فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة والخمسين بعد الستمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله.
وصاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك.
وصاحب الديار الشامية: السلطان الملك يوسف بن العزيز.
وصاحب الروم: أولاد الملك غياث الدين كيخسرو وهم ثلاثة: كيكاوس وقليج أرسلان وكيقباذ، وأبوهم مات فى سنة أربعة وخمسين وستمائة على ما نذكره، وعند بعض المؤرخين مات فى سنة إحدى وخمسين وستمائة، فاستقر أولاده الثلاثة فى السلطنة متشاركين فيها، وإن كان تأخر موته إلى سنة أربعة وخمسين كما ذكرناه الآن، فى حياة أبيهم، والله أعلم.
وصاحب البلاد الشمالية: بركة خان.
وصاحب العراق: هلاون اللعين.
وصاحب إفريقية فى الغرب: محمد بن أبى زكريا يحيى، ولكنه مات فى ستة خمس وسبعين وستمائة.
قال السبط: وفى سنة الثانية والخمسين وستمائة وصلت الأخبار من المغرب باستيلاء إنسان على إفريقية، وادعى الخلافة (^١)، وتلقب بالمستنصر، وخطب له
_________________
(١) (¬*) يوافق أولها الأربعاء ١٠ فبراير ١٢٥٥ م.
(٢) هو أحمد بن مرزوق بن أبى عمارة البجائى المغربى، السلطان الدعى، قتل سنة ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م - المنهل الصافى ج ٢ ص ٢١٥ رقم ٣١٣، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص ٤٦، الحلل السندسية ج ١ ق ٤ ص ١٠٣٦.
[ ١ / ٩٩ ]
فى تلك البلاد والنواحى، وأظهر العدل والإحسان (^١) والإنصاف، وبنى له برجا، وأجلس الوزير والقاضى والمحتسب [٣٥٤] والوالى بين يديه يحكمون بين الناس (^٢).
وقال الشيخ الفاضل ركن الدين (^٣): الحفصيون الذين ملكوا تونس أولهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، بتاءين مثناتين من فوق، وهى قبيلة من المصامدة، ويزعمون أنهم قرشيّون من بنى عدى بن كعب رهط عمر بن الخطاب ﵁، وكان أبو حفص المذكور من أكبر أصحاب ابن تومرت (^٤) بعد عبد المؤمن (^٥)، وتولى عبد الواحد بن أبى حفص المذكور [إفريقية (^٦)] نيابة عن بنى عبد المؤمن فى سنة ثلاث وستمائة، ومات فى ذى الحجة (^٧) سنة ثمانية عشر وستمائة، وتولى بعده أبو العلاء (^٨) من بنى عبد المؤمن، ثم توفى، فعادت إفريقية إلى ولاية الحفصيين، وتولى منهم عبد الله بن عبد الواحد بن أبى حفص فى سنة
_________________
(١) «والإحسان» ساقط من مرآة الزمان.
(٢) ورد هذا الخبر فى مرآة الزمان فى حوادث سنة ٦٥٢ هـ، ج ٨ ص ٧٩١.
(٣) «ركن الدين بن قوبع التونسى» - المختصر ج ٣ ص ١٨٧.
(٤) هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، الإمام المهدى ابن تومرت، توفى حوالى سنة ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠ م - تاريخ الدولتين ص ٧، وفيات الأعيان ج ٥ ص ٤٥ رقم ٦٨٨، الاستقصا ج ٢ ص ٩٧.
(٥) هو عبد المؤمن بن على القيسى الكومى، المتوفى سنة ٥٥٨ هـ/ ١١٦٣ م - وفيات الأعيان ج ٣ ص ٢٣٧ رقم ٤٠٨، تاريخ الدولتين ص ١٣، الاستقصا ج ٢ ص ١٤٤.
(٦) [] إضافة من المختصر للتوضيح.
(٧) » توفى يوم الخميس أول المحرم فاتح عام ثمانية عشر وستمائة» - انظر تاريخ الدولتين ص ١٩، المؤنس ص ١٣١.
(٨) «أبو المعلى» فى الأصل، والتصحيح من المختصر الذى ينقل عنه المؤلف، وهو إدريس ابن يوسف بن عبد المؤمن - تاريخ الدولتين ص ٢٠.
