مخطوط «عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان» كتاب فى التاريخ العام، ذكر المؤلف فى مقدمته: «قد كنت جمعت فى حداثة سنى وعنفوان شبابى تاريخا من مبدأ الدنيا إلى سنة خمس وثمانمائة، حاويا لقصص الأنبياء ﵈، وما جرى فى أيامهم، وسيرة نبينا ﷺ، وما جرى بعده بين الخلفاء والملوك فى كل زمان، مع الإشارة إلى وفيات الأعيان، متوجا بذكر الملكوت العلوية، والملكوت السفلية، ثم بدا لى أن أنقحه بأحسن منه ترتيبا، وأوضح تركيبا، مع زيادات لطيفة، ونوادر شريفة، وضبط ما يقع فيه من المبهمات من أسامى الرجال والأمكنة المذكورات وترجمته بعقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان، وفصلته على فصول، تسهيلا للحصول، متوجا بمقدمة تنبئ عن أصل التاريخ، ومعناه، وعن سبب وضعه ومبناه.».
وقد قدم حوادث كل سنة على وفيات أعيانها، ورتب ما بعد الهجرة على السنين، وانتهى فيه إلى آخر سنة ٨٥٠ هـ.
وما وصل إلينا من هذا الكتاب بخط المؤلف أجزاء متناثرة فى مكتبات متعددة فى أنحاء العالم، كما وجدت نسخ أحرى غير كاملة كتبت فيما بعد، ومن أشهر ما وجد من هذا الكتاب نسخة ملفقة من ثلاث نسخ مخطوطة محفوظة بمكتبة ولى الدين باستانبول: النسخة الأولى منقولة عن خط المؤلف بخط محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد الأنصارى الخزرجى الإخميمى الحنفى، كتبها بالقاهرة فيما بين سنة ٨٩٣ هـ، وسنة ٨٩٨ هـ، والنسخة الثانية بخط الشيخ عبد الله بن عيسى بن إسماعيل العمرى الأزهرى المالكى كتبها سنة ٨٩١ هـ، والنسخة الثالثة بخط المؤلف.
[ ١ / ١١ ]
وتقع هذه النسخة الملفقة فى ٢٣ جزءا فى ٦٩ مجلدا، وعن هذه النسخة صورة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٥٨٤ تاريخ، وعنها أيضا نسخة كتهت حديثا وتقع فى ٢٨ مجلدا تحت رقم ٨٢٠٣ م.
كما توجد بدار الكتب المصرية ست مجلدات من هذا الكتاب كتبت سنة ١٢٩٠ هـ تحت رقم ٧١ م.
كما توجد أجزاء من نسخ أخرى، بعضها بخط المؤلف فى مكتبة أحمد الثالث تحت رقم ٢٩١١، ومكتبة سليم أغا تحت رقم ٨٣٥، ومن هذه الأجزاء نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
كما يوجد جزء من مختصر عقد الجمان للمؤلف، وهو المعروف باسم «تاريخ البدر فى أوصاف أهل العصر»، محفوظ بمكتبة المتحف البريطانى بلندن تحت رقم. Add .٠٦٣٢٢
ولعل ضخامة الكتاب التى قد تصل فى بعض النسخ إلى ٦٩ مجلدا من الأمور التى جعلت أمر تحقيق الكتاب ونشره أمرا صعبا، ويكاد أن يكون بعيد المنال، ولذلك اقترحت على مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب أن يقسم الكتاب إلى عصور تاريخية، ويتم تحقيق ونشر كل عصر منها على حدة، وعلى يد أحد المتخصصين والمهتمين بهذا العصر، وبذلك يخرج هذا المخطوط إلى النور، ويصبح فى متناول الباحثين والدارسين للتاريخ الإسلامى والوسيط.
ورأيت أن أبدأ بعصر سلاطين المماليك، فهو أقرب لى من حيث التخصص الدقيق، وفى نظرى هو أهم أجزاء الكتاب، فكما رأينا من ترجمة ابن تغرى بردى
[ ١ / ١٢ ]
للمؤلف أنه عاش ومات فى عصر سلاطين المماليك، وكان شاهد عيان على عصره بحكم كونه مؤرخا، وبحكم الوظائف التى تقلدها، حتى أنه يمكن أن نطلق على العينى أنه المؤرخ الرسمى للدولة فى عصر السلطان برسباى.
ولم يكن العينى فيما نقله عن بدايات العصر المملوكى مجرد ناقل، ولكنه كان باحثا ومدققا وناقدا لما ينقله ويكتبه عن الآخرين، وذلك فى حدود ما تسمح به هذه المعانى فى عصر اعتبر التأليف هو جمع وتلخيص لما كتبه الآخرون.
ويكفى للتدليل على ذلك ما ورد بهذا الجزء - الذى نقدمه للقارئ اليوم - على سهيل المثال لا الحصر، مناقشة العينى لتاريخ سلطنة المعز أيبك وأنها كانت سنة ٦٥٠ هـ وليس سنة ٦٤٨ هـ كما ذكر المؤرخون الآخرون، وعلل العينى هذا اللبس بأن أيبك بويع بالسلطنة سنة ٦٤٨ هـ لمدة خمسة أيام فقط، ثم عزل عن السلطنة، وظل أتابكا (^١).
كذلك ربط العينى بين زواج أيبك من شجر الدر وسلطنته الثانية - نقلا عن بيبرس الدوادار - وأن ذلك كان سنة ٦٤٩ هـ، (^٢) مناقضا بذلك رواية المقريزى المتداولة بين المؤرخين المحدثين، والتى تردد القول بأن شجر الدر تزوجت من أيبك وتنازلت له عن السلطنة سنة ٦٤٨ هـ، إذ يقول المقريزى «وتزوج الأمير عز الدين أيبك بشجر الدر فى تاسع عشرى ربيع الآخر، وخلعت نفسها من مملكة مصر ونزلت له عن الملك (^٣)».
