ولما بلغ الناصر فتح حلب، رحل بمن معه من العساكر إلى جهة الديار المصرية، وفى صحبته الملك المنصور صاحب حماة، فأقام بنابلس أياما، ورحل عنها، وترك فيها الأمير مجير الدين بن أبى زكرى، والأمير على بن شجاع وجماعة من العسكر، ثم رحل الملك الناصر إلى غزة، وانضم إليه مماليكه الذين كانوا قد أرادوا قتله، وكان قد اصطلح معه أخوه الظاهر غازى وانضم إليه.
وبعد مسير الناصر عن نابلس، وصل التتار إليها، وكبسوا العسكر الذى بها، وقتلوا مجير الدين والأمير على بن شجاع، ومعهما جماعة من العسكر.
وكانا أميرين جليلين فاضلين، وكانت البحرية قد قبضوا عليهما واعتقلوهما بالكرك، فأفرج المغيث عنهما لما وقع الصلح بينه وبين الناصر.
ولما بلغ الناصر وهو بغزة ما جرى من كبسة التتار لنابلس رحل من غزة إلى العريش، وسير القاضى برهان الدين بن [٤٢٦] الخضر رسولا إلى الملك المظفر صاحب مصر يطلب منه المعاضدة، ثم سار الملك الناصر والمنصور صاحب
_________________
(١) انظر المختصر ج ٣ ص ٢٠١، نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٨٨ - ٣٨٩.
[ ١ / ٢٣٢ ]
حماة والعسكر، ووصلوا إلى قطية، فجرى بها فتنة بين التركمان والأكراد الشهرزورية (^١)، ووقع نهب فى الحال، وخاف الملك الناصر أن يدخل مصر فيقبض عليه، فتأخر فى قطية، ورحلت العساكر والملك المنصور صاحب حماة إلى مصر، وتأخر مع الملك الناصر جماعة منهم [أخوه (^٢)] الملك الظاهر [غازى (^٣)] الملك الصالح بن شيركوه صاحب حمص، وشهاب الدين القيمرى، ثم سار الملك الناصر من قطية بمن تأخر معه إلى جهة تيه بنى إسرائيل.
فلما وصلت العساكر إلى مصر إلتقاهم الملك المظفر قطز بالصالحية وطيب قلوبهم، وأرسل إلى الملك المنصور صاحب حماة سنجقا، والتقاه ملتقى حسنا، وطيب قلبه، ودخل القاهرة (^٤).
وفى تاريخ النويرى: ولما كان الناصر بدمشق وبلغ إليه قصد التتار حلب برز من دمشق إلى برزة فى أواخر السنة الحالية، وجفل الناس بين يدى التتار، وسار الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق، ونزل مع الناصر ببرزة، وكان هناك مع الملك الناصر بيبرس البندقدارى من حين هرب من الكرك، وإلتجأ إلى الناصر يوسف، واجتمع مع الملك الناصر على برزة أمم عظيمة من العساكر، ولما دخلت هذه السنة والملك الناصر ببرزة بلغه أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله والفتك به، فهرب من الدهليز إلى القلعة - يعنى قلعة دمشق -
_________________
(١) «الشهروزية» فى الأصل، انظر ما سبق.
(٢) [] إضافة من المختصر ج ٣ ص ٢٠٢.
(٣) [] إضافة من المختصر ج ٣ ص ٢٠٢.
(٤) انظر المختصر ج ٣ ص ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وبلغ مماليكه الذين قصدوا ذلك علمه بهم هربوا على حمية إلى جهة، وكذلك سار بيبرس البندقدارى وجماعته إلى غزة، وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الملك الناصر، وإنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه ويسلطنوا أخاه الملك الظاهر غازى بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لشهامته، ولما جرى ذلك هرب الملك الظاهر المذكور خوفا من أخيه الناصر يوسف، وكان الظاهر المذكور شقيق الناصر، أمهما [٤٢٧] أم ولد تركية، ووصل الملك الظاهر إلى غزة، واجتمع عليه من بها من العساكر وأقاموه سلطانا.
ولما جرى ذلك كاتب الملك المظفر قطز صاحب مصر بيبرس البندقدارى، وبذل له الأمان، ووعده الوعود الجميلة، ففارق بيبرس البندقدارى الشاميين، وسار إلى مصر فى جماعة من أصحابه، فأقبل عليه الملك المظفر قطز وأنزله فى دار الوزارة، وأقطعه قليوب وأعمالها.
وأما الملك الناصر يوسف فإنه لما انفرد عن العسكر من قطية كما ذكرنا سار إلى تيه بنى اسرائيل، وبقى متحيرا إلى أين يتوجه، وعزم على التوجّه إلى الحجاز، وكان له طبردار كردى اسمه حسين، فحسّن له المضى إلى التتار، وقصد هلاون، فاغتر بقوله، ونزل بركة زيزا، وسار حسين الكردى إلى كتبغا نوين نائب هلاون، وهو نازل على المرج، وعرفه بموضع الملك الناصر، فأرسل كتبغا نوين إليه وقبض عليه وأحضره إلى مدينة عجلون، وكانت بعد عاصية، فأمر الملك الناصر بتسليمها، فسلمت إليهم فهدموها وخربوا قلعتها أيضا.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وكان بالصبيبة الملك السعيد بن الملك العزيز بن الملك العادل، سلّم الصبيبة إليهم وسار معهم وأعلن بالفسق والفجور وسفك الدماء.
