قال السبط: لما كان يوم الإثنين السابع والعشرين (^٣) من المحرّم جلس المعظم
_________________
(١) هو أقطاى بن عبد الله الجمدار النجمى الصالحى، المتوفى سنة ٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م - المنهل ج ٢ ص ٥٠٢ رقم ٥٠٥.
(٢) هى شجر الدر، قتلت سنة ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م - انظر المنهل، وانظر ما يلى.
(٣) «فلما كان يوم الإثنين - سادس أو سابع عشرين المحرم» نهاية الأرب و«سادس عشرى» فى السلوك ج ١ ص ٣٥٩.
[ ١ / ٢٤ ]
على السماط، فضربه بعض المماليك البحرية بالسيف، فتلقاه بيده، فقطع بعض أصابعه، وقام فدخل البرج (^١) وصاح: من جرحنى؟
قالوا: الملحدة الحشيشية (^٢). قال: لا والله إلا البحرية (^٣)؛ والله لا أبقيت منهم بقية، واستدعى المزين (^٤) فخيط يده وهو يتوعدهم [٣١٥]، فقال بعضهم لبعض: تموه وإلا أبادكم، فدخلوا عليه، فانهزم إلى أعلا البرج، فأوقدوا النيران حول البرج، ورموه بالنشاب، فرمى بنفسه، وهرب نحو البحر وهو يقول: ما أريد الملك، دعونى أرجع إلى الحصن، يا للمسلمين (^٥) ما فيكم من يصطنعنى ويجبرنى، والعساكر كلها واقفة، فما أجابه أحد، والنشاب تأخذه، وكذا لما صعد إلى البرج رموه بالنشاب، فتعلق بذيل أقطاى، فما أجاره (^٦)، فقطعوه قطعا، وبقى على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخا، ما يتجاسر أحد أن يدفنه، حتى شفع فيه رسول الخليفة، فحمل إلى ذلك الجانب فدفن، وكان (^٧) الذين باشروا قتله أربعة.
_________________
(١) «برجا» فى مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٢.
(٢) الحشيشية أو الحشاشون: اسم أطلق على طائفة الباطنية من الشيعة الإسماعيلية، الذين كانوا أتباع الحسن بن الصباح، الذى ظهر فى أواخر القرن ٥ هـ/ ١١ م، وتوارث أتباعه مذهبه، وكانوا يعملون على اغتيال خصومهم.
(٣) البحرية: طائفة المماليك البحرية التى أسسها الملك الصالح نجم الدين أيوب.
(٤) «الجرائحى» فى نهاية الأرب، وهو الطبيب الجراح.
(٥) «يا مسلمين» فى مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٢.
(٦) «فما أجاروه» فى مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٢.
(٧) فى مرآة الزمان فى هذا الموضع جملة اعتراضية نصها: «ولما قتلوه دخلوه على الإفرنسيس الخيمة بالسيوف وقالوا: نريد المال، فقال: نعم، أطلقوه وسار إلى عكا على ما اتفقوا عليه معه» - ج ٨ ص ٧٨٢، ٧٨٣. ويبدو أن هذه العبارة وضعت فى غير موضعها فى النسخة المطبوعة من مرآة الزمان.
[ ١ / ٢٥ ]
قال سعد الدين مسعود بن تاج الدين شيخ الشيوخ: حكى لى [رجل] (^١) صادق أن أباه الملك الصالح أيوب قال لمحسن الخادم: إذهب إلى أخى العادل إلى الحبس، وخذ معك من المماليك من يخنقه، فعرض المحسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم (^٢) إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم مضوا معه وختقوه، فسلطهم الله تعالى على ولده حتى قتلوه أنحس قتلة وأقبحها، ومثلوا به أعظم مثله كما (^٣) فعل بأخيه.
وفى تاريخ النويرى: اجتمعت البحرية على قتله بعد نزوله بفارسكور، وهجموا عليه بالسيوف، وكان أوّل من ضربه ركن الدين بيبرس الذى صار ملك مصر فيما بعده، فهرب المعظم منهم إلى البرج الخشب الذى نصب له بفارسكور كما ذكرنا، فاطلقوا فى البرج النار، فخرج المعظم من البرج هاربا طالبا للبحر ليركب فى حراقته، فحالوا بينه وبينها بالنشاب، فطرح نفسه فى البحر فأدركوه وأتمّوا قتله فى يوم الإثنين المذكور، وكانت مدّة إقامته فى الملك من حين وصوله إلى الديار المصرية شهرين وأياما (^٤).
