قال النويرى فى تاريخه: وثب جماعة من أهل قلعة حلب فى مدة الحصار على صفى الدين طرزه رئيس حلب، وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز [٤٢٩] ابن القاضى نجم الدين بن أبى عصرون فقتلوهما، لأنهم اتهموهما بمواطأة التتار، واستمر الحصار على القلعة، واشتدت مضايقة التتار لها نحو شهرين، ثم سلمت (^١) بالأمان يوم الاثنين الحادى عشر من ربيع الأول.
ولما نزل أهلها بالأمان، كان فيها جماعة من البحرية الذين حبسهم الملك الناصر يوسف، منهم: سكز وسنقر الأشقر وبرامق وغيرهم، فسلمهم هلاون هم وباقى الترك إلى رجل من التتار يقال له سلطان جق، وهو رجل من أكابر القفجاق هرب من التتار لما غلبت على القفجاق، وقدم إلى حلب، فأحسن إليه الملك الناصر فلم تطب له تلك البلاد، فعاد إلى التتار، وأما العوام والغرباء فنزلوا إلى أماكن الحمى التى قدمنا ذكرها، وأمر هلاون أن يمضى كل مسلم إلى داره وملكه وأن لا يعارض، وجعل النيابة فى حلب لعماد الدين القزوينى (^٢)، وخربت أسوار البلد وأسوار القلعة، وبقيت كأنها حمار أجوف.
وانقضت المملكة الناصرية، وبانقضائه انقضت الدولة الأيوبية من البلاد الشامية كما زالت من الديار المصرية.
ووصل إلى هلاون بحلب الملك الأشرف صاحب حمص [موسى بن إبراهيم ابن شيركوه (^٣)]، فأكرمه هلاون، وأعاد عليه حمص، وكان قد أخذها منه الملك
_________________
(١) «تسلموا» فى الأصل، والتصحيح من المختصر ج ٣ ص ٢٠٢.
(٢) انظر المختصر ج ٣ ص ٢٠٢.
(٣) [] إضافة من المختصر ج ٣ ص ٢٠٢ للتوضيح.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الناصر صاحب حلب (^١) فى سنة ست وأربعين وستمائة وعوضه عنها تل باشر كما ذكرنا، فعادت إليه فى هذه السنة، واستقر ملكه بها (^٢)، ولما حضر الأشرف بين يديه قال: تمنّ، فقبل الأرض وقال: البرج الذى فيه حريمنا وحريم الملوك، فغضب هلاون، فقالت له خاتون: ملك من الملوك يتمنى عليك شيئا يسيرا، وأنت أذنت له فى ذلك وتمنعه، فقال هلاون: إنما منعته لأجلك حتى أجعل بنات الملوك خدمك. فقالت: هم خدمى وقد وهبتهم له، فرسم له بالبرج، فقبل الأرض، وأراد النهوض فلم يقدر حتى أقاموه بإبطيه، ولم تزل به الخاتون حتى أعاد عليه مملكة حمص وأضاف إليه غيرها (^٣).
قال بيبرس فى تاريخه: وكتب له منشورا بنيابة دمشق وبلاد الشام، وعاد من عنده، وأقام بدمشق (^٤).
وقدم إلى هلاون وهو على حلب الشيخ محيى الدين [٤٣٠] بن الزكى من دمشق، فأقبل عليه ولبس خلعة هلاون، وكانت مذهبة، وولاه قضاء الشام، وعاد بن الزكى إلى دمشق ودخلها وعليه الخلعة، وجمع الفقهاء وغيرها من أكابر دمشق، وقرأ عليهم تقليد هلاون، واستمر فى القضاء (^٥).
_________________
(١) «حمص» فى الأصل، والتصحيح يتفق والسياق.
(٢) انظر المختصر ج ٣ ص ٢٠٢.
(٣) انظر ما ورد فى نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٨٨ - ٣٨٩.
(٤) «أقام بمدينة دمشق» فى زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٧ ب.
(٥) انظر المختصر ج ٣ ص ٢٠٢ - ٣٠٢.
[ ١ / ٢٣٩ ]