[ ١ / ١٠٠ ]
ثلاث وعشرين وستمائة (^١)، ولما تولى ولى أخاه أبا زكريا يحيى قابس (^٢)، وأخاه أبا إبراهيم إسحاق بلاد الجريد (^٣)، ثم خرج على عبد الله - وهو على قابس - أصحابه ورجموه وطردوه، وولوا موضعه أخاه أبا زكريا بن عبد الواحد سنة خمس وعشرين (^٤) وستمائة.
فنقم بنو عبد المؤمن على أبى زكريا ذلك، وأسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، وبقى متملكا لإفريقية وخطب لنفسه بالأمير المرتضى، واتسعت مملكته، وفتح تلمسان، والمغرب الأوسط، وبلاد الجريد والزاب، وبقى كذلك إلى أن توفى على بونة فى سنة سبع وأربعين (^٥) وستمائة.
وأنشأ فى تونس بنايات عظيمة شامخة، وكان عالما بالأدب، وخلف أربع بنين وهم: أبو عبد الله محمد، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو حفص عمر، وأبو بكر وكنيته أبو يحيى، وخلف أخوين وهما أبو إبراهيم إسحاق، ومحمد اللحيانى ابنى عبد الواحد بن أبى حفص.
وكان محمد اللحيانى صالحا منقطعا يتبرك به الناس.
_________________
(١) «فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة من عام ثلاثة وعشرين وستمائة» - تاريخ الدولتين ص ٢١.
(٢) قابس: مدينة وميتاء هام - المغرب ص ١٧.
(٣) «وعقد لأخيه أبى إبراهيم على توزر ونفطة وسائر بلاد قسطيلية» - تاريخ الدولتين ص ٢١.
(٤) «سنة اثنتين وستين» - المختصر ج ٣ ص ١٨٨، وهو تحريف - أنظر ما يلى، وانظر تاريخ الدولتين ص ٢٣.
(٥) «سنة أربع وأربعين» - فى الأصل، والتصحيح من المختصر ج ٣ ص ١٨٨، والمؤنس ص ١٣٤، وورد فى تاريخ الدولتين أنه توفى سنة ٦٤٦ هـ ص ٣٠.
[ ١ / ١٠١ ]
ثم تولى بعده ابنه أبو عبد الله محمد بن أبى زكريا، ثم سعى عمه أبو إبراهيم فى خلعه، وبايع لأخيه محمد اللحيانى الزاهد على كره منه لذلك، فجمع أبو عبد الله [محمد (^١)] المخلوع أصحابه فى يوم خلعه، وشد على عميه فقهرهما وقتلهما، واستقر فى ملكه، وتلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين أبى عبد الله محمد ابن الأمراء الراشدين (^٢).
وفى أيامه [فى سنة ثمان وستين وستمائة (^٣)] وصل الفرنسيس (^٤) إلى إفريقية بجموع الفرنج، وأشرفت [٣٥٥] إفريقية على الذهاب، فقصمه الله تعالى، ومات الفرنسيس لعنه الله، وتفرقت تلك الجموع.
وفى أيامه خاف أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبى زكريا، فهرب، ثم أقام بتلمسان، وبقى المستنصر المذكور كذلك حتى توفى حادى عشر ذى الحجة سنة خمس وسبعين وستمائة (^٥).
وملك بعده ابنه يحيى بن محمد بن أبى زكريا وتلقب بالواثق بالله أمير المؤمنين، وكان ضعيف الرأى، فتحرك عليه عمه أبو إسحاق إبراهيم الذى هرب وأقام بتلمسان، وغلب على الواثق فخلع نفسه، واستقر أبو إسحاق إبراهيم فى المملكة فى ربيع الأول سنة ثمان وسبعين (^٦) وستمائة، وخطب لنفسه بالأمير المجاهد، وترك
_________________
(١) [] إضافة من المختصر ج ٣ ص ١٨٨ التوضيح.
(٢) «وذلك سنة ٦٥٧ هـ» - أنظر المؤنس ص ١٣٥.
(٣) [] إضافة من المختصر للتوضيح، وانظر أيضا المؤنس ص ١٣٦.
(٤) المقصود لويس التاسع - انظر شمال أفريقيا والحركة الصليبية.
(٥) المؤنس ص ١٣٧، الفارسية ص ١٣٤.
(٦) انظر الفارسية ص ١٣٧، المؤنس ص ١٣٨.
