وهو العشرون من مُلُوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مولده بقلعة الجبل في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وَأُمه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز نائب الشام؛ تولى المملكة بعد خلع أخيه الناصر حسن في يوم الإثنين ثامن جمادى الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة.
فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة، فصار الأمير طاز صاحب الحل والعقد، وليس للملك الصالح معه سوى مجرد الاسم فقط.
فوقع الخلف بين الأمراء، فوثب الأمير منكلى بُغَا الفخري والأمير مغلطاي على الأمير طاز، فلما ركبوا توجهوا إلى قُبة النصر، فعند ذلك ركب السلطان الملك الصالح، ونزل من القلعة ومعه الأمير طاز وجماعة من الأمراء والخاصكية.
وَنَادى في القاهرة للعوام أى مَنْ وَجُدوهُ من مماليك منكلي بغا الفخري، وَمُغلطاي يَقتَلُوهُ فقُتل في ذلك اليوم جماعة كثيرة من المماليك.
ثم زحف السلطان والأمير طاز إلى نحو الأمراء، فتقاتلوا (^٢) عند خليج الزعفران، فوقع بينهم وقعة عظيمة، فانكسر الأمير منكلي بغا الفخري وَمُغلطاي، وَمُسكًا في ذلك اليوم، فحُبسًا في خزانة شمايل، ورجع السلطان والأمير طاز إلى القلعة.
ثُم إن السلطان أرسل بالإفراج عن الأمير شيخُوا العُمري، والأمير منجك اليوسفي، فأحضروا من ثغر الإسكندرية، وطلعوا إلى القلعة، فأنعم على شيخُوا
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٣٨ - ٥٥٣؛ جواهر السلوك ١٩٣ - ١٩٧.
(٢) في الأصل (قتقاتلوا).
[ ١٩٢ ]
بتقدمة ألف، وكذلك أروس، وكان في السجن بالكرك، فلما حضر أخلع عليه واستقر نائب حلب؛ وَأُخلع على الأمير أرغون الكاملي واستقر نائب الشام.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، فيها جاءت الأخبار بأن بيبُغَا أروس نائب حلب خرج عن الطاعة، وكذلك بكلمش نائب طرابلس؛ وكذلك الأمير أحمد نائب حماة؛ وكذلك الطنبغَا بُرنَاق نائب صفد؛ فأرسل أرغون الكاملي نائب الشام يخبر السلطان والأمير طاز بِمَا وَقَعَ مِنَ النُّوابِ.
ثُم جاءت الأخبار من بعد ذلك بأن بيبُغَا أروس وصل إلى دمشق بمن معه من العساكر الحلبيّة، فلما بلغ نائب الشام ذلك خرج من الشام، وترك بالشام نَائب غيبه، وَأَقَامَ هُوَ بغزّة، فلما وصل بيبغا أروس إلى دمشق دَخلَهَا، وَوَقفَ بسوق الخيل ومعه من تقدم ذكره من النواب والعسكر، فاستعرض هناك العسكر الشامي والعسكر الحلبي، فكانَ مَعهُ منَ النواب والأمراء نحو ستين أميرًا غير العساكر.
فلما فرغ مِنَ العِرضِ نزل عندَ قُبة [١/ ٦٨] يَلبُغَا، وَأَرسلَ إِلَى نَائِبِ قَلعَةِ دمشق، وهو الأمير أياجي، يطلب منه أميرًا كَانَ مَسجُونًا بقلعة دمشق، فأرسل إليه الأمير أياجي يعتذر بأن هذا المسجون سُجن بأمر السلطان، ولا يقدر على إطلاقه، ثم إن النائب حَصَّنَ قلعة دمشق تحصينا عظيم، وأرسلَ يَقُول لأهل البلد: "لا تفتحوا دكاكينكم ولا تبيعوا شيئًا على عسكر حلب".
فعند ذلك اشتد غضب الأمير بيبُغَا أروس على أهل دمشق، وأمر عسكره بأنْ يَنهبُوا القرى التي حول دمشق، والبساتين، ويقطعوا الأشجار، فما أبقوا في ذلك ممكن حتى نَهْبُوا البنات والنساء، وجرى على أهل دمشق من عسكر بيبُغَا ما لا جرى عليهم من عسكر غَازَان لما قدم إلى دمشق.
