ولما وصلت البحريّة المذكورون الهاربون من مصر إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام أطمعوه فى ملك مصر، فرحل من دمشق بعسكره ونزل غمتا من الغور، فأرسل إلى غزّة عسكرا فنزلوا بها، وكذلك برز المعزّ أيبك صاحب مصر إلى العبّاسة، وخرجت السنة وهم على ذلك.
وفى تاريخ النويرىّ: ولما قتل أقطاى تفرقت أصحابه وانعزل منهم جماعة، تقدير اثنى عشر نفرا، وخرجوا هاربين خوفا من المعزّ، فوقعوا فى التّيه، فذكروا أنهم أقاموا فيه خمسة أيام حائرين؛ ثم نفذ زادهم وماؤهم فى اليوم السادس، ولاح لهم سواد على بعد، فقصدوه، فإذا هو مدينة عظيمة ذات أسوار وأبواب حصينة كلها من الرخام الأخضر، فدخلوها، فوجدوا الرمل ينبع من أرضها كنبع الماء، فطافوا بأسواقها ودورها، فلم يجدوا بها ما يأخذون، لأن جميع
_________________
(١) كان الملك المعز أيبك قد أقطع الفارس أقطاى ثغر الإسكندرية سنة ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م - انظر السلوك ج ١ ص ٣٨٤.
[ ١ / ٨٨ ]
أوانيهم وملابسهم (^١) تتفتّت كالهباء إلا أنهم وجدوا فى بعض المواضع تسعة دنانير منقوش عليها صورة غزال وحوله أسطر بالعبرانيّة، ثم وجدوا مكانا ابريدون [٣٤٩] فحفروه، فطلعت لهم بلاطة، فرفعوها فإذا صهريج ماء أبرد من الثلج، فشربوا واستقوا وسافروا تلك الليلة، فوقعوا على قبيلة من العرب، فحملوهم إلى الملك المغيث صاحب الكرك (^٢)، فأمر بهم فنزلوا فى الربض، ثم عرضوا تلك الدنانير على الصيارف، فقال بعضهم: هذه ضربت فى أيام موسى ﵇، فسألنا عن قصتها، فأخبرنا، فقال: هذه المدينة الخضراء بنيت لما كان بنو إسرائيل فى التّيه، ولها طوفان من رمل، فتارة يزيد وتارة ينقص، وهى مخفية لا يقع عليها إلا تائه، ثم بعنا كل دينار بمائة درهم (^٣).