وهو الثامن من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ أستقل بالمملكة بعد موت أبيه الملك المنصور قلاون، وذلك في يوم الأحد سادس ذي القعدة من سنة تسع وثمانين وستمائة، وكان مولده في سنة ست وستين وستمائة على ما ذكر.
فلما تسلطن استحلف له سائر الأمراء، ثم ركب بشعار السلطنة من قلعة الجبل إلى الميدان الذي تحت القلعة، وأخلع هناك على الأمراء وأعيان الدولة، وسبب نزوله إلى الميدان فإن الأمراء تخيلوا من طلوعهم إلى القلعة (^٢)، فنزل السلطان إلى الميدان، وأخلع عليهم هناك، ثم أخلع على الأمير علم الدين سنجر الشجاعي واستقر به وزيرًا، وانفض الموكب على ذلك.
فلما كان يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة قبض السلطان على الأمير طرنطاي النائب، وكان بينه وبين الأشرف خليل حظ نفس من أيام والده، وكان الشجاعي يكره الأمير طرنطاي أيضا؛ فحسن للسلطان القبض عليه، فاستدعاه وقت الظهر فطلع إلى القلعة، فلما مثل بين يدي السلطان أمر بالقبض عليه، فحمل إلى الاعتقال وهو على أسوء حال، كما قال القائل في المعني:
أحذر من الناس ولا … في معرك الشد تجل (^٣)
في قلب ليث بتْ وخف … أن بت في قلب رجل (^٤)
ثم إن الأشرف خليل أمر بقتل الأمير طرنطاي النائب، فقتل وهو في السجن، وذلك في ثامن عشر ذي القعدة من السنة المذكورة، فأقام ثلاثة أيام لم
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٦٥ - ٣٧٨؛ جواهر السلوك ١٣٤ - ١٤٠.
(٢) ورد في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٦٥: سبب عدم طلوع الأمراء "خشية أن يقبض عليهم".
(٣) "في معرض الشك بحل" في السحر الحلال في الحكم والأمثال ص ٩٧.
(٤) بحر مجزوء الرجز.
[ ٩٥ ]
يُدفن، ثم أخرجُوهُ بَعدَ ذلك عَلى جَنويّةٍ فغسله وكفنه بعض أصحابه ودفنه في القرافة.
ثم إن الأشرف خليل رسم للشجاعي أنْ يَحتاط على موجود الأمير طرنطاي، فنزل إلى بيته ورسمَ عَلى مُباشرينهِ وَقبض على مماليكه، وجميع حاشيته، وَعَلى نسائه، وسراريه، وأحضر لهم المعاصير وعصرهُم، وَجَعَلَ يُقرَّرهُم على موجوده وأمواله، بقى الشجاعي ينزل في كل يوم إلى بيت الأمير طرنطاي، ويُقرّر جميع [١/ ٢١] حاشيته وعياله فظهر (^١) له أشياء كثيرة من الأموال والتحف وغير ذلك.
ثم إن الأشرف خليل أخلع على الأمير بيدرا واستقر به نائب السلطنة عُوضًا عن الأمير طرنطاي.
ولما تم أمر الأشرف خليل في السلطنة واستقامت أحواله؛ أرسل خلف القاضي شمس الدين ابن السلعوس وكان بالحجاز الشريف مِنْ أيام والده المنصور قلاون، فلما صار الأمر إلى الأشرف خليل أرسل له نجاب، وعلى يده مَرْسُومٌ، وَحَشَاهُ الأشرف بخطه، بقلم العلامة بين السُطُور، وهو يقول: "يَا شقير، جُدَّ السير، جَاءَ الخير".
وكَانَ كثيرًا ما يُحشى في مراسيمه بقلم العلامة.
وحشا أيضًا مرسُومًا إلى دمشق، لما رسم بإسقاط مَا كَانَ يُؤخذ مِنْ بَابٍ الجابية على كل حمل من القمح خمسة دراهم مَكسًا، فكتب في مرسومه بين السطور: "ولنكشف عن رعايانا هذهِ الظُّلامة، ونستجلب بذلك الدُّعَاءِ لَنَا مِنَ الخاصة والعامة"؛ وَهوَ أولُ سُلطان حشا في المراسيم بخطه بين السطور.
