فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والسبعين بعد الخمسمائة *
استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، والسلطان صلاح الدين خرج من مصر إلى الشام فى خامس المحرم من هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بمصر، لم يعد إليها بعد ذلك.
وفى تاريخ المؤيد (^١): وفى خامس المحرم سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام، ومن عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه، أخذ كل منهم يقول شيئًا فى الوداع وفراقه، وفى الحاضرين [٢٢٣ و] معلمٌ لبعض أولاد السلطان، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد:
تَمتَّعْ من شَمِيمِ عُرارِ نجد … فما بعدَ العشِيَّة من عُرارِ
فتطيَّر صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه، وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد صلاح الدين "بعدها" (^٢) إلى مصر مع طول المدة، وسار السلطان وأغار فى طريقه على بلاد الفرنج، وغنم ووصل إلى دمشق فى حادى عشر صفر من هذه السنة (^٣).
وفى المرآة (^٤): وفى خامس المحرم من هذه السنة خرج صلاح الدين من مصر، ونزل البِرْكة قاصدًا إلى الشام، وخرج أرباب الدولة لوداعه، وأنشد الشعراء أبياتا فى الوداع، فسمع قائلا يقول فى ظاهر الخيم: تمتع (^٥) إلى آخره. وطلب القائل، فلم يوجد، فوجم السلطان وتَطَيّر الحاضرون، فكان كما قال اشتغل السلطان بالشرق والإفرنج، ولم يعد بعدها إلى مصر.
_________________
(١) * يوافق أولها ٧ مايو ١١٨٢ م.
(٢) المختصر فى أخبار البشر، جـ ٣، ص ٦٣ - ٦٤.
(٣) ما بين الأقواس ساقط من نسخة ب.
(٤) إلى هنا توقف العينى عن النقل من المختصر، جـ ٣، ص ٦٣ - ٦٤.
(٥) مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٥؛ راجع أيضًا هذا النص فى الكامل، جـ ١٠، ص ١١٠ - ١١١؛ الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ٢٨.
(٦) "تسمَّع" فى مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٥. وهو خطأ فى النسخ.
[ ١ / ٣١٥ ]
وسار السلطان على أيلة والحسا (^١) ووادى موسى (^٢)، وكان فرخشاه بدمشق، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا عند الكرك؛ لقصد السلطان، فخرج من دمشق فنزل طبرية وعكا ودَبُّورِية، فقصدوه فالتقاهم وكسرهم، وقتل منهم ألوفًا، وأسر وساق عشرين ألفا من الأنعام وغيرها، وفتح حصنا مشرفًا على السواد على شقيف، يقال له حصن جلدك، وقتل من فيه، وأسكنه المسلمين وجعلهم طلائع، وساق إلى بُصْرى، فالتقى السلطان عندها فسُرَّ به، ودخلا دمشق فى صفر.
وفى تاريخ ابن كثير (^٣): أغار صلاح الدين فى طريقه على أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك، وجعل أخاه تاج الملوك (^٤) بورى بن أيوب على الميمنة يسير ناحية عنه، ليتمكنوا من بلاد العدو، فالتقوا على الأزرق (^٥) بعد سبعة أيام، ووصل السلطان إلى دمشق فى حادى عشر صفر منها، وقيل فى سابع [عشر] (^٦).