وأما الملك الناصر يوسف فإنه لما اجتمع بكتبغا نوين، بعث به كتبغا إلى هلاون، وهو على حلب بعد، فلما عاين الناصر حلب وما حل بها وبأهلها بكى وأنشد:
سقى حلب الشهباء فى كل بقعة … سحائب غيث نوؤها مثل أدمعى
فتلك مرامى لا العقيق ولا اللوى … وتلك ربوعى لا زرود وأملع
ولما بعد عنها قليلا أنشد:
ناشدتك الله يا هطالة السحب … إلا حملت تحيّاتى إلى حلب
لا عذر للشوق أن يمشى على قدر …ماذا عسى يبلغ المشتاق فى الكتب
أحبابنا لو درى قلبى بأنكم … تدرون ما أنا فيه لذ لى تعبى
[٤٢٨] ثم بكى بكاء طويلا وأنشد:
يعز علينا أن نرى ربعكم يبلى … وكانت به آيات حسنكم تتلى
لقد مرّ لى فيها أفانين لذّة … فما كان أهنى العيش فيها وما أحلى
أأحبابنا والله ما قلت بعدكم … لحادثة الأيام وقفا (^١) ولا مهلا
عبرت على الشّهباء وفى القلب حسرة … ومن حولها ترك يتابعهم مغلا
ولقد حكموا فى مهجتى حكم ظالم … ولا ظالم إلا سيبلى كما أبلى
_________________
(١) «رفقا» فى زبدة الفكرة - انظر ما يلى. ووردت «رفقا ولا سهلا» فى كنز الدرر ج ٨ ص ٥٩.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ثم سار إلى الأردو، فأقبل عليه هلاون ووعده بردّه إلى مملكته (^١).
وفى تاريخ بيبرس: بقى الملك الناصر عند هلاون (^٢) هو وولده العزيز، وعزم هلاون على العود من حلب إلى العراق، فسأل الملك الناصر وقال له: من بقى فى ديار مصر من العسكر؟ فقال له: لم يبق بها إلا نفر قليل من العسكر وأقوام من مماليك بيتنا لا يبالى بهم (^٣). قال: فكم يكفى التجريد لقتالهم (^٤)؟ قال: يكفى القليل من الجيش، وحقّر (^٥) عنده أمرهم وهونه، فجرد هلاون كتبغا نوين ومعه اثنى عشر ألف فارس وأمره أن يقيم بالشام، وحفزه العود لما اتصل به من اختلاف حصل بين إخوته، فعاد وأصحب (^٦) معه الملك الناصر وولده العزيز (^٧).
ووصل كتبغا نوين إلى دمشق [وكانت قلعتها بعد ممتنعة، وبها وال إسمه بدر الدين بن قزل فعصى، وأبى أن يسلمها إلى نواب التتار، فحاصره كتبغا
_________________
(١) لم يرد هذا النص فى مخطوط النويرى الذى بين أيدينا.
(٢) «فبقى عنده» فى زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٧ ف.
(٣) «لا يباه بهم» فى زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٧ ب.
(٤) «للتجريد قبالتهم» فى زبدة الفكرة.
(٥) «وصغر» فى زبدة الفكرة.
(٦) «واستصحب» فى زبدة الفكرة.
(٧) «والعزيز ولده. لقد مر لى فيها أفانين لذة … فما كان أهنى العيش فيها وما أحلى عبرت على الشهباء وفى القلب حسرة … ومن حولها ترك يتابعهم مغلا أأحبابنا والله ما فلت بعدكم … لحادثة الأيام رفقا ولا مهلا وقد حكموا فى مهجتى حكم ظالم … ولا ظالم إلا سيبلى كما أبلى» زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٨ أ، وانظر ما سبق بالمتن ص ٢٣٥.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أياما ففتحها عنوة، وأمر بقتل متوليها، فأخرج إلى مرج برغوث وقتل، وقتل معه نقيب القلعة وهو جمال الدين بن الصيرفى (^١)]، ونزل [كتبغا (^٢)] على المرج، فحضر إليه رسل الفرنج الذين بالساحل بالهدايا والتقادم، لأنهم خافوا على بلادهم من تطرق التتار إليها وغارتهم عليها، وشرعوا فى تحصين مدائنهم وحصونهم، وحضر إليه الملك الظاهر أخو الملك الناصر، وكان مقيما بصرخد، فأحسن إليه وأقره على حاله، وأعاده إلى مكانه، وأرسل رسلا (^٣) إلى السلطان (^٤) الملك المظفر قطز (^٥) [يطالبه ببذل الطاعة أو تعبئة الضيافة، فلما وصلت رسله بهذه الرسالة أمر الملك المظفر (^٦)] بقتلهم، فقتلوا وطيف برءوسهم (^٧) الأسواق إلا صبيا واحدا كان معهم استبقاه (^٨) المظفر وأضافه إلى مماليكه، وتجهز للمسير إلى الشام، وجرد العزم والإهتمام، [وأعد للقاء العدو الجيش الهمام (^٩)].
وسنذكر بقية ما جرى على الملك الناصر يوسف فى موضعه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) [] إضافة من زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٨ أ.
(٢) [] إضافة من زبدة الفكرة.
(٣) «رسولا» فى الأصل، والتصحيح من زبدة الفكرة.
(٤) «السلطان» ساقط من زبدة الفكرة.
(٥) «قطز» ساقط من زبدة الفكرة.
(٦) [] إضافة من زبدة الفكرة ج ٩ ورقة ٣٨ أ.
(٧) «وطوفت رؤوسهم» فى زبدة الفكرة.
(٨) «فاستبقاه» فى زبدة الفكرة.
(٩) [] إضافة من زبدة الفكرة.
[ ١ / ٢٣٧ ]