وَهوَ الخامس من مُلُوك الترك وَأَوْلَادِهم بالديار المصرية، وإنما سمي بركة خان على اسم جده لأبيه، وكان مولده في شهر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة.
فلما جلس على سرير الملك بعد أبيه، فكان القائم بتدبير دولته الأمير بدر الدين بيليك الخازندار نائب السلطنة، فحلف له الأمراء، وتم أمره في السلطنة، فأَقامَ مَاشِيًا على نظام وَالدِهِ مُدَّة يسيرة.
ثم إن الأمير بيليك توفي في أوائل دولة الملك السعيد، وكان الأمير بيليك رجلًا جيدًا صالحًا دينًا، كثير البر والصدقات، أقام نائبًا بمصر مدة أيام الملك الظاهر بيبرس، وَمُدّة يسيرة من أيام ولده الملك السعيد.
وَلَمَا مَات حزنُوا عليه الناس حُزنًا شديدًا، واضطربت أحوال دولة الملك السعيد بعده وطاش فمسك جماعة من أمراء والده منهم الأمير سنقر الأشقر، والأمير بيسري وكانا جناحا والده، ثم إنه أفرج عنهما (^٢)، ثم استقر بالأمير آقسنقر الفارقاني نائب السلطنة عُوضًا عن الأمير بيليك الخازندار، فأقام مدة يسيرة، ثم قبض عليه وسجنه، ثم أرسل بخنقه وهو في السجن فخنقه، ثم استقر بالأمير كَوُنْدَك نائب السلطنة.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وستمائة، فيها سافر الملك السعيد محمد إلى نحو الشام، ونزل بالقصر الأبلق الذي أنشأه والده بدمشق، ثم صَارَ يَأخذ في أَسبَابِ إِبعَادِ أمراء أبيه، وقصد يمسك جماعة منهم.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٤٢ - ٣٤٦؛ جواهر السلوك ١٢٥ - ١٢٧.
(٢) خبر الإفراج عنهما لم يرد في بدائع الزهور وحواهر السلوك.
[ ٨١ ]
فلما بلغ الأمراء ذلك خرجوا من دمشق، وأقاموا بالمرج (^١)، ثُمَّ إِنَّهُمْ رَحلُوا عَنِ المرج، ونزلوا بالجسُورَة (^٢) وَقدْ أظهروا الخلاف والعصيان على الملك السعيد، فلما بلغه ذلك فأرسل إليهم الأمير شنقر الأشقر، فلاطفهُمْ فأبوا الصلح.
فلما عاد الجواب بذلك فركبت خوند والدة الملك السعيد، وكانت سافرت معه إلى الشام، فلما جرى هذا الخُلف بين الأمراء وبين ابنها الملك السعيد فركبت وتوجهت إلى الأمراء بنفسها، وكان الأمراء نازلين بمكان يُقالُ له الكسوة (^٣) بالقرب من دمشق، فلما اجتمعت بهم مشت بينهم وبين ابنها في أمر الصلح فأبوا من ذلك فرجعت والمجلس مانع.
ثم إن الأمراء رحلوا وقصدوا التوجه إلى نحو الديار المصرية، ثم إن السلطان الملك السعيد رحل أيضًا من دمشق، وقصد التوجه إلى مصر وجمع معه جمًا كثيرًا من عسكر الشام ومن عربان نابلس، ونفق (^٤) عليهم الأموال، وصل إلى غزة، فصار أكثر العُربان يتسحبون من عنده وكذلك عسكر دمشق وجماعة من النواب، ولم يبق مع السلطان الملك السعيد إلا مماليكه خَاصَةٌ وَمِنَ الأمراء سنقر الأشقر.
فلما وصل إلى المطرية (^٥) فبلغ الأمراء الذين بمصر مجيء السلطان فركبوا وَخرجوا إليه على حميّة، وَكانَ في ذلك اليوم ضباب عظيم، وهذا من لطف الله بالمسلمين فسترَ اللهُ عَلى الملك السعيد حتى طلع إلى القلعة ونجي بنفسه.
فلما بلغ الأمراء طلوع السلطان إلى القلعة فرَجِعُوا من المطرية، وَحَاصِرُوهُ وهو في القلعة ثم إن المماليك السلطانية صَارُوا يتسحبُونَ مِنَ القلعة وينزلون إلى الأمراء واستمر الحرب ثائر بينهم سبعة أيام.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٤٤: "المرج الأصفر"؛ وفي النجوم الزاهرة ٧/ ٢٦٦: "مرج الصفر"؛ وموضعها بين دمشق والجولان صحراء. (معجم البلدان ٣/ ٤١٣).
(٢) بظاهر دمشق (انظر: نزهة الممالك والمملوك، ص ١٢٦).
(٣) قرية هي أول منزل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر. (معجم البلدان ٤/ ٤٦١).
(٤) كذا في الأصل. والصواب "أنفق".
(٥) من قرى مصر بمحافظة القاهرة، عندها الموضع الذي به شجر البلسان الذي يستخرج منه الدهن فيها والخاصية في البئر، يقال إن المسيح اغتسل فيها. (انظر: المصدر السابق ٥/ ١٤٩؛ القاموس الجغرافي ١/ ٢/ ١١).
[ ٨٢ ]
فعند ذلك أرسل الخليفة إلى الأمراء يقول لهم: "إيش أخر هذا الحال، وَمَا قصدكم"، فقالوا: "قصدنا يخلع نفسهُ مِنَ الملكِ ونرسله إلى الكرك من غير سجن".
فعند ذلك اجتمع الخليفة بالسلطان وذكر له ذلك، فأجابَ إِلَى الخُلع وَنزِلَ مِنَ القلعة، وحضر الخليفة والقضاة الأربعة، وشهدوا عليه بالخلع، وأرسلوه إلى الكرك من وقته، وكان المتسفر عليه الأمير بيدغان الركني المعروف بسم الموت، فسار به إلى الكرك، وذلك في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة.
فكانت مُدّة سلطنة الملك السعيد بالديار المصريّة سنتين وشهر وأيام.
ثم إنه أقام في الكرك إلى أوائل ذي القعدة من السنة المذكورة، فلعب بالأكرة (^١) في ميدان الكرك فتقنطر بهِ مِنَ الفرس، فمات بعد أيام وكانت وفاته في حادى عشر ذي القعدة من السنة المذكورة، ودُفنَ هُناك مُدّة، ثُم نُقل إلى دمشقٍ، وَدُفنَ عَلى والده الملك الظاهر بيبرس.
وكان الملك السعيد ملكًا جليلا كريمًا سخيًا، كثير العدل في الرّعيّة، وَلَمَا خُلعَ الملك السعيد تولى منْ بَعده أخيه الملك العادل سلامش.
_________________
(١) لعبة الأكرة: وهي مزيج من رياضتي الفروسية والجولف، يقوم فيها الفارس من على ظهر الخيل بتحريك الكرة بالمضرب ومحاولة إسقاطها في الحفر المخصصة لها، تسمى اليوم بالبولو.
[ ٨٣ ]