فلما جاءت الأخبار بذلك رسم للعسكر بأن يتجهزوا للسفر، وَعَلقَ الجاليش، ثم إن السلطان عيّن الأمير عُمر شاه، وهو صاحب القنطرة، والأمير محمد بن بكتمر الساقي، والأمير قماري الحموي، بأن يخرجوا قبل خروج السلطان، فتوجهوا إلى ناحية الصيد لحفظ البلاد من فسَادِ العُربان.
ثُم خرج السلطان الملك الصالح صالح إلى نحو البلاد الشامية، وصحبته من يذكر من الأمراء، وَهُمْ: الأمير طاز، والأمير شيخوا، والأمير ضرغتمش، والأمير أسندَمر العُمري، وأخُوهُ طاز، وجرد مُر، وَقرَابُغَا، وبتخاص، وَقجَا
[ ١٩٣ ]
السّلحدار، وطشتمر القاسمي، وَسُنقر المحمدي، وَقُطلُوبُنَا الذهبي، وبقية الأمراء المُقدّمين، وكان معه من الأمراء الطبلخَانَاة والعشراوات، نحو من ثمانين أميرًا.
ثم إن السلطان ترك بالقاهرة الأمير قبلاي نائب السلطنة لصون المدينة، وخرج السلطان من القاهرة في يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وَكانَ صُحبته الخليفة المعتضد بالله أبو بكر والقُضاة الأربعة، فوصل الملك الصالح إلى دمشق في مستهل شهر رمضان، ونزل بالقلعة وصلى الجمعة بالجامع الأموي.
وكان الأمير بيبغا أروس لما بلغه قُدوم السلطان إلى دمشق، رَحلَ مِنْ دمشق في النصف من شعبان، وخلّف جماعة من التركمان في أطرافِ البلاد، فلما استقر السلطان بدمشق أقام بالقلعة وتوجه الأمراء خلف بيبُغَا أُروس ومن معه من النواب.
فلما كانَ خَامس شهر رمضان أحضروا بين يدي السلطان سُيُوفَ مَنْ قُتِلَ من الأمراء والنواب الذين كانُوا صُحبة بيبُغَا أُروس.
فلما كان ثالث شوال جاءت الأخبار إلى عند السلطان بأن بيبُغَا أُروس انكسر وهربَ، وَمُسك جميع مَنْ كانَ معه من الأمراء والنواب، ثُم دخلوا بهم إلى دمشق وهُم في زنَاجير وقيود، وكان لهم يوم مشهود.
فَرَكبَ الملك الصالح ونزل من القصر الأبلق إلى الطارمة، ووقف العسكر تحت القلعة، وَأَحضرُوا بالأمرَاءِ الممسوكين والنواب بين يدى السلطان، فَوَسَّطَ في ذلك ليوم منهم ستة أمراء بسوق الخيل بدمشق، وَهُمْ: الطَّنبُغَا بُرِنَاقِ نَائب صفد وهو صاحب الدرب المنسوب إليه؛ وطيبغا الأوجاقي المعروف بحلاوة، والمهدي شاد الدواوين بحلب، وأسنبُغَا التركماني، والطنبغا شاد الشربخَانَاة المعروف بالعلائي، وشادى أخو الأمير أحمد نائب حماة؛ ثُم شُفع في ملكتمر السعيدي فحبس بقلعة دمشق.
ثُم إن السلطان قصد التوجه إلى نحو الديار المصريّة، وهو في غاية النصر والإقبال [٦٩/ ١] فدخل إلى القاهرة في نصف شوال من السنة المذكورة، فزينت له القاهرة، وطلع إلى القلعة في موكب عظيم.
[ ١٩٤ ]
وفي أواخر هَذِهِ السنة: قبض السلطان الملك الصالح على الصاحب علم الدين ابن زنبور وكان وزيرًا، وَنَاظر الجيوش المنصورة، وناظر الخواص الشريفة، وهذه الوظائف السنيّة لم تجمع في أحدٍ قبله من الأَعْيَانِ، وَفِيهِ يَقولُ الأديب سميكة:
هَذَا ابن زنبور الصاحب … في النَّاسِ مَا أكثر سمة
يا من در زنبور إشن كان … أَبوه أوْ زَنبُور أمة (^١)
فلما مُسك ضُرِبَ وَقُيِّدَ وَنُفي إلى قوص، واحتاطَ عَلى مَوجُودِهِ مِنْ صَامَت وناطق.
