ولما غلب التتار على بغداد، كان أول من برز إلى هلاون الوزير مؤيّد الدين بن العلقمى، فخرج فى أهله وأصحابه، فاجتمع بهلاون، ثم عاد، فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه، لتقع المصالحة، على أن يكون نصف الخراج من أرض العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج فى سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، ولما اقتربوا من منزل هلاون حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء، وأنزل الباقون عن مراكيبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدى هلاون، فسأله عن أشياء كثيرة، وقيل: انه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفى صحبته خواجا نصير الدين الطوسى والوزير مؤيد الدين بن العلقمى وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب والحلى والمصاغ والجوهر والأشياء النفيسة.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ١٣ ص ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقد أشار أولئك الملاعين الرافضة وغيرهم من المنافقين على هلاون أنّ لا يصالح الخليفة. وقال الوزير: ولو وقع الصلح على المناصفة لا يستمر [٣٩٤] هذا إلا عاما أو عامين، ثم يعود الأمر على ما كان عليه قبل ذلك، وحسّنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى هلاون أمر بقتله.
ويقال: إن الذى أشار بقتله الوزير بن العلقمى ونصير الدين الطوسى، وكان النصير عند هلاون حظيا قد استصحبه فى خدمته لما فتح قلعة الموت وانتزعها من أيدى الإسماعيلية، وكان النصير وزير شمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينتسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدى، وانتخب هلاون النصير يكون فى خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هلاون تهيّب قتل الخليفة، فهوّن عليه قتله الوزير والنصير، فقتلوه رفسا وهو فى جولق لئلا يقع على الأرض شئ من دمه، خافوا أن يؤخذ (^١) بثأره فيما قيل لهم. وقيل: بل خنق. وقيل: بل غرق (^٢).
وفى تاريخ النويرى: خرج الوزير ابن العلقمىّ فتوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة وقال: إن السلطان هلاون يبقيك فى الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوّج ابنته من ابنك أبى بكر، وحسّن إليه الخروج إليه، فخرج الخليفة فى جمع من الأكابر من أصحابه، فأنزل فى خيمة، ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل، فاجتمع هناك جميع سادات بغداد ومدرسوها، وكان فيهم الشيخ محيى الدين بن الجوزى (^٣) وأولاده، وجعل الوزير يخرج إلى التتار طائفة بعد
_________________
(١) «أن لا يؤاخذوا» فى الأصل، وهو تحريف، والتصحيح من البداية والنهاية.
(٢) انظر البداية والنهاية ج ١٣ ص ٢٠١.
(٣) انظر ما يلى فى الوفيات.
[ ١ / ١٧٣ ]
طائفة، فلما تكاملوا قتلهم التتار عن آخرهم، ثم مدّوا الجسر، وعدّى بيجو ومن معه، وبذلوا السيف فى بغداد وهجموا دار الخلافة، وقتلوا كلّ من فيها من الأشراف، ولم يسلم منهم إلا من كان صغيرا فأخذ أسيرا، ودام القتل والنهب فى بغداد أربعين يوما حتى صار الدم فى الأزقة كأكباد الإبل، ثم نودى بالأمان (^١).
وفى تاريخ ابن كثير: ولما قتلوا هؤلاء السادات مالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل [٣٩٥] كثير من الناس فى الآبار وأماكن الحشوش وقنى الوسخ ويكمنون فيها ولا يظهرون، وكان جمع من الناس يجتمعون فى الحانات ويغلقون عليهم الأبواب فيفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالى المكان، فيقتلونهم على الأسطحة حتى تجرى الميازيب من الدماء فى الأزقة، وكذلك فى المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن إلتجأ إليهم، وإلى دار الوزير محمد بن العلقمى الرافضى، عليه ما يستحق.
وعادت بغداد، بعد ما كانت أنس المدن كلها، كانها خراب، ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم فى خوف وجوع ولإلّة وقلّة.
وقد اختلف الناس فى كمية من قتل ببغداد من المسلمين فقيل: ثمانمائة ألف نفس، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفى ألف نفس، وقتل مع الخليفة ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن، وله ثلاث وعشرون سنة،
_________________
(١) لم يرد هذا النص فى أجزاء نهاية الأرب والمطبوعة الموجودة بين أيدينا - انظر ج ٢٣، ج ٢٧.
[ ١ / ١٧٤ ]
وأسر ولده الأصغر مبارك، وأسرت إخوته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل، والله أعلم.
وقتل استادار الخليفة الشيخ الفاضل محيى الدين بن يوسف الشيخ أبى الفرج ابن الجوزى وكان عدوّ الوزير بن العلقمى، وقتل أولاده الثلاثة عبد الرحمن وعبد الله وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدا بعد واحد، منهم: الدوادار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد.
وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بنى العباس، فيخرج بأولاده ونسائه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة، فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه.
وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين على بن النيار، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور [٣٩٦] ببغداد، وأمر الوزير بن العلقمى بأن تعطل المساجد والجوامع والمدارس والربط ببغداد ويستمر بمحال الروافض، وأن يبنى للرافضة مدرسة هائلة، ينشرون فيها علمهم، فلم يقدره الله ﷿ على ذلك؛ بل أزال نعمته عنه، وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، واتبعه ولده فاجتمعا - والله أعلم - فى الدرك الأسفل من النار.
ولما انقضى أمد المدّة المقدّرة، وانقضت الأربعون يوما، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى فى الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت البلد من جيفهم،
[ ١ / ١٧٥ ]
وتغير الهواء، فحصل بسببه الفناء والوباء الشديد، حتى سرى وتعدى فى الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون.
ولما نودى ببغداد بالأمان خرج من كان تحت الأرض بالمطامير والقنى والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من القبور، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سلف من القتلى.
وكان رحيل هلاون عن بغداد فى جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه، وفوّض أمر بغداد إلى الأمير على بهادر، فوّض إليه الشحنكيّة (^١) بها إلى الوزير مؤيد الدين ابن العلقمى، فلم يمهله الله تعالى حتى أخذه عزيز مقتدر فى مستهل جمادى الآخرة، كما سنذكره فى الوفيات إن شاء الله، فولى بعده الوزارة ولده عزّ الدين أبو الفضل، فألحقه الله بأبيه فى بقيّة هذا العام.
ويقال: إن هلاون عزم على إحراق مدينة بغداد لما أراد الرحيل عنها، فقال له كتبغا نوين إنّ هذه المدينة أمّ المدن ومقصد التجار، فإذا أبقاها الملك حصل له منها مال جزيل، فأبقاها وشحّن (^٢) عليها، وسار عنها إلى الفرات (^٣).
_________________
(١) الشحنكية: وظيفة يتولاها الشحنة، وهو صاحب الشرطة، أو متولى رئاسة الشرطة - دوزى.
(٢) أى عين عليها شحنة - صاحب شرطة.
(٣) انظر البداية والنهاية ج ١٣ ص ٢٠١ - ٢٠٣.
[ ١ / ١٧٦ ]
وفى تاريخ بيبرس: ثم سار هلاون عن بغداد بعد انقضاء الشتاء إلى الشام (^١) [٣٩٧]، وجرّد جيشا إلى ميّافارقين صحبة صرطق نوين وقطغان نوين، وكان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد (^٢) بن الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب بن شادى (^٣)، فحاصروها ونصبوا عليها المنجنيقات من كل ناحية، فقاتلت (^٤) أهلها وامتنعوا عن تسليمها، وصبروا [أنفسهم (^٥)] على الحصار الشديد والجوع المبيد، حتى أكلوا الميتات (^٦) والدوابّ والسنانير والكلاب، وطال عليهم الأمد، وقلّت منهم القوة والجلد (^٧)، فاستولى التتار على المدينة وفتحوها، وكانت مدة مقامهم على حصارها سنتين، فقتلوا وسبوا من أهلها خلقا كثيرا، وفنى الجند من كثرة القتال (^٨)، [واشتداد النزال] (^٩) وأسر من بقى منهم، وأخذ صاحبها ناصر الدين (^١٠) الملك الكامل وتسعة نفر من مماليكه وأحضروا بين يدى هلاون،
_________________
(١) «وسار عنها إلى القرات. ذكر استيلاء التتار على ميافارقين، ومنها أرسل هولاكو طائفة من عساكره إلى ميافارقين» زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٤ أ، ٣٤ ب.
(٢) استشهد على يد التتار سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م. وله أيضاء ترجمة فى: المنهل الصافى، الوافى ج ٤ ص ٣٠٦ رقم ١٨٤٩، السلوك ج ١ ص ٤٤١، شذرات الذهب ج ٥ ص ٢٩٥. وذكر أنه قتل سنة ٦٥٦ هـ فى نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٣) «ابن شادى» ساقط من زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٤ ب.
(٤) «فقاتل» فى زبدة الفكرة، و«فقاتله» فى نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٨٣.
(٥) [] إضافة من زبدة الفكرة.
(٦) «الميتة» فى زبدة الفكرة.
(٧) «وقل منهم الجلد» فى زبدة الفكرة.
(٨) «وفنى جندها من طول القتال» فى زبدة الفكرة.
(٩) [] إضافة من زبدة الفكرة.
(١٠) «ناصر الدين» ساقط من زبدة الفكرة.
[ ١ / ١٧٧ ]
فقتلوا إلا مملوكا واحدا اسمه قراسنقر، أبقاه هلاون، وذلك أنه سألهم عن وظائفهم، فذكر له ذلك المملوك أنه كان (^١) أمير شكار للسلطان، فاستبقاه (^٢) وسلم (^٣) إليه شيئّا من الطيور الجوارح وحظى عنده، واتفق حضوره إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهريّة، فأعطاه السلطان إقطاعا، وجعله مقدم فى الحلقة (^٤).
وكان صاحب ميافارقين أديبا فاضلا، وله نظم جيد، فمنه قوله:
ترى تسمح الدنيا بما أنا طالب … فلى عزمات دونهن الكواكب (^٥)
وإن يكن الناعى بموتى معرضا … فأىّ كريم ما نعته النوائب
ومن كان ذكر الموت فى كّل ساعة … قريبا له هانت عليه المصائب
وما عجبى إلا تأسّف عاقل … على ذاهب من ماله وهو ذاهب