اعلم أن التتار دخلوا فى هذه السنة إلى الروم مرتين:
الأولى: جرّد منكوقان بن طولو خان بن جنكز خان الأمير جرماغون والأمير بيجو ومعهما جماعة من العساكر إلى بلاد الروم، وهى يومئذ فى يد السلطان علاء الدين كيقباذ بن السلطان غياث الدين كيخسرو، فساروا إليها ونزلوا على آرزن الروم (^١) وبها سنان الدين ياقوت أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ، فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها إثنى عشر منجنيقا، فهدموا أسوارها ودخلوها وأخذوا سنان الدين ياقوت أسيرا، وكان حريمه فى القلعة، فأخذوها [٣٦٤] ثانى يوم وقتلوا الجند، واستبقوا أرباب الصنائع وذوى المهن، وداسوا الأطفال بحوافر الخيل، وغنموا وسبوا، وعادوا وقتلوا ياقوت العلائى وولده، واتفقت وفاة جرماغون أحد المقدمين على سرمارى (^٢).
المرة الثانية: وهى التى دخل فيها بيجو ومن معه إلى الروم ومعه خجانوين، فوصلوا إلى أقشهر زنجان (^٣) ونزلوا بالصحراء التى هناك، فجمع السلطان غياث
_________________
(١) آرزن الروم: مدينة مشهورة من مدن أرمينية - قرب خلاط - معجم البلدان.
(٢) انظر نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٤٩.
(٣) «برنجان» فى الأصل، والتصحيح من نهاية الأرب ح ٢٧ ص ٣٤٩.
[ ١ / ١١٨ ]
الدين جيشه وسار للقائهم، وأخذ حريمه معه ليقاتل قتال الحريم، ونزلوا على كوسا داغ وهو الجبل الأقرع، وذلك الجبل مطل على الوطأة التى نزل بها بيجو وعساكره، ثم أن السلطان غياث الدين ضرب مشورة مع أكابر أمرائه وذوى آرائه فى لقاء التتار وقتالهم، فتكلم كل بما عنده، ومنهم من هوّل أمره فغضب أخو كرجى خاتون زوجة السلطان، وقال: هؤلاء قد هابوا التتار وجبنوا عنهم وفرقوا منهم، فالسلطان يعطينى الكرج والفرنج الذى فى جيشه وأنا ألقاهم ولو كانوا من عساهم يكونون؟ فغاظ الأمراء كلامه، وتقدم واحد منهم من أعيانهم، فألزم نفسه الأيمان المغلظة أنه لا بد أن يلاقى التتار بنفسه، ومن يضمه تقدمته ولا ينتظر أحدا، فركب ومعه نحو من عشرين ألف فارس وركب السلطان على الإثر، وركبت عساكره وضربت كوساته (^١)، ونزل المقدم المتقدم إلى الصحراء قاصدا الهجوم على التتار، فوجد قدامه [واد (^٢)] قد قطعه السّيل فلم يستطع أن يقطعه، فسار مع لحف الجبل يطلب طريقا يمكنه التوجه منه نحو التتار، فركب التتار وقصدوه ودنوا منه وحاذوه، وأرسلوا إليه شهابا كالشهب المحرقة، فأهلكوا أكثر خيله وخيل من معه، وكان السهم لا يقع إلا فى الفارس أو الفرس. هذا والعساكر السلطانية قد تبعته قافية خطوه، وحاذية فيما فعل حذوه، فلما تقدموا ندموا حين أقدموا، ورأوا عساكر التتار تحاذى الجبل فسقط فى أيديهم وأيقنوا [٣٦٥] أن الكسرة عليهم، فطلب كل منهم لنفسه النجاة وفر نحو ملجئه.
_________________
(١) كوسة - كوسات: صنوجات من نحاس تشبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص - صبح الأعشى ج ٤ ص ٩.
(٢) [] إضافة للتوضيح من نهاية الأرب ج ٢٧ ص ١٠٦.
[ ١ / ١١٩ ]
وأما السلطان غياث الدين فلم يبرح من مكانه وقيّد فرسه، ووقف على أعلى الجبل ظنا منه أن عساكره التى تقدمت قد نزلت ونازلت، ولم يدر بما أصابهم من الافتراق، وأن كل طائفة منهم صارت إلى أفق من الآفاق، فأتاه الخبر بذلك وهو فى قلة ممن حوله، وكان معه جماعة من الأمراء كان قد نقم عليهم أمرا، فأمسكهم وأودعهم الزردخاناة، فأطلقهم وسلم الحريم إلى أحدهم، وكان اسمه تركرى الجاشنكير وهو والد الأمير مبارز الدين سوارى الرومى أمير شكار الذى هاجر إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وأمره أن يتوجه بهم إلى قونية التى هى دار ملكه، وموطن أهله ومسافتها من الذى كان فيه ثلاثون يوما، فسار بهن وقد تركوا القماش والفرش والأثاث، ولم يحملوا إلا الجواهر النفيسة التى يخف حملها ويسهل نقلها، ورحل السلطان عائدا، وترك الوطاق (^١) بما حوى من الدهاليز المضروبة والخيام المنصوبة والأثقال التى لها ولعساكره، والخزائن المشتملة على ذخائرهم وذخائره.
ولما عاين التتار هزيمة ذلك العسكر الجرار ظنوها مكيدة، ولم يحسبوها هزيمة، فلبثوا ثلاثة أيام لا يتجاسرون على العبور إلى الخيم، ثم تحققوا أمرهم وعبروه، وحووا كل ما وجدوه من الخيول والأثاث والأثقال، واستعرضوا كله، وعادوا راجعين (^٢).