فلما حضر شمس الدين ابن السلعوس من الحجاز خلع عليه، واستقر به وزيرًا، وفوض إليهِ أَمرَ المملكة جَميعها، وَخُلعَ الشُجَاجي من الوزارة، وكان حضور ابن السلعوس من مكة في ثالث عصر المحرم مع مبشر الحاج.
وَكَانَ أَصَل ابن السَلعُوس تَاجرًا في دمشق، فحضر إلى مصر، وَصَارَ في خدمة الأشرف خليل من أيام والده قلاون، ثم إن ابن السلعوس استاجر للأشرف خليل مواضع كثيرة بدمشق، فحصل له منها ربح كثير، فلما أحضره بين يدي
_________________
(١) في الأصل "فطهر".
[ ٩٦ ]
الأشرف خليل فأعجبه ذلك، وحظي عنده ابن السلعوس فجعله ناظر ديوانه، وكان يكتب خطا جيدا، فلما بلغ المنصور قلاوون أن ابن السلعوس قد احتوى على عقل ولده خليل فأمر بنفيه إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات قلاوون، وتسلطن ابنه خليل أرسل خلفه، كما تقدم.
فلما حضر استقر به وزيرا وفوض إليه أمور المملكة، وأحال الأمراء وأعيان الناس في أشغالهم عليه، ورسم السلطان لجماعة من رؤوس النوب والمماليك السلطانية بالركوب في خدمته كل يوم، فصار يركب في موكب عظيم، وكانت القضاة الأربعة تركب قدامه في أيام المواكب، فرقى ابن السلعوس في دولة الأشرف خليل إلى السهى، وأظهر من العظمة والكبرياء أمرا عظيما، وصارت الناس قاطبة على بابه، وانفرد بالكلمة، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، فكان كما قال القائل:
مَلِكٌ إِذَا قَابَلتُ بِشَرَ جَبِينِهِ … فَارَقْتُهُ وَالْبِشْرُ فَوْقَ جَبِينِي
وَإِذَا لَثَمْتُ يَمِينَهُ وَخَرَجْتُ مِنْ … أَبْوَابِهِ لَثَمَ الْمُلُوكُ يَمِينِي (^١)
وكان الأشرف خليل لما قتل الأمير طرنطاي النائب صفا له الوقت وطاش، واستخف بالناس، وعظم أمره، ثم إنه جرد وخرج بنفسه إلى نحو البلاد الشامية، وقصد حصار مدينة عكا، وكانت بيد الفرنج، وكانوا يقطعون الطريق على المسلمين من التجار وغيرهم، فتوجه الأشرف خليل إليها وحاصرها ونصب عليها المناجنيق، وكان عدتهم نحو خمسة وسبعين منجنيقا، فأقام يحاصرها مدة يسيرة هو والعساكر، فأعطاه الله تعالى النصر ففتحها بالسيف في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخر من سنة تسعين وستمائة (^٢).
فلما فتحت عكا فأمر بهدم سورها، وكذلك صيدا وبيروت، وكانت مدينة عكا من أحسن المدائن، وأعمرها، وصاروا الناس من بعد ذلك ينقلون منها الرخام الملون مدة طويلة، ومن جملة ما نقل منها وهو الباب الرخام الذي على المدرسة الناصرية التي بين القصرين، وكان هذا الباب على كنيسة بها، ولما
_________________
(١) بحر الكامل؛ البيتان لعمارة اليمني. (انظر: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية ٢/ ٢٩٨).
(٢) في جواهر السلوك، ابن إياس، ص ١٣٦: الخبر جاء مضطربًا وغير واضح؛ كما جاء في أحداث سنة ٦٨٩ هـ.
[ ٩٧ ]
فُتحت عكا استشهد يوم فتحها اثنا عشر أميرًا، ونحو مائة مملوك (^١)، وَماتَ بِهَا العزي نقيب الجيوش المنصورة؛ وهو صاحبُ سُويقة العزي (^٢).
ثم رجع الأشرف خليل إلى الديار المصرية، وهو في غاية النصر، وَكَانَ يَومَ دُخُوله إلى القاهرة يومًا مشهودًا، وَزُينتْ لهُ فدخلَ مِنْ بَابِ النَّصرِ، وَشِقَ من المدينة.
فلما وصل إلى البيمارستان التي بين القصرين نزَلُ هُناكَ وِزَارَ قَبرَ وَالدَهُ قلاون، ثم رَكبَ وطلع إلى القلعة والأمراء مُشاه قُدَّامه حتى طلع إلى القلعة، فأخلع على الأمير بيدرا النائب، وعلى الوزير وأرباب الوظائف، وغيرهم من أعيانِ الناس، وفيهِ يَقُولُ القاضي مُحيى الدين ابن عبد الظاهر كاتب السّر الشريف:
يا بني الْأَصْفر قد حل بكم … نقمة الله التي لا تنفصل
نزل الأَشرَف في ساحلكم … فَأَبْشِرُوا مِنْهُ بِصل (^٣) مُتَّصِل (^٤)
وقال محمد بن غانم في الأشرف خليل وَيُوسُف بن أيوب:
مليكان قد لقبا بالصلاح … فهذا خليلُ وَذَا يُوسف
فيوسف لا شك في فضله … ولكن خليل هُوَ الأَشْرَفُ (^٥)
وَلَمَا رَجِعَ الأشرف خليل من هَذهِ السفرة أخذ في أسباب القبض على جماعةٍ مِنَ الأمراء، فمسك الأمير حسان الدين لاجين السلحدار نائب الشام وحبسه بقلعة صفد (^٦) لما كانَ عَلى مدينة عكا، ثم أمسك الأمير سنقر الأشقر الذي كان تسلطن بدمشق، كما تقدم، وقبض على الأمير طقصُوا، وأرسلهما إلى مصر قبل حُضُوره.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٦٨: "وقتل من المماليك السلطانية مائة وعشرين مملوكًا"؛ في جواهر السلوك ص ١٣٦: "ومات يوم فتح عكا … وثلاثة وخمسون مملوكًا من مماليك السلطان، ومات نحو ثلاثين مملوكًا من مماليك الأمراء".
(٢) هذه السويقة خارج باب زويلة قريبة من قلعة الجبل، كانت من جملة المقابر التي خارج القاهرة، فيما بين الباب الحديد والحارات وبركة الفيل، وبين الجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل. (الخطط المقريزية (٣/ ١٩٣).
(٣) كذا في الأصل وجواهر السلوك ص ١٣٦؛ "بصفع" في السلوك ٢/ ٢٢٥.
(٤) بحر الرمل البيتان في المصدر السابق ٢/ ٢٢٥. بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٦٩.
(٥) بحر المتقارب البيتان في فوات الوفيات ١/ ٤١٠. الوافي بالوفيات ١٣/ ٢٥٢. المقفي الكبير ٣/ ٤٥٩. عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ٣/ ٧٤ - ٧٥. ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٦) كذا في الأصل وجواهر السلوك ص ١٣٧؛ وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٩٦: قبض عليه وأرسله إلى ثغر الإسكندرية.
[ ٩٨ ]
فلما حضر مسك الأمير جُرمكى وقيدهم، ثم أحضر الأمير لاجين من السجن، فلما أكملهم سبعة من الأمراء فأمر بخنقهم فخنقوا تحت الليل، فلما أخرجوهم ليدفنوهم فوجدوا الأمير لاجين فيه بعض رُوحٍ، فَأَخبِرُوا بِهِ السلطان فَرَقَّ لَهُ وَأنعم عليه بتقدمة ألف.
