبي طى في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٦.
[ ١ / ٨٦ ]
بغداد. وجعل السلطان أهل العاضد في موضع خارج القصر، وجعل أمرهم إلى قراقوش الخادم، وفرق بين النساء والرجال؛ ليكون ذلك أسرع إلى انقراضهم، واستعرض مَنْ بالقصر مِنَ الجواري والعبيد، والعدة والعديد، والطريف والتليد، فأطلق من كان منهم حرًا، وأعتق من رأى إعتاقه، ووهب من أراد هبته، وفرق على الأمراء والأصحاب من نفائس القصر وذخائره شيئًا كثيرًا، وحصل هو على اليتيمات وقطع البلخش والياقوت وقضيب الزمرد، وأطلق البيع بعد ذلك في كل جديد وعتيق، فأقام البيع في القصر مدة عشر سنين.
قال (^١): ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا.
ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر. ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة. وانقضت تلك الدولة برمتها، وذهبت تلك الأيام بجملتها بعد أن كانوا قد احتووا على البلاد، واستخدموا العباد مائتين وثمانين سنة وكسورًا. [قال] (^٢): وحكى أن الشريف الجليس (^٣) وهو رجل كان قريبًا من العاضد، يجلس معه ويحدثه، عمل دعوة لشمس الدولة بن أيوب، أخى السلطان، بعد القبض على القصور (^٤) وأخذ ما فيها، وانقراض دولتهم.
وغرم هذا الشريف على هذه الدعوة مالًا كثيرًا، وأحضرها أيضا جماعة من أكابر الأمراء، فلما جلسوا على الطعام، قال شمس الدولة لهذا الشريف: حدثني بأعجب ما شاهدته من أمر القوم. قال نعم؛ "طلبنى العاضد يوما وجماعة من الندماء، فلما دخلنا
_________________
(١) القول لابن أبي طي، انظر الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٧.
(٢) الإضافة من قول ابن أبي طى في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٧.
(٣) الشريف الجليس: هو القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب السعدي. تولى ديوان الإنشاء للخليفة الفائز الفاطمي (٥٤٩ هـ - ٥٥٥ هـ/ ١١٥٤ هـ - ١١٦٠ م)؛ وسمى الجليس لأنه كان يجالس الخلفاء الفاطميين. وهو من نسل بني الأغلب أصحاب إفريقية. توفي سنة ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م، انظر: ابن شاكر: فوات الوفيات، جـ ١ ص ٥٧٧ - ٥٧٩؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٢٥١.
(٤) "القصر" في الأصل والمثبت من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٨. وهو الأولى مع سياق الكلام.
[ ١ / ٨٧ ]
عليه وجدنا عنده مملوكين من الترك، عليهما أقبية (^١) مثل أقبيتكم، وقلانس (^٢) مثل قلانسكم، وفي أوساطهم مناطق (^٣) كمناطقكم. فقلنا له: يا أمير المؤمنين ما هذا الزي الذي ما رأيناه قط؟ قال: هذه هيئة الذين يملكون ديارنا، ويأخذون أموالنا وذخائرنا.
وفي تاريخ الدولتين (^٤): أخبرني أبو الفتوح [بن العاضد] (^٥) أن السلطان جعل أهل العاضد في دار برجوان (^٦)، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبًا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها.
التاسع: في ذكر كتاب (^٧) كتبه القاضي الفاضل عن صلاح الدين، إلى وزير بغداد، على يد الخطيب شمس الدين [بن] (^٨) أبي المضاء.
"كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة (^٩) موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع. وقد توالت الفتوح غربا ويمنا وشامًا، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرمًا حرامًا، وأضحى الدين واحدًا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها [إلا] (^١٠) صُمًّا وعُميانا؛ والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة؛ ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسمَّوا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وكذَّبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذوا منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمت
_________________
(١) أقبية: مفردها قباء وهو ثوب له أكمام ضيقة. انظر: ماير: الملابس المملوكية، ص ٢٥.
