فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخمسين بعد الستمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة: المستعصم بالله.
وسلطان الديار المصرية: الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحى التركمانى.
وصاحب دمشق وحلب: السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن السلطان الملك العزيز محمد بن السلطان الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أبوب.
وصاحب حمص: الملك الأشرف موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادى.
وصاحب حماة: الملك المنصور محمد بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
وصاحب عينتاب: الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غارى ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وصاحب بلاد الروم: السلطان غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين كيقباد السلجوقى.
_________________
(١) (¬*) يوافق أولها الخميس ١٤ مارس ١٢٥٢ م.
[ ١ / ٦٣ ]
وصاحب ماردين: «» (^١).
وصاحب الموصل: بدر الدين لؤلؤ.
وأما بلاد عراق العجم وبلاد خراسان وغيرها إلى بلاد ماوراء النهر وبلاد الدشت وغيرها: ففى أيادى أولاد جنكز خان.
وصاحب اليمن: صلاح الدين يوسف بن عمر بن على بن رسول.
ثم اعلم أن الديار المصرية والشامية انتهت بعد إنقضاء الدولة العبيدية الفاطمية إلى الدولة الأيوبية كما ذكرناه مفصلا، ثم لما شاء الله تعالى انقراض الدولة الأيوبية وذريتها سبق فى علمه الأزلى أن [٣٣٦] صلاح هذه المملكة بتولية أولى النجدة والبأس، وأن الترك من بينهم هم أصلح الأجناس، وأن فى هدايتهم إلى الإيمان صلاحا خاصا وعاما، فأخرج طائفة منهم من الظلمات إلى النور، وحباهم بأنواع العطايا بالبهجة والسرور، وقيض الله تجارا أخرجوهم إلى الآفاق خصوصا فى أيام استيلاء التتار على البلاد المشرقية والشمالية وعلى الأتراك القفجاقية (^٢)، فجاءت منهم طائفة إلى البلاد الشامية والديار المصرية فى أواخر الدولة الأيوبية، فاشتراهم ملوك بنى أيوب بأبخس الأثمان ليزينوا بهم مواكبهم فى البلدان، وليتخذوهم عدة (^٣) عند النوائب، لما فيهم من الشجاعة والإقدام
_________________
(١) «» بياض فى الاصل. وصاحب ماردين فى هذه السنة هو الملك السعيد نجم الدين غازى (إيلغازى) بن أرتق بن أرسلان، المتوفى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م - أنظر ما يلى فى وفيات سنة ٦٥٨ هـ، وتاريخ الدول الإسلامية ص ٣٥٣.
(٢) هزم التتار قبائل القفجاق سنة ٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م -، وعن القفجاق واستيلاء التتار على بلادهم - انظر نهاية الأرب ج ٢٧ ص ٣٢١ - ٣٢٢، الكامل ج ١٢ ص ٣٨٥ - ٣٨٦
(٣) «عدة» مكررة فى الأصل
[ ١ / ٦٤ ]
فى المصائب، ثم صارت منهم جماعة أمراء كبارا مقدّمين، وجماعة منهم ملوكا سلاطين، فملك منهم من الذين جلبوا وبيعوا إلى يومنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة (^١) أحد عشر نفسا وهم:
الملك المعزّ أيبك التركمانى: وهو أول الملوك الأتراك الذين ملكوا الديار المصريّة، والملك المظفر قطز، والملك الظاهر بيبرس، والملك المنصور قلاون (^٢)، والملك العادل كتبغا، والملك المنصور لاجين، والملك المظفر بيبرس الجاشنكير، والملك الظاهر برقوق، والملك المؤيد شيخ، والملك الظاهر ططر، والملك الأشرف برسباى.
قال بيبرس فى تاريخه: وأوّل من اهتم بتحصيلهم واحتفل بتجميلهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأخوه الملك العادل أبو بكر، ثم ولده الملك الكامل، ولما آلت المملكة إلى ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب استكثر منهم استكثارا بذل فيهم المجهود، وبلغ منهم المقصود، وبذل فيهم الأموال الكثيرة، وأصرف لأجلهم الأشياء الغزيرة، ثم لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقتل ابنه الملك المعظم، ولّوا زوجة أستاذهم الملك الصالح المسماة بشجر الدرّ لقصدهم استمرار الملك فى البيت الأيّوبى ولا يخرج عنه، وتصدر الأمور كلها منه فكانوا لها أطوع من البنان برهة من الزمان، ثم لما رأوا أنّ ذلك قصر بحقوق الملك وأزرى عليه، واشتدّت [٣٣٧] أطماع من كان بالشام إليه، فاحتاجوا إلى إقامة رجل يزاحم بمنكبه المناكب، ويباهى بموكبه
_________________
(١) هذا هو تاريخ تأليف هذا الجزء من الكتاب.
(٢) هكذا فى الأصل، وفى وثائق الوقف «قلاون»، وترد فى بعض المصادر قلاوون - انظر تذكرة النبيه ج ١ ص ٢٩٥ وما بعدها.
[ ١ / ٦٥ ]
المواكب، ويقوم بتدبير البلاد والعباد، ويحسم مادّة الفساد والعناد، ويبنى الملك على الأساس والعماد.
قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
والبيت لا يبنى إلاّ بأعمدة … ولا عمادا إذا لم ترسّ أوتاد
فإن تجّمع أوتاد وأعمدة … فقد بلغوا الأمر الذى كادوا
فأقاموا الأمير عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحىّ مدبّر الممالك مضافا اسمه إلى اسم الملك الأشرف موسى بن الملك المسعود المعروف بأطسز بن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب فى التواقيع والمناشير وسكة الدراهم والدنانير، فاستقر الأمر على ذلك.
ثم لما ظهرت (^١) أطماع الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب البلاد الحلبيّة والشاميّة، وتبع على ذلك الإرجاف بما تواتر من الأخبار بحركة التتار، ولا سيما دخول هلاون بلاد العراق، واستيلائهم على تلك الآفاق، ورأوا صغر سنّ الملك الأشرف، وعدم قيامه بواجب أمور المملكة، اجتمعت الآراء، واتفقت الأمراء على استقلال عز الدين أيبك التركمانى الجاشنكير بالسلطنة، واستقلاله بها على انفراده، فأقاموه على ذلك، وأزالوا عن الأشرف اسم السلطنة، وأسقطوا اسمه من السكة والخطبة.
قال بيبرس فى تاريخه: وذلك فى شهور هذه السنة، أعنى سنة خمسين وستمائة.
_________________
(١) «ثم لما ظهر أطماع» فى الأصل.
[ ١ / ٦٦ ]
قلت: ذكر بيبرس هذا فى السنة الماضية، أعنى فى سنة تسعة وأربعين وستمائة، وقال هناك: عزم الملك المعزّ أيبك على تزويج شجر الدر والاستقلال بالسلطنة وإبطال أمر الملك الأشرف من الملك، فأبطله وخلعه وأزاله ونزعه، ثم قال هاهنا: إن الاتفاق على سلطنته كان فى هذه السنة، أعنى سنة خمسين وستمائة (^١).
ومع هذا ذكر هو وغيره أن [٣٣٨] الملك المعز أيبك إنما كانت سلطنته فى سنة ثمانية وأربعين وستمائة.
قلت: التوفيق فى هذا الكلام أنه تسلطن فى سنة ثمانية وأربعين وستمائة، ولكنه ما أقام إلا شيئا يسيرا جدّا، كما ذكرناه هناك، ولم يعتبروا هذه السلطنة حيث لم تمتد أيامها ولا ظهرت أحكامها، فكانت كسلطنة الأمير بيدرا عند قتله الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون (^٢) عند الطرّانة (^٣)، فإنه تسلطن وتلقب بالملك القاهر وأقام نصف نهار، ثم ضربت رقبته كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى، ثم كان عزمه للسلطنة واستقلاله بها فى أواخر سنة تسعة وأربعين وستمائة، فلذلك ذكروا أن سلطنته كانت فى هذه السنة، أعنى سنة تسعة وأربعين وستمائة، ولكن لما وقع استقلاله التامّ بها، وظهوره بها، ونفاذ
_________________
(١) انظر أيضا الجوهر الثمين ص ٢٥٧.
(٢) وذلك فى المحرم سنة ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٣ م - تذكرة النبيه ج ١ ص ١٦٨، وانظر ترجمة بيدرا بن عبد الله المنصورى - المنهل الصافى ج ٣ ص ٤٩٣ رقم ٧٣٤.
(٣) الطرانة: من القرى المصرية القديمة بمركز كوم حمادة من أعمال البحيرة - التحفة السنبة ص ١٢٠، القاموس الجغرافى ق ٢ ج ٢ ص ٣٣١ - ٣٣٢.
[ ١ / ٦٧ ]
كلمته، وانتشار مراسيمه فى هذه السنة، أعنى سنة خمسين وستمائة، أسندت سلطنته وظهورها التامّ إلى هذه السنة، أعنى سنة خمسين.
ثم لما استقلّ بذلك فى هذه السنة شرع فى تحصيل الأموال، واستخدام الرجال، واستوزر شخصا من نظار الدواوين يسمّى شرف الدين هبة (^١) الله بن صاعد الفائزى، كان من القبط الكتّاب، ثم عدل عن أهل الكتاب، وأسلم فى الدولة الكاملية، وتقدّم فى المناصب الديوانيّة، فقرر أموالا على التجار وذوى اليسار وأرباب العقار، ورتّب مكوسا وضمانات وسماها حقوقا (^٢) ومعاملات، واستقرّت وتزيّدت إلى يومنا هذا.
ثم فى هذه السنة أمرّ الملك المعزّ كبار مماليكه، ورتّب سيف الدين (^٣) قطز نائب السلطنة، وكان أكبرهم وأقدمهم هجرة، وأعظمهم لديه أثرة، وقطع خبز حسام الدين بن أبى علىّ الهذبانى الذى كان نائبا بالديار المصريّة، ثم لما قطع الملك المعزّ خبزه طلب دستورا أن يروح إلى الشام، فأعطاه دستورا، فسافر إلى الملك الناصر يوسف وأعطاه إمرة خمسمائة فارس.
وفى هذه السنة تسلم (^٤) المصريون الشوبك من نائب الملك المغيث فتح الدين عمر، ولم يبق بيده غير الكرك والبلقاء [٣٣٩] وبعض الغور.
_________________
(١) توفى سنة ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م - انظر ترجمته فيما يلى فى وفيات ٦٥٥ هـ.
(٢) «سماها الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية» فى السلوك ج ١ ص ٣٨٤.
(٣) توفى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٥٩ م، انظر ما يلى.
(٤) «تسلمت» فى الأصل.
[ ١ / ٦٨ ]