ثم أفرج عن الأمير بيسري، وأحضرَهُ من السجن، وسبب ذلك أن السلطان لما قدم من السفر وشق المدينة، فلما جَازَ عَلى بيت الأمير بيسري خرجوا بأولاده على الباب، وكانوا ستّة أولاد ذكور صِغَار، فَبَاسُوا الأرض للسلطان، فقَالَ: "مَنْ هَؤلاء"، فقَالُوا له الأمراء هؤلاء أولاد مملوكك بيسري"، فرق لهم، ورسمَ لَهُمْ بالإفراج عن أبيهم فأحضره، وأنعم عليه بتقدمة ألف.
ثُم دخلت سنة إحدى وتسعين وستمائة، فيها سافر السلطان إلى نحو البلاد الشامية، ثم توجه إلى حلب، ثم إلى قلعة الروم (^١)، فنصبَ عَليهَا ثلاثة وعشرين منجنيقا، ففتحها في يوم السبت حادى عشر رجب، وكانت هذه القلعة كرسى مملكة الأرمن.
ثُم دخلت سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فيها رجع السلطان إلى القاهرة، فَأَقَامَ مُدّة، ثُمَ سَافِر عَلى الهجنِ إلى الكرك، واستقر بالأمير أقوش نائب الكرك.
ثم توجه إلى دمشق، فعرض هناك العساكر، وَعَيَّنَ منهم جماعة مِنَ الأمراء والمماليك السلطانية إلى مدينة سيس، وعلى أن السلطان يجي بعدهم، فلما وصلوا العساكر إلى سيس، أرسل صاحب سيس يطلب الصلح، فكاتبوا السلطان بذلك فأشاروا جماعة مِنَ الأمراء على السلطان بعمل المصلحة في أمر الصلح، فوقع الرأي عَلى ذلك، فَسَلمهُمْ صَاحب سيس إليهم ثلاث قلاع وهُمْ: بهنسا، ومرعش، وتل حمدون، فحصل بذلك للمُسلمين غاية الخير.
ثم إن السلطان أقام بدمشق إلى مُستهل رجب، ثُم توجه إلى نحو حمص، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى ثلاثة أيام، فلما عزم على الرحيل قبض على الأمير مهنا بن عيسى وعلى أخوته، وولى الأمير علي بن حديثة عُوضًا عن مهنا بن عيسى.
_________________
(١) قلعة حصينة في غربي الفرات مقابل البيرة بينها وبين سميساط بها مقام بطرك الأرمن خليفة المسيح عندهم ويسمونه بالأرمنية كتاغيكوس، وهذه القلعة في وسط بلاد المسلمين. (معجم البلدان ٤/ ٣٩٠).
[ ٩٩ ]
ثم رجع إلى دمشق، ثُم رسم للأمير بيدرا النائب بأَنْ يَأْخذ العساكر ويتوجه إلى القاهرة، فتوجّه بيدرا بالعسكر إلى مصر.
وأقام السلطان بَعدَة بدمشق على سبيل التنزة أيامًا، ثم قصد التوجه إلى القاهرة، فدخلها في موكب عظيم.
وكان الأشرف خليل مَسْعُودًا في حركاته، شُجاعًا مِقدامًا صَابِرًا عَلَى القتال والحرب، ولو طال عمره لأفتتح غالب بلاد العراق، ولا يُعرف في أبناء الملوك منْ يُناظره في الشجاعة والإقدام، وعلى هذا قد اتفقوا أرباب التواريخ مِنَ المتقدمين والمتأخرين.
وفي هذه السنة وهي سنة اثنتين وتسعين وستمائة توفي القاضي محيى الدين ابن عبد الظاهر كاتب السّر الشريف، وَهوَ صَاحب الأشعار اللطيفة، وكان مولده في سنة عشرين وستمائة، وَعَاشِ منَ العُمر اثنتين وسبعين سنة، ومن شعره اللطيف، وهو قوله:
شَ كْرًا لنس مة أرض كم … كم بلغت عنى تحية
لا غرو إن حفظت أحا … ديث الهوى فهي الذكية (^١)
ثُمَّ دَخلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فيها: توجّه السلطان الملك الأشرف خليل إلى نحو البحيرة في ثالث المُحرم، وذلك على سبيل التنزة، فَلَمَا مَضى إلى البحيرة توجّه إلى مكان يُعرف بالحمَامَاتِ، وَهوَ غربي تروجة (^٢)، فقصد يتصيّد هناك، وكانَ قَصِدَهُ أنْ يدخل إلى الإسكندرية.
فأرسل الصاحب شمس الدين ابن السلعوس إلى ثغر الإسكندرية ليُجهز للسلطان الإقامات والتقادم، فوجدَ غِلمَان الأمير بيدرا النائب بثغر الإسكندرية، وقَدْ استولوا على البهار، وادخروا منه في الحواصل ما ليس مثله في الحواصل السلطانية، فأرسل ابن السلعوس يُكاتب السلطان بما رأى مِنْ حواصل بيدرا، وَمَا فِيها مِنَ البُهار.
_________________
(١) بحر الكامل؛ ديوان الصبابة ص ١١٥. خزانة الأدب، ابن حجة الحموي ٢/ ٦٥؛ ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٢) قرية بمصر من كورة البحيرة من أعمال الإسكندرية؛ وقد اندثرت هذه القرية، ومكانها اليوم كوم تروجة الواقع بحوض تروجة بمركز أبو المطامير بالبحيرة (معجم البلدان ٢/ ٢٧. القاموس الجغرافي ١/ ١/ ١٩٠).
[ ١٠٠ ]
فأرسل السلطان خلف الأمير بيدرا بحضرة الأمراء ووبخه بالكلام بين الأمراء، وتوعده بكل سُوءٍ، فتلطف به الأمير بيدرا في الكلام حتى خرج من بين يديه، فاجتمع بأعيان خُشدَاشينه وَهُمْ الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، والأمير شمس الدين قراسنقر، وغيرهما من الأمراء ممن هُوَ مِنْ عُصبتهِ، فاتفق رأيهُمْ عَلى الوَثوب عَلى السلطان في ذلك المكان، وكان السلطان أعطى لكل من الأمراء دستورًا بأن يتوجهوا إلى القاهرة إلى حين يَعُود السلطان، فلم يبق مَعهُ سوى بعض مماليك من خواصه.
فلما كان يوم السبت خامس المُحرم ركب السلطان مُنفردًا وَحدَهُ، وَليسَ مَعَهُ سوى الأمير شهاب الدين ابن الأشد أمير شكار.
فلما بلغ الأمير بيدرا ذلك قال: "هذا أوان انتهاز الفرصة"، فأرسل خلف خشداشينه وهم: الأمير قراسُنقر، ولاجين، وبهادر رأس نوبة، واقسنقر الحسامي، وغيرهم من الأمراء والخاصكيّة، فشدوا تراكيشهمْ فِي أَوْسَاطُهُمْ وركبوا خيولهم، وَسَاقُوا خلف السلطان فوجدوه منفردًا وحده وَليسَ مَعَهُ سوى شهاب الدين ابن الأشد أمير شكار، وبعض مماليك صِغَار.
فلما رأى السلطان الأمراء وَهُمْ قَاصدينه، وكانوا نحو عشرة مِنَ الأمراء والخاصكية، فأحس منهم بالشر، وظهر له منهم الغدر، فلما وَصَلُّوا إِليه عَاجِلُوهُ بالحسام قبل الكلام، فأول من ابتدأه بالحسام الأمير بيدرا النائب، فضربه بالسيف على يدّهِ، فصَاحَ عليه الأمير لاجين، وقال له: "يا نحس من يُريد أن يتسلطن يضرب هذه الضربة".
ثم ضربه لاجين على كتفه ضربة، فوقع إلى الأرض، فجاء الأمير بهادر رأس نوبة ونزل عن فرسهِ، وَأدْخل السيف من دبره، وأطلعه من حَلَقِهِ، وبقى كلَّ وَاحِدٍ مِنْ الأمراء يظهر ما في نفسه من الأشرف خليل، ثم تركوه ميتًا [٢٤/ ١] في المكان الذي قتل به.
