ولما جرى ما ذكرنا، جلس بركة خان فى كرسى المملكة، وبركة خان هذا هو ابن باطو خان بن دوشى خان بن جنكز خان، ولما ملك البلاد أسلم وحسن إسلامه، وأقام منار الدين، وأظهر شعائر المسلمين، وأكرم الفقهاء [٣٥٠] والعلماء، وأدناهم، وأبرّهم، ووصلهم، واتخذ المساجد والمدارس بنواحى مملكته، وأخذ بالإسلام جلّ عشيرته، ونفذ أمره، وامتدّت أيامه، وأسلمت زوجته حجك خاتون، واتخذت لها مسجدا من الخيم (^٤) يحمل معها حيث اتجهت، ويضرب حيث نزلت، وكان من شأنها وشأن زوجها ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) «وهى» فى الأصل، والتصحيح يتفق وسياق الكلام.
(٢) «فكان» فى الأصل.
(٣) المقصود ولد دوشى خان - انظر ما سبق.
(٤) «من الخيام» نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٥٩.
[ ١ / ٩٠ ]
وفى تاريخ بيبرس: وكان السبب فى إسلام بركة خان أن الشيخ نجم الدين الكبراء (^١) كان قد ظهر صيته وارتفع ذكره، ففوّق مريديه إلى المدن العظام، ليظهروا بها شعائر الإسلام، وأرسل سعد الدين الحموىّ إلى خراسان، وكمال الدين السرياقى إلى تركستان، ونظام الدين الجندى إلى قفجاق، وسيف الدين الباخرزى إلى بخارى، فلما استقر الباخرزى ببخارى أرسل تلميذا له كبير المحلّ عنده إلى بركة خان، فاجتمع به ووعظه، وحبّب إليه الإسلام، وأوضح له منهاجه، فأسلم على يده، واستمال بركة عامّة أصحابه إلى الإسلام، وقصد أن يبرّ الشيخ بشئ قبالة ما أسداه إليه، فأمر له ببايزة (^٢) بالبلاد التى هو فيها ليكون وقفا على الفقراء والصلحاء وتجبى أموالها إليه، وأرسل البايزة إلى الباخرزى، فلما وصلته قال لرسوله: ما هذه؟ قال: هذه تكون فى يد الشيخ تحمى كل من يكون من جهته.
فقال: اربطها على حمار، ثم أرسله إلى البريّة، فإن حمته من الذهاب (^٣) فأنا أقبلها، وإن كانت لا تحمى الحمار فما عساه لى فيها، وأبى أن يقبلها، فعاد الرسول وأخبر بركة بما قال الشيخ، فقال بركة: أنا أتوجّه إليه بنفسى، فسار نحوه، ووصل إلى بخارى، وأقام بباب الشيخ ثلاثة أيام، وهو لا يأذن له فى الدخول إليه،
_________________
(١) «نجم الدين كبرا» فى السلوك ج ١ ص ٣٩٥.
(٢) البايزة: لوحة من الذهب أو الفضة، وفى بعض الأحيان من الخشب، وذلك على حسب رتب الأشخاص، وينقش على وجهها اسم الله واسم السلطان وعلامة خاصة، وتهدى إلى الأشخاص الذين يتمتعون بثقة المغول، كما أنها تتضمن أمر الملك لسفرائه، ويتمتع حاملها بامتيازات خاصة فله الطاعة على كل من فى الدولة المغولية - انظر جامع التواريخ - المجلد الثانى - الجزء الأول ص ٢٤٧ هامش (١).
(٣) هكذا الأصل، ولعلها «الذئاب».
[ ١ / ٩١ ]
حتى تحدّث معه بعض مريديه، فقال: إن هذا ملك كبير، وقد أتى من بلد بعيد يلتمس التبرّك بالشيخ والحديث معه، فلا بأس بالإذن له، فأذن له عند ذلك، فدخل إليه وسلم عليه، وكان الشيخ متبرقعا فلم يكشف له عن وجهه، ووضع بين يديه [٣٥١] مأكولا، فأكل منه، وجدّد إسلامه على يده، وعاد عنه إلى بلده.