الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن على بن عبد الوهاب بن مناس الطرابلسى المالكى.
وكان قد ولى القضاء بطرابلس المغرب والمهديّة، ثم استوطن الإسكندرية.
وكان شيخا صالحا. توفى فى هذه السنة.
الشيخ عماد الدين عبد الله (^١) بن النحاس الزاهد الورع.
خدم الملوك ووزر بالعجم، وانقطع فى آخر عمره بجبل قاسيون، وأقام ثلاثين سنة مشغولا بالله، ويقضى حوائج الناس بنفسه وماله. توفى فى هذه السنة، ودفن بقاسيون بدمشق.
وهو الذى قال له ابن شيخ الشيوخ فخر الدين: والله لأسبقنك إلى الجنة بمدة، فسبقه فخر الدين.
الشيخ شمس الدين عبد الرحمن (^٢) بن نوح المقدسى، الفقيه الشافعى، مدرس
_________________
(١) هو عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على الأنصارى الدمشقى، عماد الدين بن النحاس، وله أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ٢٤، البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٣، شذرات الذهب ج ٥ ص ٢٦٥. وورد اسمه «أبو بكر بن عبد الله» فى العبر ج ٥ ص ٢١٧.
(٢) وله أيضا ترجمة فى: العبر ج ٥ ص ٢١٨، ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ١٩، شذرات الذهب ج ٥ ص ٢٦٥، البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٥.
[ ١ / ١٣١ ]
الرواحية (^١) بعد شيخه تقى الدين بن الصلاح (^٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بالصوفية (^٣).
وكانت له جنازة حافلة.
سبط ابن الجوزى: الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف (^٤) بن الأمير حسام الدين قزغلى بن عبد الله، عتيق الوزير عون (^٥) بن هبيرة الحنفى، أحد السادات الحنفية البغدادى، ثم الدمشقى، سبط ابن الجوزى، أمّه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى (^٦) الواعظ.
وقد كان حسن الصورة، طيّب الصوت، حسن الوعظ، كثير الفضائل والمصنفات، وله مرآة الزمان فى عشرين مجلدا (^٧) من أحسن التواريخ، انتظم فيها
_________________
(١) المدرسة الرواحية بدمشق: أنشأها هبة الله بن محمد الأنصارى، زكى الدين بن رواحة المتوفى سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م - الدارس ج ١ ص ٢٦٥.
(٢) «ابن صلاح» فى الأصل، وهو عثمان بن عبد الرحمن الشهر زورى، تقى الدين بن الصلاح، المتوفى سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م - الدارس ج ١ ص ٢٦٦.
(٣) «دفن من الغد بمقابر الصوفية» - ذيل مرآة الزمان.
(٤) وله أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص ١٣ العبر ج ٥ ص ٢٢٠، ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ٣٩ - ٤٣، السلوك ج ١ ص ٤٠١، الذيل على الروضتين ص ١٩٥، البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٤، شذرات الذهب ج ٥ ص ٢٦٦ - ٢٦٧، وفيات الأعيان ج ٣ ص ١٤٢ رقم ٩٦، فوات الوفيات ج ٤ ص ٣٥٦ رقم ٥٩٢، تاج التراجم ص ٨٣ رقم ٢٥٦، النجوم الزاهرة ج ٧ ص ٣٩.
(٥) هو يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر، الوزير عون الدين، المتوفى سنة ٥٦٠ هـ ١١٦٤ م - وفيات الأعيان ج ٦ ص ٢٣٠ رقم ٨٠٧.
(٦) هو عبد الرحمن بن على بن محمد، أبو الفرج بن الجوزى، المتوفى سنة ٥٩٧ هـ/ ١٢٥٠ م - وفيات الأعيان ج ٣ ص ١٤٠ رقم ٣٧٠.
(٧) «رأيته بخطه فى أربعين مجلدا» - وفيات الأعيان ج ٣ ص ١٤٢.
[ ١ / ١٣٢ ]
المنتظم (^١) تاريخ جدّه وزاد عليه، وذيل إلى زمانه، وهى من أحسن التواريخ وأبهجها، قدم دمشق فى حدود الستمائة، وحظى عند ملوك بنى أيوب، وقدّموه وأحسنوا إليه.
وكان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار عند السارية التى يقوم عندها الوعاظ اليوم عند مشهد على بن الحسين زين العابدين، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين [٣٧٢] فى الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن على طريق جدّه.
وقد كان الشيخ تاج الدين الكندى (^٢) وغيره من المشايخ يحضرون عنده تحت قبّة يزيد التى عند باب المشهد ويستحسنون ما يقول.