ثُم رَدُوا إِلى الوِطَاقِ، وَاشْتَورُوا فيمن يسلطئُوهُ، فوقع رأيهِمْ عَلَى سَلطنة الأمير بيدرا النائب، فحلفوا له الأمراء، وَبَاسُوا له الأرض، ولقبوه بالملك الأمجد، وقيل: "بالملك الرحيم".
[ ١٠١ ]
ثم قصدوا التوجه إلى القاهرة، فاركبوا بيدرا تحت العصائب السلطانية، ثم مسكوا جماعة من الأمراء الذي (^١) تخلفوا هناك منهم: الأمير بيسري، والأمير بكتمر السلحدار، وغيرهم من الأمراء.
فلما وصل هذا الخبر إلى الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، فخرجوا على حمية، ومعهم المماليك السلطانية، فلما عَدوا من الجيزة، وَوَصلُوا إلى الطرانة (^٢) تَلَاقُوا هُناكَ مَع بَيدرا فوقع بينهما هناك وقعة عظيمة، فلما بَانَ على بَيدرا عينَ الغُلب، فَصَارَ يتسحب من كانَ مَعهُ منَ المماليك السلطانية، ويجي إلى الأمير كتبعًا.
وكان بيدرا قدْ جَمعَ مَعهُ عُربان كثيرة، فلما رأوا حَالَ بَيدرا تلاشي إلى الغُلب، فَلوا عَنهُ وَرَجِعُوا إلى البحيرة، فلم يكن إلا ساعة يسيرة، وقد مُسك الأمير بيدرا ومنْ كانَ مَعهُ من الأمراء، فلما مُسك بيدرا قتلوه المماليك الأشرفية، وشقوا بطنه، وأخرجوا كبدهُ، وَصَارَ كلّ أحدٍ منهُمْ يَقطَّعَ مَعَهُ قطعة، ثُمَ حَزُوا رَأسه وحملُوهَا عَلى رُمح، وقصدوا التوجه إلى القاهرة.
فلما دخلوا إلى القاهرة طافوا برأسه في المدينة، وَهرَبَ مِنْ كَانَ مِنْ عُصِبَةٍ بيدرا، وَهُمْ: الأمير لاجين، والأمير قراسُنقر، وغير ذلك ممن كان من عُصبة بيدرا، ثم إن الأمير سنجر الشجاعي نادى أن أحدًا مِنَ النواتية لا يعدى بأَحدٍ منَ المماليك الذي (^٣) كانُوا مع بيدرا هذَا مَا كانَ مِنْ أمر بيدرا بعد قتل الأشرف خليل.
وأما ما كانَ مِنْ أمر الأشرف خليل فأنه أقام بعد قتله ثلاثة أيام، وهو مطروح في البرية حتى قيل: أنَ الذباب أكلوا منهُ جَانب، حَتى قَالَ الشاعر في المعنى، من أبيات:
أَلَمْ تَرى أن الليث حَقًّا تَنَاهَشَتْ … ذياب الفَلا منهُ ذِرَاعًا وَسَاعِدَا (^٤)
ثم إن والى تروجة، وهو أيدَمُر الفخري، حَملَ السلطان على جملٍ وَأتى به إلى القاهرة، فَغُسل وكفن وصلى عليه، ودُفن في مدرسته التي بالقرب من السيدة نفيسة.
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٢) هي بلدة مصرية قديمة بالقرب من بركة النطرون، وهي الآن إحدى قرى مركز كوم حمادة بمديرية البحيرة. (الانتصار ٢/ ٣١١. والنجوم الزاهرة ١١/ ٢٩ هامش (٣).
(٣) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٤) بحر الطويل.
[ ١٠٢ ]
وَكَانَ مَلَكًا جَليلًا مُهَابًا، ضخم الجسد، كبير الوجة، مستدير اللحية، حسن الوجة، شديد البأس، وكانَ مُنهمكًا عَلى اللَّذَاتِ، يَميلُ إلى اللهو والطرب والسماع الطيب، وشرب الراح، وحبّ الملاح.
