قد ذكرنا فى السنة الماضية من القتال مع الفرنج (^٤)، وكانوا قد ضعفوا لأجل انقطاع المدد والميرة عنهم من دمياط، فإن المسلمين قطعوا الطريق الواصل إليهم [٣١٢] من دمياط، فلم يبق لهم صبر على المقام، فرحلوا ليلة الأربعاء
_________________
(١) (¬*) يوافق أولها الثلاثاء ٥ إبريل ١٢٥٠ م.
(٢) هو عبد الله بن منصور بن أحمد بن الحسن بن يوسف، أمير المؤمنين المستعصم بالله، قتل على يد التتار سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م - انظر ترجمته فيما يلى وفيات سنة ٦٥٦ هـ.
(٣) قتل فى نفس السنة - انظر ترجمته فيما يلى.
(٤) هو عمر بن على بن رسول، الملك المنصور، انظر ترجمته فيما يلى.
(٥) المقصود جيوش لويس التاسع قائد الحملة الصليبية السابعة.
[ ١ / ١٧ ]
لثلاث مضين من المحرم من هذه السنة متوجهين إلى دمياط، وركبت المسلمون أكتافهم، ولما أسفر صباح يوم الأربعاء خالطهم المسلمون، وبذلوا فيهم السيف، ولم يسلم منهم إلا قليل، وبلغت عدة الموتى من الفرنج ثلاثين ألفا، وإنحاز ريد افرنس (^١) ومن معه من الملوك والأمراء إلى تل هناك.
قال المؤيد (^٢): إلى بلد هناك، فطلبوا الأمان، فآمنهم الطواشى محسن الصالحى، ثم احتيط عليهم وأحضروا إلى المنصورة (^٣).
قال أبو شامة (^٤): وأسر ريد افرنس وأخوه (^٥)، وجماعة من خواصّه، كانوا اختفوا فى منية عبد الله من ناحية شرمساح (^٦)، فأخذوا [برقابهم (^٧)]، وقيدوا
_________________
(١) ريد افرنس: يقول المقريزى: لقب بلغة الفرنج معناه ملك افرنس، السلوك ج ١ ص ٣٣٣ والمقصود. Roi de France
(٢) هو إسماعيل بن على بن محمد بن محمود عماد الدين، أبو الفدا الملك المؤيد، صاحب حماة المتوفى سنة ٧٣٢ هـ/ ١٣٣١ م، وصاحب كتاب المحتصر فى أخبار البشر الذى ينقل عنه العينى فى هذا الجزء.
(٣) المختصر ج ٣ ص ١٨١.
(٤) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، شهاب الدين، أبو القاسم، المتوفى سنة ٦٦٥ هـ / ١٢٦٨ م، وصاحب كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين، وكتاب ذيل تاريخ أبى شامة، والكتاب الأخير هو الذى ينقل عنه العينى فى هذا الجزء.
(٥) كان للويس التاسع فى حملته هذه ثلاثة أخوه هم: روبرت كونت أرتوا Count Of Artois Ropert . الذى قتل بالمنصورة، ألفونسو كونت بواتو Alphonse Of Poiton وشارل كونت أنجو، Charles of Anjou وقد أسر المسلمون الثانى والثالث، ثم أبقوا الثانى فى الأسر حتى تدفع الفدية - أنظر رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية ج ٣ ص ٤٤٣، ٤٥٣، ٤٦٠، ٤٦٦، ٤٧١.
(٦) شرمساح - شارمساح: قرية كبيرة من القرى القديمة، على الضفة الشرقية لفرع دمياط، وهى حاليا تابعة لمركز فارسكور من أعمال محافظة دمياط. القاموس الجغرافى ق ٢ ج ١ ص ٢٤٣.
(٧) إضافة من ذيل تاريخ أبى شامة ص ١٨٤: وهى آخر الجملة التى نقلها العينى، والموجودة بالمطبوع من ذيل تاريخ أبى شامة.
[ ١ / ١٨ ]
ريد افرنس، وجعل فى الدار التى كان ينزلها كاتب الإنشاء فخر الدين [بن (^١)] لقمان، ووكل به الطواشى صبيح المعظمى.
وقال بيبرس (^٢): وكان للبحرية النجمية فى هذه الوقعة الحظ الأوفى، والقدح المعلى.
