من أشهر من نقل عنهم العيني عند كتابته عن العصر الأيوبي القاضي الفاضل - (عبد الرحيم البيساني المتوفي سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م) الذي كان من ألصق الناس بصلاح الدين. وقد عاصر فترة انتقال الحكم من الفاطميين إلى الأيوبيين. وعمل بمثابة مستشار خاص لصلاح الدين، وقد بلغت ثقته به حدًا كبيرًا حتى أنابه في إدارة شئون مصر في الفترة من سنة ٥٨٥ - ٥٨٨ هـ / ١١٨٩ - ١١٩٢ م إبان حربه ضد الحملة الصليبية الثالثة. واعترف صلاح الدين بفضله بقوله "ما فُتحت البلاد بالعساكر إنما فُتحت بكلام القاضي الفاضل". وهذا يؤكد خصوصية دور القاضي الفاضل لدى صلاح الدين.
_________________
(١) انظر عقد الجمان، ج ٢٥، ورقة ٥١. مخطوط بدار الكتب المصرية، رقم ١٥٨٤ تاريخ.
(٢) عقد الجمان، ج ١٩، ورقة ٢٣٤؛ ج ٢٥، ورقة ٧٢٥.
[ ١ / ٢٧ ]
كما نقل العيني أيضًا عن العماد الأصفهاني؛ وهو عماد الدين أبو عبد الله بن صفي الدين أبو الفرج محمد بن نفيس الدين، الملقب بالعماد الكاتب، المتوفى سنة ٥٩٧ هـ / ١٢٠١ م، الذي يعد حجة في فترة من فترات العصر الأيوبى، بحكم عمله كاتبًا في ديوان الإنشاء بمصر في عصر صلاح الدين، ولازمه في حله وترحاله، حتى أصبح بمثابة سكرتير خاص.
وقد اقتبس العيني من كُتب العماد الأصفهاني الكثير؛ خاصة "البرق الشامي"، "الفتح القسي في الفتح القدسي"، "خريدة العصر وجريدة القصر"، فضلا عن بعض أشعار ديوانه. وهذه الكتب تناولت أحداث هامة وأخبارًا قيمة؛ فالبرق الشامي ذكر حياة العماد الأصفهاني في العراق، منذ كان في خدمة السلاجقة وحتى وفاة صلاح الدين الأيوبي، أي من سنة ٥٦٢ هـ - ٥٨٩ هـ / ١١٦٧ - ١١٩٣ م وفي هذه الفترة اتصل بنور الدين محمود ومن بعده بصلاح الدين الأيوبي.
أما "الفتح القسي" فقد تناول تحرير فلسطين وبلاد الشام من يد الفرنجة في الفترة من سنة ٥٨٣ هـ - ٥٨٩ هـ / ١١٨٧ م - ١١٩٣ م.
أما الكتاب الثالث "الخريدة" فقد غلب عليه الطابع الأدبي. وهو مقسم إلى عدة أقسام؛ قسم عن شعراء الشام، قسم عن شعراء مصر، قسم عن شعراء العراق، وقسم خاص بشعراء اليمن والمغرب.
كذلك اعتمد العيني على كتابي ابن الأثير - (علي بن أحمد بن أبي الكرم) - المتوفي سنة ٦٣٠ هـ / ١٢٣٣ م؛ فالأول كتاب "التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية" وهو يتناول تاريخ ملوك الموصل من الأتابكة في الفترة من سنة ٤٧٧ - ٦٠٧ هـ / ١٠٨٤ - ١٢١١ م.
والثاني كتاب "الكامل في التاريخ" وهو موسوعة كبيرة في التاريخ العام للعالم الإسلامي. ابتدأه بأول الزمان، وأنهاه بعام ٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م.
كذلك نقل العيني من كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"، لأبي شامة - (شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي)، المتوفي سنة
[ ١ / ٢٨ ]
٦٦٥ هـ / ١٢٦٧ م. وهذا الكتاب سجل فيه أبو شامة أغلب ما كتبه ابن أبي طي -فتاريخ ابن أبي طي مصدر على جانب كبير من الأهمية، لأنه تناول بعناية ودقة تاريخ العالم الإسلامي كله، وأعطى مدينة حلب قدرًا ملحوظًا من اهتمامه، وذكر حاجي خليفة أن ابن أبي طي رتب تاريخه على طريقة الحوليات (^١). وقد فُقدت كتب ابن أبي طي، والفضل يرجع إلى أبي شامة في معرفتنا بما كتبه ابن أبي طي. وقد تميز أسلوب اين أبي طى بأنه مجرد من الزخرف، واقعي، مختصر، مباشر في معالجته للموضوعات.
وترجع أهمية كتاب "الروضتين" أيضا إلى أنه نقل لنا ما كتبه العماد الكاتب في كتابه "البرق الشامي"، وهذا الكتاب الأخير فقدت معظم مجلداته، ولا يوجد منه سوى الجزء الثالث والجزء الخامس بمكتبة البودليان بجامعة أكسفورد.
كذلك أخذ العيني من كتاب "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" المعروف بسيرة صلاح الدين، لابن شداد - (بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن شداد) المتوفى سنة ٦٣٢ هـ / ١٢٤٣ م. وأهمية هذا الكتاب بالنسبة للعيني أن ابن شداد كان من بين معية صلاح الدين؛ التحق بخدمته سنة ٥٨٤ هـ / ١١٨٨ م، ولم يفارقه في سلم أو حرب منذ ذلك التاريخ وحتى وفاة صلاح الدين سنة ٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م.
لذلك كان ابن شداد شاهد عيان على العصر، وهو يوضح ذلك بقوله في حوادث سنة ٥٨٤ هـ حيث قال: "منذ هذا التاريخ ما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرًا يقارب العيان". وقد ولاه صلاح الدين قضاء العسكر وقضاء القدس بعد فتحها. ولما توفي صلاح الدين اتصل ابن شداد بالملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب.