ثم لما جرى ما ذكرنا أتم السير السلطان الملك المظفر بالعساكر، وصحبته الملك المنصور صاحب حماة حتى دخل دمشق، وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر، فإن القلوب كانت قد يئست من النصر على التتار لاستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، ولأنهم ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه، وفى يوم دخوله دمشق أمر بشنق جماعة من المنتسبين إلى التتار
_________________
(١) «يخط» فى الأصل.
(٢) «فخر الدين ماما» فى السلوك ج ١ ص ٤٣١.
(٣) الجنائب: جمع جنب: وهى الخيول التى كانت تسير وراء السلطان فى الحروب لاحتمال الحاجة إليها - محيط المحيط.
(٤) توفى سنة ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م - المنهل الصافى.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فشنقوا، وكان فى جملتهم حسين الكردى طبردار (^١) الملك الناصر يوسف وهو [٤٣٤] الذى أوقع الملك الناصر فى أيدى التتار.
وفى هذه النصرة، وقدوم الملك المظفر قطز إلى الشام يقول بعض الشعراء:
هلك الكفر فى الشام جميعا … واستجد الإسلام بعد دحوضه
بالملك المظفر البطل (^٢) … الأر
وع سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاءنا بعزم وحزم … فاعتززنا بسمره وببيضه
أوجب الله شكر ذاك علينا … دائما مثل واجبات فروضه (^٣)
وقال جمال الدين بن مصعب:
إن يوم الحمراء يوم عجيب … فيه ولى جيش الطغاة البغاة
دار كاس المنون لما مزجنا … عين جالوت بالدما للسقاة
يا لها جمعة غدا الكفر فيها … مسجدا للسيوف لا للصلاة
وقال شهاب الدين أبو شامة:
غلب التتار على البلاد فجاءهم … من مصر تركى يجود بنفسه
بالشام بددهم وفرق شملهم (^٤) … ولكل شئ آفة من جنسه
_________________
(١) الطبردار «هو الذى يحمل طبر السلطان، أى فأسه، عند ركوبه فى المواكب، صبح الأعشى ج ٥ ص ٤٥٨.
(٢) «بالملك المظفر الملك» - ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ٣٦٧.
(٣) وانظر المختصر ج ٣ ص ٢٠٥ - ٢٠٦، ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٤) «بالشام أهلكهم وبدد شملهم» -، الذيل على الروضتين ص ٢٠٨، وفيما يلى ص ٢٤٩.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ثم أعطى الملك المظفر قطز دستورا للملك المنصور صاحب حماة، فقدم الملك المنصور وأخوه الملك الأفضل ووصلا إلى حماة، ولما استقر الملك المنصور بحماة قبض على جماعة كانوا مع التتار فاعتقلهم.
وهنأ (^١) الشيخ شرف الدين شيخ الشيوخ الملك المنصور بهذا النصر العظيم وبعود المعرة بقصيدة منها قوله:
رعت العدى فضمنت تل عروشها … ولقيتها فأخذت تل جيوشها
نازلت أملاك التتار فأنزلت … عن فحلها قسرا وعن اكديشها
فغدا لسيفك فى رقاب كماتها … حصد المناجل فى يبيس حشيشها
فقت الملوك ببذل ما تحويه إذ … ختمت خزائنها على منقوشها
ومنها:
وطويت عن مصر فسيح مراحل … ما بين بركتها وبين عريشها
حتى حفظت على العباد بلادها … من رومها الأقصى إلى أحبوشها
فرشت حماة لوطئ نعلك خدّها … فوطيت عين الشمس من مفروشها
[٤٣٥]
وضربت سكتها التى أخلصتها … عما يشوب النقد من مغشوشها
وكذا المعرة إذ ملكت قيادها … دهشت سرورا سار فى مدهوشها
لا زلت تنعش بالنوال فقيرها … وتنال أقصى الأجر من منعوشها
طربت برجعتها إليك كأنما … سكرت بخمرة جاشها أو جيشها (^٢)
_________________
(١) «وهنى» فى الأصل.
(٢) وانظر المختصر ج ٣ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ ١ / ٢٤٧ ]