_________________
(١) انظر ما يلى ص ٣٦، ص ٦٧.
(٢) انظر ما يلى ص ٥٣، ص ٥٤.
(٣) السلوك ج ١ ص ٣٦٨.
[ ١ / ١٣ ]
ومثال ذلك أيضا ما ذكره العينى - فى هذا القسم - عن وفاة السلطان الملك غياث الدين كيخسرو - صاحب بلاد الروم - واستقلال أولاده بالسلطنة، فقال: «وقد خبط نفر من المؤرخين فى تاريخ وفيات هؤلاء وتاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، والصواب ما ذكرناه (^١)».
من هذه الأمثلة يتضح لنا أهمية ما كتبه العينى عن عصر سلاطين المماليك، حتى فى الأجزاء التى لم يعاصرها ونقلها عن غيره، فإنه نقل، ونقد ما نقله، ثم أدلى برأيه فى هذه الأقوال.
ويعتمد تحقيق الاجزاء الخاصة بعصر سلاطين المماليك على إتخاذ ما وجد من أجزاء بخط المؤلف أساسا للتحقيق والنشر مع مقابلتها على ما يوجد من نسخ أخرى، أما الأجزاء التى لم تصلنا بخط المؤلف، ومنها هذا القسم، فالاعتماد سيكون أساسا على أقدم النسخ، وفى جميع الأحوال ستجرى مقابلة النص على مصادره الأصلية التى نقل عنها العينى - إن وجدت -، وعلى المصادر الأساسية المعاصرة والتى تتناول نفس الأحداث.
ويعتمد نشر الجزء الأول (٦٤٨ - ٦٦٤ هـ)، وكذلك الجزء الثانى (٦٦٥ - ٦٨٨ هـ) من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك على النسخة التى كتبها محمد بن أحمد بن محمد الإخميمى بالقاهرة سنة ٨٩٥ هـ، وهما عبارة عن المجلدان الثالث والرابع (الورقة ٣١١ - ٧٢٧) من الجزء ١٨ من النسخة الملفقة،
_________________
(١) انظر ما يلى ص ١٤٧.
[ ١ / ١٤ ]
والمحفوظ صورتان بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٥٨٤ تاريخ، فقد جاء بآخر هذا الجزء «وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء فى ضحوة يوم الثلاثاء السابع من شهر جمادى الأولى عام خمس وتسعين وثمانمائة على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه ورحمته ومغفرته محمد بن أحمد بن محمد الإخميمى الأنصارى الحنفى بمنزله بباب الجوانية داخل باب النصر بالقاهرة المحروسه، حامدا لله، ومصليا على رسوله، ومسلما، ومحسبلا، ومهللا، ومحوقلا».
ويعتمد التحقيق على التعريف بالشخصيات والأعلام المشاركة فى الأحداث، والإشارة إلى مصادر ترجمتها، وشرح المصطلحات التاريخية، والألفاظ اللغوية، والتعريف بالأماكن … الخ وذلك فى شرح مختصر، وذلك عند ورودها لأول مرة.
وسيجرى - إن شاء الله - نشر الأجزاء الخاصة بعصر سلاطين المماليك فى أجزاء متتابعة بحيث يحتوى كل جزء على تحقيق ونشر أحداث وتراجم عدد من السنوات ستوضح على غلاف كل جزء، دون ارتباط بعصر سلطان معين، أو فترة متساوية من عدد السنين، ذلك أن المؤلف يلجأ أحيانا إلى التوسع، ويلجأ أحيانا إلى الاختصار، ولم يكن أمامنا سوى تقسيم الكتاب إلى أجزاء شبه متساوية من حيث الحجم، تضم عددا من السنوات تزيد أو تنقص تبعا لتوسع المؤلف أو إيجازه.
وسيزود كل جزء بفهارس تفصيلية تسهل الاستفادة من كل جزء على حدة.
وفى ختام هذه المقدمة لا يسعنى إلا أن أتقدم بالشكر إلى كل من الأستاذ محمد كامل شحاته، وكيل الوزارة، ورئيس قطاع دار الكتب والوثائق القومية،
[ ١ / ١٥ ]
والأستاذ على عبد المحسن زكى مدير عام مركز تحقيق التراث، لما قاما به من تذليل للصعوبات والمعوقات الإدارية، وتوفير هما للمصادر والمخطوطات والمصورات التى احتجت إليها عند تحقيق هذا الجزء.
كما أوجه الشكر إلى الباحثين - أعضاء لجنة التاريخ - بمركز تحقيق التراث الذين شاركوا فى مقابلة المخطوط على المصادر المعاصرة فى هذا الجزء، كما شاركوا فى إعداد كشافات الكتاب، ومراجعة تجارب المطبعة، وهم: السيدة/نجوى مصطفى كامل، والسيد/على صالح حافظ، والسيد/عوض عبد الحليم حسن، والسيدة/إلهام محمد خليل، كما أوجه الشكر إلى السيد/عبد المنعم عبد الفتاح الناسخ بمركز تحقيق التراث.
وبعد فالكمال لله وحده، ولا يسعنى إلا أن أذكر قوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا»، وأدعوه ﷾ أن يوفقنا لإتمام هذا العمل، ولخدمة التراث الإسلامى.
والله ولى التوفيق.
مسقط فى ٢٩ ربيع الثانى ١٤٠٧ هـ
١ يناير ١٩٨٧ م
دكتور محمد محمد أمين
[ ١ / ١٦ ]