وهو الرابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثاني من أولاد محمد بن قلاون، تولى المملكة بعد أخيه المنصور، وجلس على سرير الملك في يوم الإثنين حادي عشرين صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فَجَلسَ على سرير الملك وله من العمر سبع سنين (^٢).
فلما تم أمره في السلطنة أخلع على المقر السيفي قُوصُون الناصري واستقر نائب السلطنة، وأتابك العساكر، وسكن في دار النيابة، وتصرف في أمور المملكة بحسبما يَختَارَهُ منها، فكان إذا حضرت العلامة، أخذَ قُوصُون بيد السلطان كجك والقلم في يده حتى يريه كيف يعلّم على المراسيم والمناشير، وكان الأمر جميعه بيد قُوصُون وَالسُلطان معه مثل العصفور في يد النسور.
فاضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية، وكثر الخلف بين الأمراء، وتوقفت أحوال الرعيّة، وَحَصَلَ لِلنَّاسِ الضرر الشامل بسبب ذلك، وَقَدْ قَالَ بَعضُ الشعراء في المعنى:
سُلطَانِنَا الْيَوْمِ طِفْلٌ وَالاكابر في … خُلفٍ وبينهم الشَّيْطَانُ قَدْ نَزَغَا
فكيف يطمع مَنْ مستهُ مظْلِمَة … أَنْ يبلغ السؤل وَالسُّلْطَانِ مَا بَلَغَا (^٣)
ثُم إن الأتابكي قُوصُون صَارَ في كلِّ يوم يمسك جماعة من المماليك السلطانية، وَأَرسل إلى الطنبغا نائب الشام يأمره بالقبض على طشتمر حمص أخضر نائب حلب.
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٩٠ - ٤٩٤؛ جواهر السلوك ١٨١ - ١٨٢.
(٢) في جواهر السلوك ١٨١: "تسع سنين".
(٣) بحر البسيط؛ البيتان في: المختصر في أخبار البشر ٤/ ١٣٥ وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٣٢١: "فقلت في ذلك"؛ السلوك لمعرفة دول الملوك ٣/ ٣٣٩ مورد اللطافة ٢/ ٧١. النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٢. حسن المحاضرة ٢/ ١١٦. وذكر كلا من نجم الدين الغزى والمحبي أن البيتين لزين الدين عمر ابن المظفر الوردي، انظر: حسن التنبه لما ورد في التشبه مقدمة ٢٦. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ٤/ ١٩٥.
[ ١٦٨ ]
فلما بَلغَ طشتمر ذلك قوي عزمه على أن يتوجه إلى الكرك، ويحضر الأمير أحمد ولد السلطان الملك الناصر محمد من الكرك، وكان مُقيمًا بها من أيام والده الملك الناصر، وقد تقدم ذلك.
فلمَا بَلغَ الأتابكي قُوصُون ذلك، أرسل الأمير قطلو بُغَا الفخري إلى الكرك، بأن يقبض على الأمير أحمد ولد السلطان الملك الناصر، ويتوجه به إلى السجن بثغر الإسكندرية، فلما توجه الأمير قطلوبغا الفخري إلى الكركِ، كاتب نائب حلب ونائب حماة ونائب صفد بأنْ يكُونُوا عَونًا له على أن يحضر الأمير أحمد من الكرك إلى القاهرة، ويسلطئُوهُ عُوضًا عن أخيه كجك، فوقع اتفاقهم على ذلك، وتوجهوا إلى دمشق بمن معهم من العساكر ليقبضُوا عَلَى الطنبُغَا نَائب الشام لأنهُ كانَ من عُصبة قُوصُون، فأرسل الطنبُغَا نائب الشام إلى النواب يسألهم في الصلح، وأنه يكون تحت الطاعة للأمير أحمد ولد السلطان الملك الناصر، فوقع الاتفاق على ذلك.
