ولما فرغ السلطان من أمر عينتاب سار إلى حلب وحصرها، وبها صاحبها عماد الدين زنكى بن مودود [٤].
وقال ابن كثير (^١): سار السلطان في بقية المحرم إلى مدينة حلب فنازلها وحاصرها، وقاتله أهلها قتالًا [شديدًا] (^٢)، وجرح أخو السلطان تاج الملوك بورى بن أيوب جرحًا بليغًا فمات منه بعد أيام، ثم اتفق الحال بين السلطان وبين صاحبها عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى بن آقسنقر على عوض أطلقه السلطان، وهو أن يرد عليه سنجار ويسلمه [حلب] (^٣)، فخرج عماد الدين زنكى وجاء إلى خدمة السلطان وعزاه في أخيه ونزل عنده في المخيم، ونقل أثقاله إلى سنجار، وزاده السلطان [الخابور] (^٤) والرقة ونصيبين وسروج (^٥)، واشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة للغزاة، وودعه السلطان. وكان أهل حلب ينادون على عماد الدين زنكى: "يا حمار بعت حلب بسنجار" (^٦). وكان تسلم السلطان حلب في صفر، وصعد إلى قلعتها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر، وعمل له الأمير طمان (^٧) وليمة عظيمة وكان يومًا مشهودًا، ثم أن السلطان (﵀) أسقط عن حلب وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس والضرائب، وكذلك عن بلاد الشام ومصر، ثم أرسل إلى عساكره ليجتمعوا إليه؛ ليتصدى لقتال الفرنج الملاعين؛ لأنهم عاثوا في البلاد يمينًا وشمالًا في غيبة السلطان واشتغاله ببلاد الجزيرة. وكان السلطان قد بشر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب، وذلك أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الشافعى (^٨) رأي في تفسير أبى الحكم العربى عند قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ الآية (^٩)، البشارة بفتح بيت المقدس في سنة ثلاث وثمانين
_________________
(١) البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٤.
(٢) "جيدًا" في الأصل. والمثبت من ابن كثير: البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٤ حيث ينقل العينى عنه.
(٣) "البلد" في الأصل. والمثبت من البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٤ الذى ينقل العينى عنه.
(٤) "خابور" في الأصل والمثبت من البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٤ وهو الصحيح.
(٥) سَرُوجُ: بلدة قريبة من حران من ديار مضر، ياقوت: معجم البلدان، جـ ٣، ص ٨٥.
(٦) ورد هذا القول في المختصر، جـ ٣، ص ٦٦.
(٧) "طهمان" في البداية والنهاية أما باقى المصادر فتذكر أنه طمان، وهو الأمير حسام الدين بن غازى بن يلمى بن تنجول من جبل سلور بحلب، توفى سنة ٥٨٥ هـ. انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان، جـ ٧، ص ١٧٠، ص ١٩٤؛ أبو المحاسن: النجوم، جـ ٦، ص ١٠٩.
(٨) مجد الدين بن جهبل، هو طاهر بن نصر الله بن جهبل الكلابى، توفى بالقدس سنة ٥٩٦ هـ؛ الذهبى: العبر، جـ ٤، ص ٢٩٢؛ الإسنوى: طبقات الشافعية، جـ ١، ص ١٨١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٧؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان، جـ ٧، ص ٣٤٣، ابن العماد الحنبلى، الشذرات، جـ ٤، ص ٣٢٤.
(٩) سورة الروم، آية رقم ١ - ٢.
[ ٢ / ١٠ ]
وخمسمائة، واستدل على ذلك بأشياء، فكتب في ورقة وأعطاها للفقيه عيسى الهكارى؛ ليبشر بها السلطان، فلم يتجاسر على ذلك؛ خوفًا من عدم المطابقة، فأعلم بذلك القاضى [محيى الدين بن الزكى] (^١) فنظم معناها في قصيدة يقول فيها:
وفتحكم حلب الشهباء في صَفَرٍ … قضى لكم بافتتاح القُدس في رَجَب
وقدمها للسلطان فتشوقت همة السلطان إلى ذلك، فلما افتتحها كما سيأتى - إن شاء الله تعالى - أمر القاضى فخطب يومئذ وكان يوم الجمعة، ولما بلغه أن ابن جهبل هو الذى اطلع على ذلك أولًا، أمره أن يُدَرِّس فدَرَّس على الصخرة درسًا عظيمًا، وأجزل له العطاء وأحسن عليه الثناء (^٢).