(٢) قلانس: مفردها قلنسوة، وهي كلوته مطرزة أي زركش. انظر: الملابس المملوكية، ص ٤٢.
(٣) مناطق: مفردها منطقة؛ وهي حزام العسكريين، وقد أطلق عليه فيما بعد "حياصة". وكان يصنع من معدن ثمين وأضخمها ما كان من الفضة المطلية بالذهب. وأحيانا بالذهب الخالص. انظر: الملابس المملوكية، ص ٤٨.
(٤) انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٥) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين للتوضيح.
(٦) دار برجوان: هذه الدار كانت بحارة برجوان وتعرف بدار الأستاذ، وكان يسكن فيها، انظر: مفرج الكروب، جـ ١، ص ٢٥٤؛ السلوك، جـ ٢، ص ٣٣٨.
(٧) عن كتاب القاضي الفاضل انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٦ - ٤٩٧.
(٨) "شمس الدين أبي المضاء" في الأصل. والمثبت من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٦، وهو: أبو عبد الله محمد ابن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي، انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٢.
(٩) "الأئمة" في الأصل. والمثبت من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٦، نقلًا عن نص كتاب القاضي الفاضل.
(١٠) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٦.
[ ١ / ٨٨ ]
أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ (^١) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبىّ. أن من شد عقد خلافة وحلّ عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يُشكر ما نصح، ويقلَّد ما فتح، ويبلَّغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وتلبي دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل عروته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضه، وترسل إليه السحب المروضة. فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها. وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النّجعة (^٢) من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته وتنجيز تشريفاته خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرَّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السَّواد الأعظم، أملًا (^٣) أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه".
العاشر: فيما ذكر جماعة من أكابر العلماء في حق الفاطميين المذكورين:
قالوا (^٤): إنهم لم يكونوا لذلك أهلًا، ولا نسبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القدَّاح الملحد المجوسي. وقِيل كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سَلَمْيه من بلاد الشام، وكان حدادًا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدًا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وزعم أنه علوي فاطمي، وادعي نسبًا ليس بصحيح، لم يذكره أحد من مصنفى الأنساب العلوية، بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب خلافه.
_________________
(١) "كلمات" في الأصل وفي الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٧، والصحيح ما أثبتناه طبقًا للآية الكريمة من سورة (الأنعام) آية (٦).
(٢) النجعة: طلب الكلأ في مواضعه. انظر: المنجد، مادة "نجع" ص ٨٥٧ - ٨٥٨.
(٣) "إملاء" في الأصل. والمثبت من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٧.
(٤) انظر الأقوال المختلفة في نسب الفاطميين في اتعاظ الحنفا، جـ ١، ص ٢٢ وما بعدها؛ وانظر أيضا: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٩ - ٥١٠.
[ ١ / ٨٩ ]
وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى (^١). وقد صنف الشريف الهاشمي (^٢) كتابًا كبيرًا، كان في أيام الملقب بالعزيز -ثاني خلفاء مصر- فبين فيه أصولهم أتم بيان، وأوضح كيفية ظهورهم وغلبتهم على البلاد، وتتبع ذكر فضائحهم، وما كان يصدر منهم من أنواع الزندقة والفسق والمخرقة، وما فعله هؤلاء من الانتساب إلى على - ﵁ -، والتستر بالتشيع قد فعله القرامطة (^٣)، وصاحب الزنج (^٤) الخارج بالبصرة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، على ما عَرَف مِنْ سيرهم مَنْ وقَف على أخبار الناس. وكلهم كَذَبَةٌ في ذلك، وإنما غرضهم التقرب إلى العوام والجهال.
وذكر القاضي عبد الجبار (^٥) أن الملقب بالمهدي -عليه ما يستحق- كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل؛ وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى ملك الروم، وسلطهم على المسلمين، وأكثر من الجود واستصفاء الأموال، وقتل الرجال. وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم، فيقولون لبعضهم: "هو المهدي ابن رسول الله - ﷺ -، وحجة الله على خلقه". ويقولون لآخرين: "هو رسول الله وحجة الله على خلقه". ويقولون لطائفة أخرى: "هو الله الخالق الرازق".
ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم (^٦) مقامه، وزاد شره على شر أبيه أضعافًا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية وغيرها: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى". وبعث إلى أبي طاهر القرمطي (^٧)، المقيم بالبحرين، وحثه على قتل المسلمين، وإحراق المساجد والمصاحف.
_________________
(١) انظر ما سبق ص ٧٩ - ٨٠.
(٢) هو أبو القاسم علي المرتضى. نقيب الطالبيين؛ عاش فيما بين سنتي ٣٥٥ - ٤٣٦ هـ/ ٩٦٦ - ١٠٤٤ م. انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٥، حاشية (١).
(٣) القرامطة: طائفة سياسية اتخذت الدعوة إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وسيلة لتحقيق أغراضها، وعرفت بذلك نسبة إلى أحد دعاتها حمدان بن الأشعت الملقب بقرمط. ويقال إنه سمي بقرمط لقصور قامته ورجليه. انظر: نهاية الأرب، جـ ٢٣، ص ٥٦؛ الرسغي: مختصر الفرق بين الفرق، ص ١٧١.
(٤) هو على بن محمد بن أحمد … بن زيد، ثائر ظهر بالبصرة، واشتد أمره أيام الخليفة المعتمد، وزعم أنه من نسل آل على، وكثر أتباعه من عبيد الأرض الذين كانوا يعملون في حمل المخصبات (السباخ) وغيرها لأهل البصرة، واستمرت ثورته الخطيرة التي شملت جنوبي العراق بين سنتي ٢٥٥ - ٢٧٠ هـ/ ٨٦٩ - ٨٨٣ م، ثم انهارت أمام جيوش الموفق أخى الخليفة المعتمد. انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٥، حاشية (٣).
(٥) انظر أقوال القاضي عبد الجبار في العلويين وأصولهم في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٢ - ٥١٣.
(٦) القائم: أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي، تولى الخلافة سنة ٣٢٠ هـ/ ٩٣٢ م، وتوفي سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٦ م. انظر: البداية والنهاية، جـ ١١، ص ٢٢٤ - ٢٢٧؛ اتعاظ الحنفا، جـ ١، ص ٧٤ - ٨٢.
(٧) أبو طاهر القرمطي هو حمدان بن الأشعث.
[ ١ / ٩٠ ]
وقام بعده ابنه المنصور (^١)، فقتل أبا يزيد مخلد (^٢)، الذي خرج على أبيه؛ ينكر عليه قبيح فعله، وسلخه وصلبه، واشتغل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم؛ خوفًا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد.
وقام بعده ابنه المعز (^٣)، فبث دعاته، فكانوا يقولون: "هو المهدي الذي يملك [الأرض] (^٤)، وهو الشمس التي تطلع من مغربها". وكان يسره ما ينزل بالمسلمين من المصائب، من أخذ الروم بلادهم. واحتجب عن الناس أيامًا، ثم ظهر، وأوهم أن الله رفعه إليه، وأنه كان غائبًا في السماء، وأخبر الناس بأشياء صدرت منهم، كان ينقلها إليه جواسيس له، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه. وهو أول الخلفاء منهم بمصر، وهو الذي تنسب إليه القاهرة، واستدعي بفقيه الشام أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب، فأمر بسلخه، فسلخ حيًا، وحشى جلده تبنًا، وصلب (﵀). قال أبو ذر الهروي (^٥): سمعت أبا الحسن الدارقطني (^٦) يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (^٧).
وقال صاحب تاريخ الدولتين (^٨): وفي أيام الحاكم أمر بكتْب سب الصحابة (﵃) على حيطان الجوامع، والقياسر، والشوارع والطرقات. وكتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسب، ثم [أمر] (^٩) بقلع ذلك، وأنا رأيته مقلوعًا في بعض أبواب دمشق،
_________________
(١) المنصور: أبو طاهر إسماعيل، مدة خلافته "٣٣٤ - ٣٤١ هـ/ ٩٤٦ - ٩٥٢ م". انظر: اتعاظ الحنفا، جـ ١، ص ٨٢ - ٩٢.