فمن ذلك ما نُقل عن قاضي القضاة برهان الدين ابن جَماعةِ أنهُ قَالَ: "وَقفتُ على قوائم فيها مَا ضُبط منْ مَوجُود الصاحب عَلَمُ الدِّينِ ابْن زُنْبُورٍ، وَهِيَ: قماش ملون مُفصل ألفين وستمائة قطعة منها مفري ألفين قطعة، جندات بوجهين ستمائة قطعة، حنينيات (^٢) خمسة آلاف قطعة، أواني ذهب وفضة ستين قنطارًا، فصوص جوهر قنطاران وأربعُونَ رطلا، لؤلؤ حب أردبين بالمصرى، ذهب عين ستمائة ألف دينار، حوايص ذهب ستة ألاف حياصة كلوتات (^٣) زركش ستة ألاف كلوته.
وَوُجد له دخائر عند الناس في أماكن عدتها ستة وثلاثون مكانًا، وَوُجد له فضة نقرة ثلاثون أردبا، شاشات ثلثمائة ألف شاش، بسط رُومي ومقاعد مِنْ سائر الأنواع خمسة وثلاثون ألف قطعة، أنظاع صِغَار وكبار ثلاثون ألف نطع، خيول وبغال وجمال عشرون ألف رأس، ووُجد له في مكان أيضا سبعمائة ألف دينار.
وَوُجِدَ له عبيد وجوار سبعمائة رأس، مماليك تُركَ وَرُوم خمسون مملوكًا، خُدَّام مائة رأس، وَوُجد له من الصيني ثلاثون ألف قطعة، ومن النحاس
_________________
(١) بحر الرجز؛ في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٣٤: (زنبور أبوه ولا أمه). وفي المنهل الصافي ١/ ١٩١، ٧/ ٧١: الأبيات "لإبراهيم المعمار". وفي إنباء الأمراء بأنباء الوزراء "للعماد"، ص ٧٢. وجاءت الأبيات بصيغ مختلفة عما ورد هنا.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٤٥ ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ٢/ ١٥٦: "خنينيات"؛ وفي جواهر السلوك ١٩٤: "المصريات".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٤٥ ومآثر الإنافة في معالم الخلافة ٢/ ١٥٦: "كلفتات". وكلوتات: جمع كلوتة - بتشديد اللام - فارسية - وتعنى الطاقية الصغيرة من الصوف المضربة بالقطن، وكان الأمراء يلبسونها بغير عمامة، ولها كلاليب تعقد تحت الذقن وهي الكلبندات وكانت لهم ذوائب شعر يرسلونها خلفهم، وكانت صفراء اللون. (انظر: المعجم العربي لأسماء الملابس، ص ٤٣٤).
[ ١٩٥ ]
أربعون ألف قطعة، وَوُجد له من الأملاك والعقار والضياع ستة ألاف مكان، قُومُوا بثلثمائة ألف دينار، وَوُجد له من المعاصر خمسة وعشرين معصرة، وبهمْ مِنَ القَنُودِ مَا لَا يَنحصر وزنه.
وَوُجِدَ لَهُ إقطاعات حلقة سبعمائة إقطاع، وَوُجد له سرُوج وبدلات وعدد للخيل قُومُوا بثمان مائة ألف درهم، وَوُجد له مخازن فيها بضائع وَبُهَارٍ قُومُوا بأربعمائة ألف دينار، وَوُجد له من المراكب ستمائة مركب، وَوُجِدَ لَهُ مِنَ البساتين والغيطان مائتين موضع، وَوُجد لهُ منَ السواقي ألف وأربعمائة ساقية، وَوُجِدَ لَهُ منَ الأبقار الحلابة والغنم ما لا ينحصر، وَوُجِدَ لَهُ مِنَ العَلَالِ مَا لَا ينحصر.