وقال أبو شامة: جرح فى يده فى دهليز الخدمة بعد السماط، فانهزم ودخل برج خشب، فأحرق، فرمى بنفسه منه إلى ناحية النيل، فأدرك، وقطع بقرية فارسكور.
_________________
(١) [رجل] إضافة من مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٣.
(٢) «بأمرهم» فى مرآة الزمان، وهو تحريف.
(٣) «مثلها» فى مرآة الزمان.
(٤) ملخصا لما ورد فى نهاية الأرب - مخطوط ج ٢٧ ورقة ٩٥.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال: أخبرنى من شاهد ذلك أنه ضرب أولا، فتلقى الضربة بيده (^١)، فحرقت (^٢) يده، واختبط الناس، فأظهر أن ذلك كان من بعض الملحدة الحشيشية، ثم أشار بعضهم على الباقين بإتمام الأمر فيه. وقال بعد جرح الحية: لا ينبغى إلا [٣١٦] قتلها، فركبوا وتسلحوا، وأحاطوا بخيمته وبرجه الخشب، لأنه كان نازلا فى الصحراء بإزاء الفرنج، فدخل البرج خوفا منهم، فأمروا زراقا بإحراق البرج، فامتنع، فضربت عنقه، ثم أمروا زراقا آخر، فرمى البرج بنفط، فأحرقه، فخرج منه وناشدهم الله فى الكف عنه، والإقلاع عما نقموا عليه، وطلب تخلية سبيله، فلم يجب إلى شئ من ذلك، فدخل البحر إلى أن وصل الماء إلى حلقه، فرجع فضربه البندقدارى بالسيف، فرجع إلى الماء (^٣)، وقيل: ضربه ضربة واحدة على عاتقه، فنزل السيف من تحت إبط اليد الأخرى، فوقع قطعتين، وكان قتله فى أواخر محرم.
فانظر إلى هاتين الوقعتين (^٤) العظيمتين القريبتين (^٥) كيف اتفقتا فى شهر واحد، إحداهما (^٦) فى أوله: وهى كسرة الفرنج الكسرة العظمى التى استأصلتهم.
_________________
(١) «بالسيف» فى الذيل على الروضتين، وهو تحريف.
(٢) «فجرحت» فى الذيل على الروضتين.
(٣) «فوقع فى الماء» فى الذيل على الروضتين.
(٤) «الواقعتين» فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين.
(٥) «الغريبتين» فى الذيل على الروضتين.
(٦) «إحديهما» فى الأصل.
[ ١ / ٢٧ ]
والثانية فى آخره: قتل للسلطان المعظم على هذا الوجه الشنيع.
وحكى عن السيف بن شهاب جلدك والى القاهرة [، كان أبوه (^١)]: أنه بقى على البرج وهو يستغيث برسول الخليفة: يا أبا عز الدين أدركنى، وتكرر ذلك، فركب فى أمره، وكلمهم فيه، فردّوه وخوفوه بالقتل والإحراق، وإخراق حرمة الخلفة، وجرى ما ذكرناه (^٢).
قال السبط: وكانو قد جمعوا فى قتله ثلاثة أشياء (^٣): السيف والنار والماء، فإنهم قتلوه وقد التجأ إلى البحر.
قال: وحكى لى العماد بن درباس قال: رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح أيوب فى المنام وهو يقول:
قتلوه شر قتله … صار للعالم مثله
لم يراعوا فيه إلا … لا ولا من كان قبله
ستراهم عن قريب (^٤) … لأقل الناس أكله
فكان كما ذكر من اقتتال المصريين والشاميين، ومن عدم فيهم من أعيان الأمراء.
_________________
(١) [] إضافة من الذيل على الروضتين للتوضيح.
(٢) انظر الذيل على الروضتين ص ١٨٥.
(٣) «أشياء» ساقط من مرآة الزمان.
(٤) «قليل» فى مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٣.
[ ١ / ٢٨ ]