وفى تاريخ بيبرس: وفى هذه السنة سار صلاح الدين من تل خالد إلى حلب، واستدعى إليها العساكر من جميع الجهات، فاجتمع عليها خلق عظيم وتحقق عماد الدين أنه ليس له به قبل، فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفِّر له مع صلاح الدين في إعادة بلاده إليه وتسليم حلب منه، فرفع الحديث، وتقررت القاعدة. ولم يشعر أحد من [٥] العسكر ولا من الرعية حتى تم الأمر واستعاض، فاستعلم العسكر من عماد الدين فأعلمهم وأذن لهم في تدبير أنفسهم، فأرسلوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك، وزين الدين بلك، فاستحلفوا صلاح الدين على العسكر وعلى أهل البلد، وخرجت العساكر إلى خدمته بالميدان الأخضر فخلع عليهم، ونقل عماد الدين أقمشته وآلاته من القلعة، ثم نزل إلى السلطان، وسير معه في الميدان وأنزله عنده في الخيمة، وقدم له تقدمة سنية وخيلًا، وخلع على جماعة من أصحابه، وسار يومه إلى سنجار. وطلع صلاح الدين القلعة وتسلمها في صفر من هذه السنة (^٣). ومدحه السعيد بن سناء الملك بقصيدة أولها (^٤):
_________________
(١) "فخر الدين بن الولى" في الأصل، والمثبت من البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٤ - ص ٣٣٥ حيث ينقل العينى عنه، ومحيى الدين بن الزكى: هو أبو المعالى محمد بن أبى الحسن على بن محمد بن يحيى القرشى الملقب بمحى الدين توفى سنة ٥٩٨ هـ بدمشق ودفن بسفح جبل قاسيون. ابن خلكان: وفيات الأعيان، جـ ٤، ص ٢٢٩ - ص ٢٣٦ ترجمة رقم ٥٩٤.
(٢) ورد هذا النص بتصرف في البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٥.
(٣) ورد هذا النص بتصرف في الكامل، جـ ١٠، ص ١٢١ - ص ١٢٢؛ زبدة الحلب، جـ ٣، ص ٦٩؛ النوادر السلطانية، ص ٥٩؛ الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ١٣٧ - ص ١٣٨.
(٤) السعيد بن سناء الملك، هو السعيد أبو القاسم هبة الله بن الرشيد جعفر بن سناء الملك توفى سنة ٦٠٨ هـ؛ العماد، الخريدة، قسم مصر، جـ ١، ص ٦٤ - ص ٩٩؛ وفيات الأعيان، جـ ٦، ص ٦١ ترجمة رقم ٧٧٧؛ الشذرات، جـ ٥، ص ٣٥.
[ ٢ / ١١ ]
بدولة الترك عزت [ملة] (^١) العرب … وبابن أيوب ذلت شيعة الصُلب
[وافخر ففتحك] (^٢) ذا فخر لمفتخر … ذخرُ لمدخر كسب لمكتسب
بك العواصم طابت بعد ما خبثت … [بمالكيها] (^٣) ولولا أنت لم تطب
ومنها:
وافى الفرات فألقى فيه ذا لُجب … [يظل] (^٤) يهزأ من تياره اللجب
إلى بلاد أجابت قبل أن دعيت … للخاطبين ولولا الخوف لم تُجب
ثم استجابت فلا حصن بممتنعٍ … منها عليه ولا ملك بمحتجب
ومنها:
أتى إليها يقود البحر ملتطمًا … [والبيض كالموج والبيضات كالحبب] (^٥)
ومنها:
ولابن أيوب دانت كل مملكة … بالصفح والصلح أو بالحرب والحُرب
ومنها:
ففتحكم حلبًا بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب
وكان هذا الفأل صادقًا، واتفق فتوح القدس في شهر رجب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقيل إن هذه القصيدة للقاضى محيى الدين ابن القاضى زكى الدين قاضى القضاة بدمشق (^٦).
_________________
(١) "دولة" في الأصل؛ وفى الروضتين، جـ ٢ ق ١، ص ١٤١. والمثبت بين الحاصرتين من ديوان ابن سناء الملك، جـ ١، ص ٩، طبعة أولى حيدر آباد ١٩٥٨.
(٢) "فافتخر ففخرك" كذا في الأصل. والمثبت بين الحاصرتين من ديوان ابن سناء الملك، جـ ١، ص ١٥.
(٣) "لمالكيها" كذا في الأصل. وما بين الحاصرتين من ديوان ابن سناء الملك، جـ ١، ص ١٥.
(٤) "فظل" كذا في الأصل، وما بين الحاصرتين من ديوان ابن سناء الملك، جـ ١، ص ١٢.
(٥) "فالبيض أمواجه والبيض كالخيم" كذا في الأصل، وما بين الحاصرتين من ديوان ابن سناء الملك، جـ ١، ص ١١.