ودرّس بالعزية البرانية (^٣) التى بناها الأمير عز الدين أيبك (^٤) المعظمى أستادار الملك المعظم وهو واقف العزية الجوانية (^٥) التى بالكشك أيضا، وكانت قديما تعرف بدور ابن منقذ.
_________________
(١) «نظم فيه المنتظم» فى البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٤.
(٢) هو زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن البغدادى، تاج الدين الكندى، شيخ الحنفية والقراء والنحاة بالشام، والمتوفى سنة ٦١٣ هـ/ ١٢١٦ م. العبر ج ٥ ص ٤٤ - ٤٥.
(٣) المدرسة العزية البرانية بدمشق: أنشئت سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٨ م - الدارس ج ١ ص ٥٥٠ وما بعدها.
(٤) توفى سنة ٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م - البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٧٤.
(٥) المدرسة العزية الجوانية بدمشق - الدارس ج ١ ص ٥٥٥ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٣ ]
ودرّس السبط أيضا بالشبلية (^١) التى بالجبل عند جسر كحيل، وفوض إليه البدرية (^٢) التى قبالتها، فكانت سكنه، وبها توفى ليلة الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة، وحضر جنازته سلطان البلد الملك الناصر يوسف ابن العزيز فمن دونه.
وأثنى عليه أبو شامة فقال: كان فاضلا، عالما، ظريفا، منقطعا، منكرا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، وقد كان مقتصدا فى لباسه، مواظبا على المطالعة والاشتغال، والجمع والتصنيف، ربى فى طول زمانه فى حياة طيبة وجاه عريض عند الملوك والعوامّ نحو خمسين سنة، وقد كان مجلس وعظه مطربا، وصوته فيما يورده فيه حسنا (^٣) طيبا.
وقد سئل يوم عاشوراء فى زمن الملك الناصر يوسف صاحب حلب أن يذكر للناس شيئا من مقتل الحسين ﵁، فصعد المنبر وجلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه وبكى، ثم أنشأ يقول وهو يبكى شديدا:
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصور فى نشر الخلائق ينفخ
لابدّ أن ترد القيامة فاطم … وقميصها بدم الحسين ملطخ
_________________
(١) المدرسة الشبلية البرانية بدمشق: بسفح جبل قاسيون بالقرب من جسر ثورى، أنشأها شبل الدولة كافور طواشى حسام الدين محمد بن لاجين ولد ست الشام، المتوفى سنة ٦٢٣ هـ/ ١٢٢٦ م - الدارس ج ١ ص ٥٣٠ وما بعدها.
(٢) المدرسة البدرية بدمشق: قبالة المدرسة الشبلية التى بالجبل عند جسر كحيل على نهر ثورى على الطريق بين عين الكرش وحى الأكراد، أنشأها الأمير بدر الدين حسن بن الداية من أكابر أمراء نور الدين محمود، الدارس ج ١ ص ٤٧٧ وما بعدها.
(٣) انظر الذيل على الروضتين ص ١٩٥.
[ ١ / ١٣٤ ]
ثم نزل عن المنبر وهو يبكى، وصعد إلى الصالحية وهو يبكى (^١).
وقال صاحب طبقات الحنفيّة: روى السبط عن جدّه ببغداد، وسمع من أبى الفرج بن كليب وأبى حفص بن طبرزد، وسمع بالموصل ودمشق وحدّث بها وبمصر، وله تصانيف منها: مرآة الزمان، وشرح الجامع الكبير، وإيثار [٣٧٣] الإنصاف وغير ذلك، مات فى التاريخ المذكور، وصلّى عليه بباب جامع جبل قاسيون الشمالى، وصلّى عليه السلطان الملك الناصر يوسف، وكان مولده نحو سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد.
ورثاه الشهاب أحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن مصعب ارتجالا بأبيات:
ذهب المؤّرّخ وانقضت أيامه … فتكدّرت من بعده الأيّام
قد كان شمس الدين نورا هاديا … فقضى فعمّ الكائنات ظلام
كم قد أتى فى وعظه بفضائل … فى حسنها تتحيّر الأفهام
حزن العراق لفقده وتأسّفت … مصر وناح أسى عليه الشّام
فسقى ثرى واراه صوب غمامة … وتعاهدته تحيّة وسلام
مجير الدين يعقوب (^٢) بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. توفى فى هذه السنة، ودفن عند والده بتربة العادلية (^٣).
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) وله أيضا ترجمة فى: الذيل على الروضتين ص ١٩٤، ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ٣٧.