[ ١ / ١٠٢ ]
زى الحفصييّن، وأقام على زىّ زناته، وأقام على الشرب، وفرق المملكة على أولاده، فوثب أولاده على الواثق المخلوع، فذبحوه وذبحوا معه ولديه الفضل والطيّب ابنى يحيى الواثق، وسلم للواثق ابن صغير يلقّب أبا عصيدة، لأنهم يصنعون للنفساء (^١) عصيدة فيها أدوية يهدى منها للجيران، فعملت أم الصبى ذلك، فتلقب ولدها بأبى عصيدة، ثم ظهر إنسان [ادعى (^٢)] أنه الفضل بن الواثق الذى ذبح مع أبيه (^٣)، واجتمعت عليه الناس، وقصد ابا إسحاق إبراهيم وقهره، فهرب أبو إسحاق إلى بجاية، وبها ابنه أبو فارس عبد العزيز بن إبراهيم، فترك أبو فارس أباه ببجاية، وسار بإخوته (^٤) وجمعه إلى الدعى بتونس، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر بجاية، وقتل أبو فارس وثلاثة من إخوته، ونجا له أخ اسمه يحيى بن إبراهيم وعمه أبو حفص عمر بن أبى زكريا.
ولما هزم الدعى عسكر بجاية وقتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم وجاءه برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعى، واجتمعت العرب على عمر بن أبى زكريا بعد هروبه من المعركة وقوى أمره، وقصد الدعى ثانيا بتونس وقهره، واستتر الدعى (^٥) فى بعض المواضع (^٦) بتونس، ثم أحضر واعترف بنسبه وضربت عنقه.
_________________
(١) «للنساء» فى الأصل، والتصحيح من المختصر.
(٢) [] إضافة من المختصر ج ٣ ص ١٨٨ للتوضيح.
(٣) «مع ابنه» فى المختصر، وهو تحريف.
(٤) «بأخويه» - فى المختصر، وهو تحريف - انظر ما يلى.
(٥) «الداعى» فى المختصر ج ٣ ص ١٨٩، وهو تحريف.
(٦) «فى دور بعض التجار» - المختصر.
[ ١ / ١٠٣ ]
وكان الدعى (^١) المذكور من أهل بجاية واسمه أحمد (^٢) بن مرزوق بن أبى عمارة (^٣)، وكان أبوه يتجر إلى بلاد السودان، وكان الدعىّ المذكور مجازفا قصّيفا (^٤)، وسار إلى ديار مصر ونزل بدار الحديث الكاملية، [٣٥٦] ثم عاد إلى المغرب، فلما مر (^٥) على طرابلس، كان هناك شخص أسود يسمى نصيرا كان خصيصا بالواثق المخلوع قد هرب لما جرى للواثق ما جرى، وكان فى أحمد الدعىّ بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر، فشهد له أنه الفضل بن الواثق، واجتمعت عليه العرب، وكان منه ما ذكرناه حتى قتل.
وكان الدعى يخطب له بالخليفة الإمام المنصور بالله القائم بحق الله أمير المؤمنين [ابن أمير المؤمنين (^٦)] أبى العباس الفضل.
ولما استقر أبو حفص عمر فى المملكة، وقتل الدعى تلقب بالمستنصر بالله [أمير المؤمنين (^٧)]، وهو المستنصر الثانى.
ولما استقر فى المملكة سار ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبى زكريا الذى سلم من المعركة إلى بجاية وملكها، وتلقب بالمنتخب لإحياء (^٨) دين الله أمير المؤمنين،
_________________
(١) «الداعى» فى الأصل والمختصر، وهو تحريف.
(٢) انظر ما سبق.
(٣) «بن أبى عمار» - المختصر ج ٣ ص ١٨٩.
(٤) قصف: أقام فى أكل وشرب ولهو، وأكثر من ذلك - المنجد.
(٥) «مر» مكررة فى الأصل.
(٦) [] إضافة من المختصر ج ٣ ص ١٨٩.
(٧) [] إضافة من المختصر.
(٨) «بإحياء» فى الأصل، والتصحيح من المختصر.
[ ١ / ١٠٤ ]
واستمر المستنصر بالله فى مملكته حتى توفى فى أوائل المحرم سنة خمس وتسعين وستمائة (^١)، ولما اشتد مرضه بايع لإبن صغير له، واجتمعت الفقهاء وقالوا له:
أنت صائر إلى الله، وتولية (^٢) مثل هذا لا يحل، فأبطل بيعته، وأخرج ولد الواثق المخلوع الذى كان صغيرا وسلم من الذبح (^٣) الملقب بأبى عصيدة، وبويع له صبيحة موت أبى حفص عمر المذكور الملقب بالمستنصر، وكان اسم أبى عصيدة أبا عبد الله محمد، وتلقب أيضا بالمستنصر، وهو المستنصر الثالث.
