فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السابعة والخمسين بعد الستمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، وليس للمسلمين خليفة، والفتن قائمة، وبنو جنكز خان قد أظهروا الفساد، وأهلكوا العباد، وأخربوا البلاد.
وسلطان الديار المصرية: الملك المنصور نور الدين على بن الملك المعز أيبك التركمانى، ونائبه ومدبر مملكته الأمير سيف الدين قطز.
وصاحب دمشق وحلب وغيرهما: السلطان الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، والحرب قائمة بينه وبين المصريين، ولكنه رجع عن ذلك لكثرة الأراجيف بقصد التتار الديار الشامية، حتى أنّ هلاون أرسل إلى الناصر المذكور يستدعيه إليه، فأرسل الناصر ولده العزيز، وهو صغير، ومعه هدايا كثيرة وتحف سنية، فلم يحتفل به هلاون، وغضب على إبنه؛ إذ لم يقدم إليه أبوه، وقال: أنا الذى أسير إلى بلاده بنفسى، فانزعج الناصر لذلك، وبعث بحريمه وأهله إلى الكرك، ليحصنهم بها، وخاف أهل دمشق خوفا [٤١٨] شديدا حين بلغهم أن التتار قد قطعوا الفرات، وصار منهم (^١) جماعة كثيرة إلى الديار المصرية فى زمن الشتاء، ومات كثير منهم، ونهب آخرون.
_________________
(١) (¬*) يوافق أولها الأحد ٢٩ ديسمبر ١٢٥٨ م.
(٢) «وسار كثير منهم» - السلوك ج ١ ص ٤١٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
وأقبل هلاون بجنوده يقصد نحو الشام، ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزرية، وأرسل ولده شموط بن هلاون إلى الشام، فوصل إلى ظاهر حلب فى العشر الأخير من ذى الحجة من هذه السنة، وكان الحاكم فى حلب يومئذ الملك المعظم توران شاه (^١) بن السلطان صلاح الدين نائبا عن ابن ابن أخيه الملك الناصر، فخرج فى عسكر حلب لقتالهم، ولم يكن من الرأى خروجه، وأكمن لهم التتار فى باب إلىّ المعروف بباب الله، وتقاتلوا عند بانقوسا، فاندفع التتار قدامهم حتى خرجوا عن البلد، ثم عادوا عليهم، وهرب المسلمون طالبين المدينة، والتتار يقتلون فيهم حتى دخلوا البلد، واختنق جماعة من المنهزمين فى أبواب البلد، ثم رحل التتار إلى عزاز فتسلموها بالأمان.
وكان الملك الناصر قد أرسل قبل ذلك القاضى الوزير كمال الدين عمر بن أبى جرادة المعروف بابن العديم إلى الديار المصرية رسولا يستنجد المصريين على قتال التتار، فإنهم قد اقترب قدومهم إلى الشام، وأنهم قد استولوا على حران وبلاد الجزيرة وغيرها فى هذه السنة، وقد جاز شموط بن هلاون الفرات واقترب من مدينة حلب.
فعقد لذلك مجلس بالديار المصرية بين يدى الملك المنصور بن الملك المعز أيبك التركمانى، وحضر قاضى القضاة بالديار المصرية بدر الدين السنجارى، وحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأفاضوا الكلام فيما يتعلق بأخذ شئ من أموال الناس لمساعدة الجند، وكانت العمدة على ما يقوله ابن عبد السلام، فكان
_________________
(١) هو توران شاه بن يوسف بن أيوب، الملك المعظم فخر الدين أبو المفاخر، المتوفى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م - المنهل الصافى ج ٤ ص ١٨٠ رقم ٨٣، وانظر ما يلى فى وفيات ٦٥٨ هـ.
[ ١ / ٢١٨ ]
حاصل كلامه أنه قال: إذا لم يبق فى بيت المال شئ، وأنفقتم الحوائص (^١) الذهب وغيرها من الزينة، وتساويتم والعامة فى الملابس سوى آلات الحرب، ولم يبق للجندى سوى فرسه التى يركبها، ساغ أخذ شئ من أموال الناس فى دفع الأعداء، إلا أنه إذا دهم العدوّ وجب على الناس كافة أن يدفعوهم بأموالهم وأنفسهم (^٢).
ثم أن الملك الناصر برز إلى وطاة برزة (^٣) [٤١٩] فى جحافل كثيرة من الجيش والمطوعة والأعراب وغيرهم، ولما سمعوا ما فعل شموط بن هلاون على حلب، وعلموا ضعفهم عن مقاومة المغول انفض ذلك الجمع، ولم يصبر لا هو ولا هم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) حوائص، جمع حياصة: وهى الحزام أو المنطقة - دوزى.
(٢) انظر أيضا السلوك ج ١ ص ٤١٦ - ٤١٧.
(٣) برزة قرية بالغوطة، شمالى دمشق - معجم البلدان.
[ ١ / ٢١٩ ]