(٢) مخلد بن كيداد الخارجي، أبو يزيد. انظر ترجمته في اتعاظ الحنفا، جـ ١، ص ٧٥ - ٨٥.
(٣) هو: أبو تميم معد، مدة خلافته "٣٤١ - ٣٦٥ هـ/ ٩٥٢ - ٩٧٦ م". انظر: اتعاظ الحنفا، جـ ١، ص ٩٣ وما بعدها.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٣ حيث ينقل أبو شامة أقوال القاضي عبد الجبار.
(٥) أبو ذر الهروي: هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير، أبو ذر الأنصاري الهروي، عالم بالحديث من الحفاظ والفقهاء المالكية. توفي سنة ٤٣٤ هـ/ ١٠٤٣ م. انظر: الأعلام، جـ ٤، ص ٤١. الطبعة الثانية.
(٦) هو: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدى البغدادي الدارقطني. انظر: وفيات الأعيان، جـ ٣، ص ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٧) سورة الإسراء: آية (٥٨).
(٨) انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥١٣.
(٩) ما بين الحاصرتين إضافة من الروضتين للتوضيح.
[ ١ / ٩١ ]
في الأسكفة (^١) العليا منقورًا في الحجر. ودلني أول الكلام وآخره على ذلك، ثم جُدد ذلك الباب، وأزيل ذلك الحجر. وفي أيامه طَوَّفَ بدمشق رجل مغربي، ونودي عليه: "هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر". ثم ضربت عنقه.
وجرى في أيامهم مثل هذه الأشياء؛ مثل قطع لسان أبي القاسم الواسطى -أحد الصالحين- وكان أذَّن في بيت المقدس وقال في أذانه: "حي على الفلاح"، فأُخذ، وقطع لسانه، وما كانت ولاية هؤلاء الملاعين إلا محنة من الله تعالى، ولهذا طالت مدتهم، مع قلة عِدتهم، فعدتهم عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر، وأولئك بقوا نيفا وتسعين سنة، وهؤلاء بقوا مائتي سنة [وثمانيا] (^٢) وستين سنة.
وحكى ابن المارستاني (^٣) في سيرة ابن هبيرة الوزير قال: إنه من عجيب ما جرى في أمر المصريين؛ أنه رأى إنسانٌ (^٤) من أهل بغداد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كأنَّ قمرين أحدهما أنور من الآخر، والأنور منهما مسامت للقبلة، وله لحية سوداء فيها طول، ويهُبُّ أدنى نسيم فيحركها، وأثر حركتها وظلها في الأرض، وكان الرجل يتعجب من ذلك، وكأنه سمع أصوات جماعة يقرؤون بألحان وأصوات لم يسمع قط مثلها، وكأنه سأل بعض من حضر فقال: ما هذا؟ فقالوا: قد استبدل الناس بإمامهم. قال: وكأن (^٥) الرجل استقبل القبلة، وهو يدعو الله أن يجعله إمامًا برًا تقيًا. واستيقظ الرجل. وبَلَّغَ هذا المنام ابن هبيرة -الوزير إذ ذاك ببغداد- فعبَّر المنام بأن الإمام الذي بمصر يُستبدل به، وتكون الدعوة لبني العباس لمكان اللحية السوداء. وقوى هذا عنده، حتى كاتب نور الدين
_________________
(١) "الأمكنة" في الروضتين واسكف وأسكفة: عتبة الباب. انظر: المعجم الوسيط، مادة "سكف".
(٢) "مائتي سنة وستين" كذا في نسخة أ؛ أما نسخة ب "مائتي سنة وستين سنة". والمثبت من الروضتين جـ ١ ق ٢، ص ٥١٤ حيث ينقل العينى عنه.
(٣) انظر قول ابن المارستاني في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٤٩٩ - ٥٠٠.