وفى أيامه توفى صاحب بجاية المنتخب يحيى بن إبراهيم، وملك بعده بجاية ابنه خالد بن يحيى، وبقى أبو عصيدة كذلك حتى توفى سنة تسع وسبعمائة (^٤)، وملك بعده شخص من الحفصيين يقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر بن أبى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص صاحب ابن تومرت، فأقام فى الملك ثمانية عشر يوما (^٥)، ثم وصل خالد بن المنتخب صاحب بجاية ودخل تونس، وقتل أبا بكر المذكور فى سنة تسع وسبعمائة (^٦)، ولما جرى ذلك كان زكريا اللحيانى بمصر، فسار مع [٣٥٧] عسكر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إلى طرابلس الغرب (^٧)
_________________
(١) «توفى فى آخر ذى الحجة سنة أربع وتسعين وستمائة» - المؤنس ص ١٤٠، الفارسية ص ١٥٢.
(٢) «وتولى» فى الأصل، والتصحيح من المختصر.
(٣) «الفرنج» فى الأصل، التصحيح من المختصر.
(٤) «توفى فى العاشر لشهر ربيع الثانى من عام تسعة وسبعمائة» - الفارسية ص ١٥٤، المؤنس ص ١٤١.
(٥) «فكانت مدته سنة عشر يوما وبعض يوم» - الفارسية ص ١٥٥، المؤنس ص ١٤١
(٦) يوجد فى الأصل جملة مكررة مما سبق، ملغاة ومنبه عليها.
(٧) «المغرب» فى الأصل.
[ ١ / ١٠٥ ]
وبايعه [العرب (^١)]، وسار إلى تونس، فخلع خالد بن المنتخب، وحبس (^٢)، ثم قتل قصاصا بأبى بكر بن عبد الرحمن المقدّم ذكره.
واستقر اللحيانى فى ملك إفريقية، وهو أبو يحيى (^٣) زكريا بن أحمد بن محمد الزاهد بن عبد الواحد بن أبن حفص صاحب ابن تومرت.
ثم تحرك على اللحيانى أخو خالد وهو أبو بكر بن يحيى المنتخب، وهرب اللحيانى إلى الديار مصر وأقام بالإسكندرية، وملك أبو بكر المذكور تونس وما معها خلا طرابلس والمهدية، فإنه بعد هروب اللحيانى بايع (^٤) ابنه محمد بن اللحيانى لنفسه واقتتل مع أبى بكر فهزمه أبو بكر، واستقر محمد بن اللحيانى بالمهدية وله معها طرابلس.
وكان استيلاء أبى بكر وهروب اللحيانى إلى ديار مصرفى سنة عشرين وسبعمائة (^٥)، وأقام اللحيانى فى الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس فى ذى القعدة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة إلى الإسكندرية يذكر (^٦) فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور قد هرب وترك البلاد، وأن الناس قد اجتمعوا على طاعة اللحيانى وبايعوا
_________________
(١) [] إضافة من المختصر.
(٢) «وجلس» فى الأصل، والتصحيح من المختصر.
(٣) «ابن يحيى» فى المختصر، وهو تحريف.
(٤) «مانع» فى الأصل، والتصحيح من المختصر.
(٥) «فى سنة تسع عشرة وسبعمائة» - فى المختصر ج ٣ ص ١٩٠.
(٦) «يذكرون» فى المختصر.
[ ١ / ١٠٦ ]
نائبه وهو محمد بن أبى بكر من الحفصيين، وهو صهر زكريا اللحيانى المذكور، وهم فى انتظار وصول اللحيانى إلى مملكته (^١).
وقال المؤيد فى تاريخه: اللحيانى المذكور قدم إلى مصر قبل أن يملك، ورأيته بها فى سنة تسع وسبعمائة، وكان حسن الشكل، ضخم الخلقة، قدم إلى ديار مصر وربما أنه حج، ثم عاد إلى بلاد المغرب فملك تونس، وهو مقهور فيها مع العرب، فإنهم يتغلبون عليه.
وقال: وهو صاحب تونس فى زماننا هذا، وهو سنة ثمانى عشرة وسبعمائة (^٢).