وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد موت أخيه الملك المنصور عليّ في يوم الإثنين رابع عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة؛ فتولى الملك وله من العمر إحدى عشرة سنة، فحضر إلى باب الستارة أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة وسائر الأمراء وطلبوا أولاد الملك الأشرف شعبان، فوقع الاتفاق على تولية سيدي أمير حاج لأنه أكبر أخوته، فبويع بالسلطنة، ولبس خلعة السلطنة، وركب من باب الستارة إلى الإيوان، فجلس على سرير الملك وحلف له الأمراء، ومد السماط، ودخل إلى القصر بعد مد السماط، وتمت ولايته، ونودي باسمه في القاهرة، وتلقب بالملك الصالح، وخطب باسمه على المنابر.
ومن الحوادث في أيامه: قد جاءت الأخبار من البلاد الحلبية بأن التركمان كسروا عسكر حلب، وأنهم وصلوا إلى العمق، وأنهم طمعوا في أخذ البلاد، فلما بلغ الأتابكي برقوق ذلك فعيّن لهم تجريدة، ورسم للنواب بأن يخرجوا إليهم، فخرج إليهم سائر النواب فانكسر التركمان، وقتل منهم جماعة كثيرة، ونهبوا أموالهم وطردوهم إلى ملطية.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي بيدمر الخوارزمي نائب الشام، وكان معتقلا بثغر دمياط، فلما حضر أخلع عليه واستقر نائب الشام على عادته.
وفيها: حَسُنَ ببَالِ الأمراء أن يعملوا جسرًا بين الروضة وجزيرة أروى (^٢)، فندبوا إلى ذلك المقر السيفي جركس الخليلي أمير آخور كبير، فهمل طوله نحو
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٨٥ - ٣١١؛ جواهر السلوك ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) واقعة في وسط النيل بين بولاق وبر القاهرة وجزيرة الروضة وبر الجيزة، إنها تعرف بالجزيرة الوسطى، تعرف اليوم بجزيرة الزمالك. (الخطط المقريزية ٣/ ٣٢٦؛ النجوم الزاهرة ٩/ ١٢٦ هامش ٢؛ القاموس الجغرافي ١/ ٢٠٥).
[ ٢٧٢ ]
ثلاثمائة قصبة، وعرضه عشر أقصاب، وجعل بظاهر الجسر خوازيق سنط، طول كل خازوق نحو ثمانية أذرع، وأمر عليهم أفلاق خشب نخل، وجعلهم ستارة على الجسر، وانتهى العمل منه في نحو شهرين، ثم حفر في وسط البحر خليج من الروضة إلى الزريبة، وكان ابتداء ذلك في ربيع الأول سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وفي ذلك يقول الأديب عيسى بن حجاج العالية:
جسر الخليلي المقر لقد رسا … كالطود وسط النيل كيف يُريدُ
فإذا سألتم عنهما قلنا لكم … ذا ثابت دهرا وذاك يزيد (^١)
وفيه يقول شهاب الدين ابن العطار المصري:
راعي الخليلي قلب الماء فحين طغى … بنى على قلبه جسرا وحيَّره
رأى ترمّل أرضيه وحدتها … والنيل قد خَافَ يَعْشَاهَا فَجَسَّرَهُ (^٢)
ثم إنّ النيل زَادَ في تلك السنة زيادة لم يقع مثلها في الجاهلية ولا الإسلام، وذلك أنهُ زَادَ أصبعين من إحدى وعشرين ذراعًا، فأكل ذلك الجسر كله، وَرَاح الذي عمله الخليلي في البطالِ، وَفِيهِ يَقُولُ ابن العطار أيضًا:
أثنان يا بحرنا من … إحدى وعشرين عُمنا
فأنظر بفضلك فيما … جرى وإلا غرقنا (^٣)
وفيها: جرد السلطان الأمراء إلى نحو بلاد الصعيد (^٤)، بسبب فساد العربان، فخرج إليهم خمسة أمرَاء مُقدّمين ألوف، وجماعة من الأمراء الطبلخاناة والعشراوات، فلما سمعوا العربان بذلك هربوا من يومهم، فكبسوا منهم الأمراء نحو ثلاثة آلاف رأس غنم براقي، ونحو ستة آلاف رأس ماعز، فأَخَذُوهُم الأمراء ورجعوا إلى نحو القاهرة، وأما العُربان فتوجهوا إلى نحو برقًا خائبين.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن في يوم الثلاثاء وقت الظهر كان المقر الأتابكي برقوق نائمًا وعنده شخص من الخاصكيّة يُكبّسهُ يُسمى شيخ الصفوي، فلمَا أَرَادَ بَرقُوق أنْ يستغرق في النوم، فمسك شيخ الصفوي جنب الأتابكي برقوق وَكَبَّسه قوى فقعد على حيله، وقَالَ: "إيش الخبر"، فقال له شيخ
_________________
(١) بحر الكامل.