(٣) «ودفن بمقبرة والده بالمدرسة العادلية» - الذيل على الروضتين ص ١٩٤.
[ ١ / ١٣٥ ]
الأمير مظفر الدين إبراهيم (^١) بن صاحب صرخد عز الدين أيبك، أستاذ دار الملك المعظم، واقف العزيزيتين الجوانية والبرانية على الحنفية. توفى فى هذه السنة، ودفن عند والده بالتربة تحت القبة عند الوراقة.
الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن يوسف (^٢) بن أبى الفوارس موسك القيمرى الكردىّ، أكبر أمراء القيمريّة.
كان يقفون بين يديه كما يفعل بالملوك، ومن أكبر حسناته وقفه (^٣) المارستان الذى بسفح جبل قاسيون، وكانت وفاته ودفنه بالسفح فى القبّة التى تجاه المارستان المذكور، وكان ذا مال كثير وثروة.
السلطان الملك غياث الدين كيخسرو (^٤) بن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش ابن أرسلان بن سلجوق.
وخلّف من الأولاد ثلاثة وهم: عزّ الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، ولما توفى والدهم استقرّوا فى السلطنة ولم ينفرد
_________________
(١) وله أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان ج ١ ص ١٥ - ١٧، البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٥.
(٢) وله أيضا ترجمة فى: البداية والنهاية ج ١٣ ص ١٩٥، وورد ذكر وفاته سنة ٦٠٣ هـ فى العبر ج ٥ ص ٢١٤، وورد اسمه: سيف الدين أبو الحسن على بن يوسف بن أبى الفوارس القيمرى، ووفاته سنة ٦٥٣ هـ فى شذرات الذهب ج ٥ ص ١٦١.
(٣) «وقعة» فى الأصل، والتصحيح من البداية والنهاية.
(٤) وله أيضا ترجمة فى: نهاية الأرب ج ٢٧ ص ١٠٥ وما بعدها، السلوك ج ١ ص ٤٠١.
[ ١ / ١٣٦ ]
بها أحد عن الآخر، وضربت السكّة بأسمائهم مشتركة، وخطب لهم جميعا، [٣٧٤] وكان أبوهم قد فوض ولاية عهده إلى ولده علاء الدين كيقباذ الذى هو من كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرّر له الإناوة، ليكفّ عساكره المتوالية، ويمنع جيوشه العادية، وأما التتار فإنهم استولوا على قيسارية وأعمالها وصار إليهم مسافة شهر من بلاد الروم (^١) وأقاليمها فى هذه البرهة اللطيفة يقتلون ويأسرون وينهبون، ثم لما استأصلوا شعبها وبالغوا فى تخريبها عادوا إلى مستقرهم.
وكانت تولية غياث الدين كيخسرو المذكور فى السنة التى مات فيها والده علاء الدين كيقباذ وهى سنة أربع وثلاثين وستمائة (^٢)، فيكون مدة مملكته عشرين سنة، وكان والده علاء الدين قد زوّجه بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج، فلما صارت إليه السلطنة صيّر أخاها - وكان نصرانيا لم ينتقل عن ملته - مقدّما على الجيش، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان غياث الدين لتقديمه إياه عليهم، وقد خبّط نفر من المؤرخين فى تاريخ وفيات هؤلاء وتاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، والصواب ما ذكرناه.
فإن قلت: أنت قد ذكرت فى أول سنة إحدى وخمسين وستمائة أن صاحب الروم ثلاثة وهم (^٣): عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وعلاء الدين
_________________
(١) «فصار لهم من بلاد الروم مسافة شهر» - السلوك ج ١ ص ٤٠٠.
(٢) انظر نهاية الأرب ج ٢٧ ص ١٠١ - ١٠٤.
(٣) انظر ما سبق فى أحداث سنة ٦٥١ هـ ص ٧٩.
[ ١ / ١٣٧ ]
كيقباذ أولاد غياث الدين كيخسرو، فكيف يلتئم هذا الكلام بالذى ذكرته آنفا؟
قلت: هذا نقلته هناك فى تاريخ بيبرس، ولكنه أطلق كلامه بحيث أنه يوهم أن غياث الدين كيخسرو الذى هو والد الثلاثة مات فى تلك السنة، أعنى سنة إحدى وخمسين وليس كذلك، بل وجهه أنه كأنه قسم بلاده فى حياته بين أولاده الثلاثة المذكورين فى السنة المذكورة، واستقلّ كل منهم سلطانا، إلا أنه مات فى تلك السنة، واستقلوا سلاطين فيها، فافهم، والله أعلم.
***
[ ١ / ١٣٨ ]