قال القاضي محيى الدين ابن عبد الظاهر كاتب السّر الشريف: «مَا رَأيتُ ولا سمعتُ بأسبق من ذهن (^١) الملك الأشرف خليل، ولقد كنتُ أحضر بالمراسيم للعلامة، فما عَلَمَّ عَلى مرسُومٍ قط، إلا وقرأه جميعه، وفهم ما فيه، بل وكانَ يُخرج علينا بأشياء كثيرة فيها الصواب، ولقد تعاظم في أخر الوقت، حتى صَارَ يكتب في موضع العلامة، (خَا) وَهوَ إشارة إلى الحرف الأول من اسمه، ومنع الكتاب بديوان الإنشاء بأن لا يكتبوا لأحد من الأمراء والنواب «الزعيمي»، وكان يقول: "من زعيم الجيوش غيري".
وكان له معرفة تامة بأحوال المملكة، وكان كفوًا للسلطنة، ولكن كان من مساوئه أنهُ كَانَ يَسمع من وزيرهِ شمس الدين ابن السلعوس، وكان ذلك سَببًا لزوَالِ مُلكه.
وكان من مساوئه أيضًا أنه نفى أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقداري إلى القسطنطينية وهُما سلامش وأخيه خضر، وقد تقدم ذلك، وكان ذلك غاية المساوئ.
ولكن كان عنده العدل والإنصاف في حق الرعيّة لا يُراعى في الحق أحد من
الأمراء ولا غيرهم إذا ظهر له الحق، ومما مُدحَ بهِ، وَهوَ قُولُ الْقَائِلُ فِيهِ مِنْ
أبيات: [٢٥/ ١]
يا أيها الملك الذي سطواته … حملت بها الأعداء في يقظاتها
ملك تقر له الملوك بأنه … إنسان أعينها وعين حياتها
شتت شمل المال بعد وفوره … وجمعت شمل الناس بعد شتاتها
وظهرت بالعدل الذي أمسى به … في البيد يخشى ذئبها من شاتها (^٢)
وكانت قتلته في عصر يوم السبت خامس عشر المُحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وَمَاتَ وَلهُ منَ العُمر نحو من ثلاثين سنة، وهو في خيَارِ شَبَابِهِ.
_________________
(١) في الأصل "دهن". والتصحيح من المقريزي نقلا عن ابن عبد الظاهر (انظر: المقفى الكبير ٣/ ٤٥٦)
(٢) بحر الكامل؛ الأبيات لصفي الدين الحلي (انظر: ديوان صفي الدين الحلي، ١١٧ - ١١٨. بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨. النجوم الزاهرة ١١/ ٨٦).
[ ١٠٣ ]
وكانت مدة سلطنته بالديار المصريّة ثلاث سنين وشهرين وأيام.
وَأَمَّا فتوحاته الذي فتحها في أيامه وهي: مدينة عكا، وَصُور، وصيدا، وبيروت، وعتليت (^١)، وقلعة الروم، وَبَهسنَا، وَمرعش، وَتلَ حَمدُون.
ومما أنشأه في أيامه وهي: الأشرفية التي بالقلعة (^٢)، والمدرسة التي عند مشهد السيدة نفسية.
وقيل: أن المماليك بَلغُوا في أيامه اثنى عشر ألف مَملُوك (^٣).
وَلَمَّا قُتل الأشرف، وقدمَ عَلى رَبهِ تعالى وأشرف، فأتفق رأي الأمير كتبغا وبقية الأمراء على سلطنة أخيه محمد بن قلاون، وأن يكون الأمير كتبغا نائب السلطنة ومدبر المملكة، فعند ذلك سلطنوه ولقبوه بالملك الناصر محمد.
_________________
(١) اسم حصن بسواحل الشام ويعرف بالحصن الأحمر. (معجم البلدان ٤/ ٨٥).
(٢) هذا القصر المعروف بالأشرفية أنشأه الملك الأشرف خليل بن قلاون في سنة اثنتين وتسعين وستمائة. (الخطط المقريزية ٣/ ٣٦٩).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨: "ستة ألاف مملوك".
[ ١٠٤ ]