وفى المرآة (^٣): وفى أول ليلة من سنة ثمان وأربعين وستمائة كان المصاف بين الفرنج والمسلمين على المنصورة، بعد وصول الملك المعظم توران شاه إلى المخيم، ومسك الأفرنسيس وهو ريد افرنس (^٤)، وقتل من الفرنج مائة ألف، ووصل كتاب المعظم توران شاه، يعنى إلى دمشق، إلى نائبها جمال الدين ابن يغمور (^٥):
_________________
(١) [بن] إضافة من السلوك ج ١ ص ٣٥٦، وهو إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد، الوزير فخر الدين، المتوفى سنة ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٣ م - المنهل ج ١ ص ١٣٦ رقم ٦٣.
(٢) هو بيبرس بن عبد الله المنصورى الدوادار، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م، وصاحب كتاب زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة، والذى ينقل عنه العينى فى هذا الجزء وسوف نقتصر على الإشارة إلى هذا الكتاب حيث توجد الأحداث فى المخطوط الذى بين أيدينا.
(٣) هو كتاب مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان، نشر منه الجزء الثامن فى قسمين - حيدر أباه ١٩٥٢، لمؤلفه يوسف بن قزأوغلى، شمس الدين أبو المظفر، المعروف بسبط ابن الجوزى، المتوفى سنة ٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م - أنظر ترجمته بالمنهل الصافى.
(٤) «بعد مجى الملك تورانشاه إلى الخبيث الأفرانسيس» فى مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ ص ٧٧٨.
(٥) «إلى نائبها جمال الدين بن يغمور» ساقط من مرآة الزمان، وقد توفى جمال الدين بن يغمور سنة ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م - مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٨٠.
[ ١ / ١٩ ]
الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن، ﴿(وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (^١)، ﴿(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللهِ، «يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» (^٢)، ﴿(وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)﴾ (^٣)، ﴿(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها)﴾ (^٤)؛ نبشر المجلس السامى (^٥) الجمالى، بل نبشر الإسلام (^٦) كافة بما منّ الله به على المسلمين من الظفر بعدوّ الدين، فإنه كان قد استفحل أمره، واستحكم شره، ويئس (^٧) العباد من الأهل والأولاد، فنودوا:
﴿(وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ [إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ)﴾ (^٨) الآية (^٩)] ولما كان يوم الأربعاء مستهل السنة المباركة تمم الله على الإسلام بركتها، فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرقنا السلاح، وجمعنا العربان، والمطوعة، واجتمع خلق (^١٠) [عظيم (^١١)] لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاءوا (^١٢) من كل فج عميق، ومن كل (^١٣) مكان
_________________
(١) سورة آل عمران رقم ٣ جزء من الآية ١٢٦، أو سورة الأنفال رقم ٨ جزء من الآية رقم ١٠.
(٢) سورة الروم رقم ٣٠ آية رقم ٤، ٥، وفيما بين «» ساقط من السلوك ج ١ ص ٣٥٦.
(٣) سورة الضحى رقم ٩٣ آية رقم ١١.
(٤) سورة إبراهيم رقم ١٤ آية رقم ٣٤.
(٥) من ألقاب كبار الأمراء فى العصر الأيوبى - انظر الألقاب الإسلامية ص ٣١٦، ص ٤٥٥.
(٦) «المسلمين» فى السلوك ج ١ ص ٣٥٧.
(٧) «وأيس» فى الأصل، ومرآة الزمان والتصحيح من السلوك.
(٨) سورة يوسف رقم ١٢ جزء من الآية رقم ٨٧.
(٩) [] إضافة من مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٧٨.
(١٠) «وخلقا» فى السلوك.
(١١) [عظيم] إضافة من مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٧٨.
(١٢) «فجاءوا» فى السلوك.
(١٣) «من كل» ساقط من السلوك.
