منها: أن التتار وصلت إلى الجزيرة وسروج ورأس العين وما والى هذه البلاد، فقتلوا وسبوا، ونهبوا وخرّجوا، ووقعوا بتجار يسيرون بين حران ورأس العين، فأخذوا منهم ستمائة حمل سكر ومعمول مصر (^١)، وستمائة ألف دينار، وقتلوا فى هذه البلاد زيادة على عشرة آلاف نفس، وقتلوا الشيوخ والعجائز، وساقوا من النسوان والصبيان ما أرادوا، ورجعوا إلى خلاط (^٢)، وقطع أهل الشرق الفرات، وخاض (^٣) الناس فى القتلى من دنيسر (^٤) إلى الفرات.
قال السبط: وحكى لى شخص من التجار قال: عددت على جسر بين حران ورأس العين فى مكان واحد ثلاثمائة وثمانين قتيلا (^٥).
ومنها: أنه وقع حريق بحلب، احتراق بسببه ستمائة دار، يقال: إن الفرنج لعنهم الله ألقوه فيما قصدا.
ومنها: أنه استقرّ الصلح بين الملك الناصر يوسف صاحب الشام وبين البحرية بمصر، على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن وللملك الناصر ما وراء ذلك، وذلك بواسطة نجم الدين البادرائى (^٦) رسول الخليفة بسبب ذلك.
_________________
(١) «ستمائة حمل سكر من عمل مصر». السلوك ج ١ ص ٣٨٤.، و«ستمائة حمل سكر مصرى» - النجوم الزاهرة ج ٧ ص ٢٥.
(٢) «أخلاط» فى الأصل، والتصحيح من السلوك والنجوم الزاهرة. وخلاط: بكسر أوله، قصبة أرمينية الوسطى - معجم البلدان.
(٣) «وخاض» مكررة فى الأصل.
(٤) دنيسر: بلدة مشهورة من نواحى الجزيرة، قرب ماردين - معجم البلدان.
(٥) مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٧.
(٦) هو عبد الله بن محمد بن الحسن بن عبد الله البغدادى، نجم الدين البادرائى، نسبة إلى بادريا: قرية من عمل واسط، توفى سنة ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م - انظر ترجمته فيما يلى.
[ ١ / ٦٩ ]
قال بيبرس: وفى هذه السنة وصل من بغداد إلى القاهرة الشيخ نجم الدين ابن البادرائى رسولا من عند الخليفة المستعصم ليصلح ما بين الملك الناصر صاحب الشام وبين الملك المعزّ صاحب مصر، فتقرّر الصلح وترتّب، ورجع الناصر وعسكره إلى دمشق، وعاد المعزّ من البادرة إلى قلعة الجبل (^١).
ومنها: أن الملك الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب أفرج عن الناصر داود بن المعظم، صاحب الكرك كان، وكان قد اعتقله بقلعة حمص على ما ذكرناه، وذلك بشفاعة الخليفة المستعصم فيه، فأفرج عنه وأمره أن لا يسكن فى بلاده، فرحل الناصر داود المذكور إلى جهة بغداد، فلم يمكنوه من الوصول إليها وطلب وديعته الجوهر، فمنعوه إياها، وكتب الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف:
لا يأووه (^٢) ولا يميروه، فبقى الناصر داود فى جهات عانة والحدث، وضاق به الحال وبمن معه، وانضمّت إليه جماعة من غزيّة، فبقوا يرحلون وينزلون جميعا، ثمّ لما قوى [٣٤٠] عليهم الحرّ ولم يبق بالبرّية عشب ولا كلأ، قصدوا أزوار الفرات يقاسون بقّ الليل وهواجر النهار، وكان معه أولاده، وكان لولده الظاهر شادى فهد، فكان يصيد فى النهار ما يزيد على عشرة غزلان، وكان يمضى للناصر ولأصحابه أيام لا يطمعون غير لحوم الغزلان.
واتفق أن الأشرف صاحب تل باشر وتدمر والرحبة يومئذ أرسل إلى الناصر داود مركبين موسقين دقيقا وشعيرا، وأرسل الناصر يوسف صاحب دمشق يتهدّده على ذلك.
_________________
(١) «وعاد الملك المعز وعسكره إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء سابع صفر» (سنة ٦٥١ هـ) - السلوك ج ١ ص ٣٨٦، وانظر ما يلى فى أحداث سنة ٦٥١ هـ.
(٢) «لا يؤوه» فى الأصل.
[ ١ / ٧٠ ]
ثم أن الناصر داود قصد مكانا للشرابىّ واستجار به، فرتّب له الشرابىّ شيئا دون كفايته، وأذن له فى النزول بالأنبار، وبينها وبين بغداد ثلاثة أيام، والناصر داود مع ذلك يتضرع إلى الخليفة المستعصم فلا يجيب ضراعته، ويطلب منه وديعته فلا يردّها إليه، ولا يجييه إلا بالمماطلة والمطاولة.
وكانت مدة مقامه منتقلا فى الصحارى مع غزية ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك أرسل الخليفة وشفع فيه عند الناصر يوسف، فأذن له فى العود إلى دمشق، ورتّب له مائة ألف درهم على بحيرة فامية وغيرها، فلم يتحصّل من ذلك إلاّ دون ثلاثين ألف درهم.
ومنها: أنه وصلت الأخبار من مكة بأنّ نارا ظهرت فى أرض عدن وبعض جبالها، بحيث كانت (^١) تظهر بالليل، ويرتفع بالنهار دخان عظيم.
وفيها: «» (^٢).
وفيها: حج بالناس من بغداد، فكان لهم عشر سنين لم يحجوا منذ مات المستنصر (^٣) بالله إلى هذه السنة.
_________________
(١) «كان» فى الأصل.
(٢) «» بياض فى الأصل.
(٣) هو المستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر أحمد، المتوفى سنة ٦٤٠ هـ/ ١٢٤٢ م - العبر ج ٥ ص ١٦٦، شذرات الذهب ج ٥ ص ٢٠٩، وورد أنه توفى سنة ٦٣٩ هـ - الجوهر الثمين ص ١٧٤.
[ ١ / ٧١ ]