(٢) بحر البسيط.
(٣) بحر المجتث؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٤) الخبر في السلوك ٣/ ٢/ ٤٧٠ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٠٥: "عربان البحيرة"، وليس بلاد الصعيد.
[ ٢٧٣ ]
الصفوي: "أنّ مملوكك أَيْتَمِشُ الخاصكي اتفق مع مماليك الأسياد، وبطا الأشرفي أَنهم في هَذِهِ الساعة يُريدُوا قتلك"، فسكت برقوق ساعة، ثُم في أثناء ذلك دخل أَيْتَمِشُ الخاصكي فقام إليه بَرقُوق وأخذ بيده قوس كباد كانَ إلى جانبه، فَضَرَبَ به أيتمش ضربة واحدة أرمَاهُ على الأرض، فلمَا وَقَعَ قَالَ لَهُ بَرِقُوق: "يَا مخنث من يُريد قتل المملوك يقع مِنْ ضربةٍ واحدة"، ثُم قبض عليه، ثم قام وخرج إلى الأسطبل، وجلس في المقعد المطل على الرملة، وطلب بطا الخاصكي فقبض عليه، ثُم طلب سائر الأمرَاء مِنَ الأكابر والأصاغر، فلما طلعوا إليه فشكى لهم مَنْ مماليك الأسياد، وأخبرهُم بِمَا وَقَعَ لَهُ، فعند ذلك أشاروا عليه بمسكهم، فقبض في ذلك اليوم على خمسة وستين مملوكًا من مماليك الأسياد، فأرسلهم إلى خزانة شمايل.
وَأما أيتمش وبطا الأشرفي فَرَسم بنفيهما إلى الشام، ثُم نفى من مماليك الأَسياد جماعة إلى قوص، وَهُمْ ثلاثة وأربعون مملوكًا من شرار مماليك الأسياد.
فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة طلب الأتابكي برقوق الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة وسائر الأمراء، فاجتمعوا بالأسطبل السلطاني، فتكلم كاتب السر بدر الدين ابن فضل الله العمري، في المجلس وذكر: "أن الأحوال قد فسدت والبلاد قدْ خُربت، وَأنْ العُربان قد زادوا في الفسادِ، وَأن أكثر النواب خامرُوا، وَخرجوا عن الطاعة، وأن أمور المملكة غير مستقيمة، وأن الوقت مُحتاج إلى إقامة سلطان كبير لدفع العدو، وسكون الاضطراب"، فتكلم القضاة مع الخليفة في ذلك، ثُم وقع الاختيار على سلطنة الأتابكي برقوق، فعند ذلك خلعوا الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان من السلطنة، وأخذُوا منه النمجاة وَالتُرس، وَأَحضرُوهُمَا إلى عند الأتابكي بَرقُوق وَدَخلَ الملك الصالح إلى دور الحرم عند أخوته.
فكانت مُدّة سلطنته بالديار المصريّة سنة وسبعة أشهر.
واستمر مُقيمًا في دور الحرم إلى أنْ عَادَ إلى السلطنة ثاني مرّة، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعهِ، وَهوَ آخرُ من تولى من ذرية بني قلاون، وبه قد أنقضت دولة بني قلاون كأنها لم تكن بعد أن أقامت المملكة فيهم مائة سنة وثلاث سنين، فَسُبحَانَ منْ لا يزول ملكه.
[ ٢٧٤ ]