(٦) هذا الشعر ورد في ديوان ابن سناء الملك ما عدا البيت الأخير، فقد ذكر ابن الأثير أن هذا البيت لمحى الدين بن الزكى، انظر: الكامل، جـ ١٠، ص ١٢٢.
[ ٢ / ١٢ ]
وفى المرآة (^١): نازل صلاح الدين حلب في سادس عشر المحرم، ونزل بالميدان الأخضر، وباشر القتال بكرة وعشيا، وزحف يومًا أخوه تاج الملوك بورى فجاءه سهم في عينه فوقع مريضًا، فمات في الثالث والعشرين من صفر. ثم علم عماد الدين زنكى أنه لا طاقة له به، وقال لحسام الدين طُمان: أخرج إلى صلاح الدين وسله في الصلح. فخرج سرًا ولم يعلم به أحد، فقرر الصلح وأن يرد عليه سنجار وأعمالها والخابور ونصيبين، وأنه يسلم إليه قلعة حلب، وعلم الناس، فأصبح، وخرجوا إلى صلاح الدين فخلع عليهم. وجعل أهل حلب تحت القلعة إجَّانة (^٢). وثيابًا وصابونًا، وصاحوا على عماد الدين [٦]:
يا فاعل يا صانع انزل فاغسل الثياب مثل [المخانيث] (^٣) ما يصلح لك غير هذا، وعملوا فيه الأشعار وغنوا بها في الأسواق:
وبعتَ بسنجارَ خيرَ القلاع … ثَكَلْتُكَ من بائعٍ مشترِى (^٤).
فلما كان اليوم الثالث والعشرون (^٥) من صفر توفى تاج الملوك أخو السلطان فحزن عليه حزنًا عظيمًا وجلس للعزاء وكان يبكى ويقول: "ما وفَّت حلب بشعرة من أخى"، وقيل إنه قال: "ما غلت حلب ببورى". والأول أليق بالسلطان؛ لأنه ما كان في البيت مثل بورى. وسار عماد الدين إلى سنجار وأقام السلطان بالمخيم غير مكترث بحلب؛ لما جرى عليه من وفاة أخيه، ثم صعد القلعة سلخ صفر فأنشده القاضى زكى الدين محمد ابن على القرشى قاضى قضاة دمشق أبياتًا منها:
[وفتحكم] (^٦) حلبًا بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب
فعجب الناس من رمية من غير رام، فكان كما قال ولكن بعد أربع سنين. وهو الذى خطب بالقدس لما فتحه السلطان. وولى السلطان القضاء بحلب محيى الدين بن زكى الدين، والقلعة سيف الدين أركس، والديوان ناصح الدين إسماعيل بن العميد، وأعطى
_________________
(١) نقل العينى هذا النص بتصرف من مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٣٩.
(٢) الإِجَّانة: المِركَن وهو شبه لقن تُغسل أو تقصر فيه الثياب. والجمع: أجاجين. انظر: محيط المحيط.
(٣) "المخانثة" كذا في الأصل. والمثبت من مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٤٠ حيث ينقل العينى عنه.
(٤) "كتلتك" في مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٤٠. وقد اتفق نص العينى مع ما ورد في النجوم الزاهرة، جـ ٦، ص ٩٥.
(٥) ذكر سبط ابن الجوزى أن تاج الملوك توفى في العشرين من صفر سنة ٥٧٩ هـ، بيد أن بقية المصادر ذكرت أنه توفى يوم ٢٣ صفر، انظر: وفيات الأعيان، جـ ١، ص ٢٩٢؛ النوادر السلطانية، ص ٥٩ - ٦٠؛ مفرج الكروب، جـ ٢، ص ١٤٣ - ١٤٦.
(٦) "وفتحه" كذا في الأصل. والمثبت من مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٢٤٠.
[ ٢ / ١٣ ]
تل باشر وتل خالد لبدر الدين دُلدُرُمْ بن بهاء الدين بن ياروق (^١)، وأعطى قلعة أعزاز لعلم الدين سليمان بن [جَنْدَر] (^٢)، ثم رحل عن حلب يوم السبت الثانى والعشرين من ربيع الآخر، ودخل دمشق ثالث جمادى الأولى (^٣).
وفى تاريخ المؤيد (^٤): لما استقر الصلح بين صلاح الدين وعماد الدين عمل عماد الدين دعوة للسلطان واحتفل، فبينما هم في سرورهم إذ جاء إنسان فَأَسَرَّ إلى السلطان بموت أخيه بورى فوجد عليه في قلبه وجدًا عظيمًا وأمر بتجهيزه [سرًا] (^٥). ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحدًا ممن كان في الدعوة بذلك لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان يقول: "ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بورى". وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم (^٦).