فلما بلغ الأتابكي قُوصُون ذلك أَرَادَ أنْ يقبض على الأمير أيدغمش أمير أخُور كبير، فلما بَلَغَ أيدغمش ذلك، ركب هُوَ وَالأمير أقسنقر والأمير يلبُغَا اليحياوي، وجماعة الأمراء، وطلعوا إلى الرملة، وَأَحَاطُوا بالقلعة.
ونادي الأمير أيدغمش للعسكر كلّ منْ لمْ يكُن عنده فرس يحضر إلى الأسطبل السلطاني، ويأخذ له فرس، فطلعوا إليه العسكر قاطبة، ففرق عليهم عدة خيول من الأسطبل السلطاني، فوثب العسكر بأجمعهمْ عَلَى قُوصُون، فلما تحقَّقَ قُوصُون أن الركبة عليهِ [٥٧/ ١] أقام بالقلعة وَحصَّنها.
ثم إن الأمير أيدغمش نادي للأعوام بأن ينهبوا بيت قُوصُون، فَدَخَلُوا إِلَيهِ السواد الأعظم من الأعوام، وأحرقُوا بَابه ونهبوا أسطبَلهُ، وَمَا كَانَ في حواصله من سُكرٍ وَخيامٍ ونحاس وصيني وسلاح وغير ذلك، وهو ينظر إليهم من شباك طبقته التي فوق الأسطبل السلطاني، فبقى قُوصُون يقول: " يَا مُسلمين، مَا تحفظوا هذا المال، أما أن يكون لي أو للسلطان"، فقال الأمير أيدغمش أمير أخور: "هذا شكرانه للعوام، والذي عندك من المال والتحف يكفي السلطان"، فصار العوام كلّ منْ رَأوه من مماليك قُوصُون أو مِنْ حَاشِيَتِهِ يَقْتُلُوهُ في الطرقات، واستمر الأمر على ذلك إلى بعد الظهر، فانكسرَتْ هَمَّه قُوصُون عن القتال، وتسحب من كان عنده من العسكر، فهجم عليه الأمير أيدغمش ومسكه وقيده وسجنه في الزردخاناة.
[ ١٦٩ ]
فلما مُسكَ قُوصُون نهب العوام خانقاته التي داخل باب القراقة، وجامعه الذي بالقرب من بركة الفيل، ثم إن الأمير أيدغمش صَارَ يمسك الأمراء الذي (^١) كانُوا من عصبة قُوصُون، ثم أرسلُوا قُوصُون إلى السجن بثغر الإسكندرية، وفيه يَقولُ المعمار:
شَخْصٌ قَوْصُون رَأَيْنَا … فِي العُلالِيقَ مسمَرُ
فَعَجِبْنَا مِنْهُ لَمَّا … جَاءَ فِي التَّسْمِير سُكَّرُ (^٢)
وكان أميرًا عظيمًا مَليًا مُهَابًا، صَارَ في أيام الأشرف كجك صاحب الحل والعقد، وتصرّف في أمور المملكة كما يختار.
فلما أُرسلَ قُوصُون إلى السجن، خُلعَ الأشرف كجك من السلطنة، ودخل إلى دور الحرم، ثم أرسلوا الأمراء إلى الأمير أحمد بن الناصر محمد ليحضر من الكرك، حتى يُولُوهُ السلطنة، فخُطبَ باسمه في القاهرة قبل حُضُوره من الكرك، وَلُقب بالملك الناصر إلى أن حضر، وتولى السلطنة، كما سيأتي ذلك في موضعه.
فكانت مدة أخيه الأشرف كجك في السلطنة إلى أنْ خُلع خمسة أشهر.
وأقام في دور الحرم إلى أنْ مَاتَ عَلى فَرَاشِهِ في دَولة أخيه الملك الكامل شعبان، وكان أبوه الملك الناصر محمد بن قلاون لحظ فيه بعين الفراسة أنه يلي الملك وهو صغير، فسماه كجك يعني سُلطان صغيّر، فتسلطنَ وَلَهُ مِنَ العُمر خمس سنين، وقيل: دون سبع سنين.
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٢) بحر مجزوء الرمل.
[ ١٧٠ ]