(٤) ذكر الدكتور/ محمد حلمى محمد أحمد أنه وجد بأصل نسخة الروضتين تعليقًا بالهامش نصه "حاشية. قال المؤلف: رأيت في السيرة المذكورة أن الذي رأى هذا المنام هو الفقيه الزاهد أبو محمد عفيف بن المبارك بن محمود الأحمدى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة والله أعلم". انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٠، حاشية (١).
(٥) "وكان" في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٠.
[ ١ / ٩٢ ]
[حين] (^١) دخل أسد الدين إلى مصر في أول مرة، بأنه يظفر بمصر، وتكون الدعوة لبني العباس بها على يده.
وقيلت في ذلك الزمان أشعار في هذا منها: قصيدة شمس المعالي أبي الفضائل الحسين بن محمد بن بركات، وكان حاجب ابن هبيرة، قالها حين سمع تأويله المنام (^٢):
لتَهْنَك يا مَولَى الأنَامِ بِشَارةً … بها سَيفُ دين الله بالحقِّ مُرهَفُ
ضَربْتَ بها هَامَ الأعادِي بهِمَّةٍ … تَقَاصَر عنْها السّمْهريُّ المثَقَّفُ
بَعثْتَ إلى شَرقِ البلاد وغَرْبها … بُعوثًا من الآراءِ تُحْيى وتُتْلِفُ
فقامتْ مقامَ السّيفِ والسَّيْفُ قَاطِرٌ … ونابتْ مَنَابَ الرمْحِ والرمحُ يَرْعُفُ
وقُدْت لها جيشًا مِن الروْع هائلًا … إلى كل قلبٍ من عِداتِك يَرجُفُ (^٣)
ملكتَ به أقصى المغَاربِ عُنْوةً … وكادتْ بمنْ فيها المشَارقُ تَزْحَفُ (^٤)
ليهْنَك يا مولاى [فتحا] (^٥) تتابعتْ … إليك به حُوصُ الركائِب تُوجَفُ
أخذْتَ به مصرا وقَد حَال دونَها … من الشركِ [ناسٌ] (^٦) في لُهى الحقِّ تُقْذفُ
وقد دَنّسَتْ مِنها المنابرَ عُصْبَةٌ … يعافُ التُّقىَ والدّينُ منهم ويأنَفُ
فَطَهَّرهَا مِن كُلّ شِركٍ وبدعةٍ … أغرٌّ غَرِيرٌ بالمكارِمِ يُشْغَفُ
فعَادتْ بِحمْد اللهِ بِاسْمِ إمَامِنا … تَتِيهُ على كلِّ البلادِ وتَشْرُفُ
ولا غَرْوَ أنْ دَانت ليُوسفَ مِصْرُه … وكانت إلى علْيائهِ تَتَشَوّفُ
تملّكَها من قَبضَةِ الكُفْرِ يُوسُف … وخَلَّصَها مِن عُصْبَة الرفضِ يُوسفُ
_________________
(١) "حتى" في الأصل. وما بين الحاصرتين من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٠ وهو أولى.
(٢) ذكر الدكتور/ محمد حلمى محمد أحمد أنه بهامش أصل الروضتين تعليق نصه: حاشية. قال المؤلف: أول هذه القصيدة: لعل حداة الركب أن يتوقفوا … ليشفي غليلًا بالمدامع مدنف. انظر: الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٠، حاشية (٣).
(٣) "يزحف" في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٠.
(٤) "ترجف" في الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠٠.
(٥) "فتح" في الأصل، والمثبت من الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠١.
(٦) "أناس" في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من نسخة ب، الروضتين، جـ ١ ق ٢، ص ٥٠١.
[ ١ / ٩٣ ]
قال يحيى بن أبي طى: يريد بيوسف الأول يوسف الصديق النبي -﵇-، وبيوسف الثاني المستنجد بالله الخليفة يومئذ، وقاله على سبيل الفأل؛ ألا تراه قال بعد هذا البيت:
فَشَابَهْتَه خَلْقًا وخُلُقًا وعِفَةً … وَكُلٌ عن الرحمنِ فِي الأرضِ يَخْلُفُ (^١)