[ ١ / ٢٠ ]
[بعيد (^١)] سحيق، «ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح على ما وقع عليه (^٢) الإتفاق بينهم وبين [٣١٣] الملك الكامل ﵀، فأبينا، «ولما كان فى الليل (^٣)»، تركوا خيامهم، وأثقالهم، وأموالهم (^٤)، وقصدوا دمياط هاربين، «فسرنا (^٥) فى آثارهم طالبين (^٦)»، وما زال السيف يعمل فى أدبارهم عامّة الليل، وقد (^٧) حل بهم الخزى والويل: فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه فى اللجج، وأما الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج، والتجأ الفرنسيس إلى المنية (^٨)، وطلب الأمان فآمناه، وأخذناه، وأكرمناه، وتسلمنا دمياط (^٩) بعون الله ولطفه (^١٠).
وقال أبو شامة: وفى يوم الأربعاء سادس عشر المحرم وصل إلى دمشق غفارة (^١١) ملك افرنسيس المأسور، أرسلها السلطان المعظم إلى نائبه بدمشق الأمير
_________________
(١) [بعيد] إضافة من مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٧٨.
(٢) «عليه» ساقط من مرآة الزمان ج ٨ ص ٧٧٩.
(٣) «» ساقط من السلوك، وبدلا منه «فلما كان ليلة الأربعاء».
(٤) «وأموالهم وأثقالهم» فى نهاية الأرب والسلوك.
(٥) «ونحن» فى نهاية الأرب.
(٦) «» ساقط من السلوك.
(٧) «قد» ساقط من السلوك.
(٨) هى منية أبى عبد الله، وتعرف حاليا باسم «مبت الخولى عبد الله» وهى على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط، وتتبع مركز فارسكور بمحافظة دمياط.
(٩) «دمياط» ساقط من مرآة الزمان. ولم يتسلم المصريون دمياط إلا بعد قتل توران شاه - أنظر ما يلى.
(١٠) «بعون الله وقوته، وجلاله وعظمته» فى مرآة الزمان ونهاية الأرب والسلوك.
(١١) غفارة - غفائر: المعطف - محيط المحيط.
[ ١ / ٢١ ]
جمال الدين موسى بن يغمور، فلبسها، فرأيتها عليه، وهى أشكرلاط أحمر (^١)، تحته فروسنجاب، فيها بكلة (^٢) ذهب، فنظم صاحبنا الفاضل الزاهد نجم الدين محمد بن إسرائيل مقطعات ثلاثيا إرتجالا، كل قطعة بيتين فى مدح السلطان، والأمير. أحديها (^٣):
إن غفارة الفرنس التى … جاءت حباء لسيد الأمراء
كبياض القرطاس فى اللون لكن (^٤) … صبغتها سيوفنا بالدماء (^٥)
والثانية: مخاطبة للأمير:
يا واحد العصر الذى لم يزل … يحوز فى نيل المعالى المدا
لا زلت فى عز وفى رفعة … تلبس أسلاب ملوك العدا
والثالثة: كتبها الأمير مقدمة (^٦) كتاب إلى السلطان:
أسيد أملاك الزمان (^٧) … بأسرهم
تنجزت من نصر الإله وعوده
فلا زال مولانا يبيح حمى العدا … ويلبس أسلاب الملوك عبيده
ثم إن الملك المعظم توران شاه رحل إلى فارسكور ونصب بها برج خشب،
_________________
(١) أشكرلاط أحمر: نوع من القماش. معجم دوزى.
(٢) بكلة: لفظ فارسى معناه مشبك.
(٣) «أحدهما» فى الذيل على الروضتين ص ١٨٤.
(٤) «كبياض القرطاس لونا» فى السلوك ج ١ ص ٣٥٨ ونهاية الأرب، «بياض» فى الذيل على الروضتين.
(٥) «بدماء» فى الذيل على الروضتين.
(٦) «مقدم» فى الأصل، والتصحيح من الذيل على الروضتين.
(٧) «الزمن» فى السلوك ج ٥ ص ٣٥٨.
[ ١ / ٢٢ ]
وأرسل إلى ابن أبى علىّ (^١) نائب القاهرة بأمره بالقدوم عليه، واستناب بالقاهرة الأمير جمال الدين أقوش النجمى، وأعرض عن مماليك والده، وأهمل جانبهم، وهم الذين أبلوا فى غزو الفرنج بلاء حسنا، فوجدوا فى نفوسهم لما بلغهم عنه من التهديد والوعيد، فاجتمعوا على إعدامه؛ وتعجيل حمامه.