وَوُجِدَ له عند الناس ودائع كثيرة من قُماشٍ وَمَالٍ وَغير ذلك مَا لَا ينحصر (^١)، ومع ذلك كله أخذ جميع مَالَهُ ونُفي من القاهرةِ، وَمَاتَ غريبًا عنْ أَهلِهِ وَدُفنَ هُناك، فكان كما يُقالُ: " المَالُ كَالْمَاءِ، من استكثر مِنْهُ، غرق فيه".
وَقَالَ بَعضهم في ذم المال:
النَّارُ آخِرُ دِينَارٍ نَطَقتَ بِهِ … وَالْهَمُ آخِرُ هَذَا الدِّرْهَمِ الْجَارِي
والمرءُ مَا دَامَ مشغوفًا بِحبهُمَا (^٢) … مُعَذِّبُ الْقَلْبِ بَيْنَ الْهَمِّ وَالنَّارِ (^٣)
وَقَالَ بَعضُهُم أيضًا:
رأيتُ الدرهم المضروب أضحى … كلص مَالَهُ أَبَدًا أَمَانَة
ألم ترى كل انسان حريص … يُحصله ويرميه الخزانة (^٤)
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمائة، فيها: حضر إلى القاهرة [٧٠/ ١] رؤوس جماعةٍ منَ النواب الذي (^٥) تقدَّمَ عصيانهم، وَهُمْ بِيبُغَا أُروس نائب
_________________
(١) خبر ما وجد لدى ابن زنبور جاء مختصرًا في شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٨/ ٢٩٦. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٣/ ٩. مآثر الإنافة في معالم الخلافة ٢/ ١٥٦ - ١٥٧. الذيل التام على دول الإسلام، ص ١٢٧.
(٢) وهذا الشطر جاء بألفاظ مختلفة في المصادر. (انظر: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ص ١٥٣. الدرر الفريد وبيت القصيد ٤/ ١٨١. اللباب في علوم الكتاب ٥/ ٧٦).
(٣) بحر البسيط؛ البيتان للبستي. (انظر: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ١٥٣). ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٤) بحر الوافر؛ البيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٥) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ١٩٦ ]
حلب، وبكلمش نائب طرابلس، والأمير أحمد نائب حماة، فلما حضروا بهم عُلقوا على باب زويلة ثلاثة أيام.
وفيها: ظهر فساد العربان ببلاد الصعيد، وكان كبير العربان يُسمى الأحدب شيخ عرك، فاجتمع عليه طائفة كبيرة منَ العُربان، وأظهرُوا الفساد، ونهبوا الغلال، وَلَمْ يُبقوا ممكنًا.
فلما بلغ السلطان ذلك فخرج إليهم بنفسه، وكان جاليش العسكر الأمير طاز، والأمير شيخُوا، والأمير صرغتمش، فلما ساروا إلى العرب وقع بينهم وقعة عظيمة، لم يُسمع بمثلها فيما تقدم، فعند ذلك انكسر الأحدب كبير العُربان ومن معه من العرب بعد أن كادَتْ الأمراء أن تنكسر، وَقُتل من العرب خلق لا تُحصى لكثرتهم، حتى قيل: أن بعض الأمراء بنى مِنْ رُؤوسهم مساطب على جنب البحر ومآذن (^١)، وَجَعلَ رنكه عليها، ولا زال الأمير شيخوا وصرغتمش يتبع العربان إلى بلاد الواحات الداخلة.
ثُم رجع الأمراء إلى الديار المصريّة، ومعهم من العرب الأسرى نحو ألف إنسان من أكابر العُربان، وغنموا منهم مائة حمل رماح، وثلاثون حمل درق، وثمانون حمل سيوف، وَمنَ الخيُولِ ألف وسبعمائة رأس، ومن الجمال ألف وخمسمائة جمل، ومن الأغنام مَا لَا يُحصى عَدَدَهُمْ (^٢).
فَلَمَا وَصَلُّوا إلى القاهرة دخل السلطان قبل الأمراء بأيام، ثم دخل الأمير شيخُوا وَالأمير صرغتمش بعده، وصحبتهم الأسرى والغنائم، فرسم السلطان يتوسيط أربعة عشر إنسان من أكابر العُربان، ووسط مائة وأربعين من أشرار همْ؛ ثُم إن السلطان نادى في القاهرة بأن فلاح لا يركب فرس، وَلَا يحمل سلاح.
ثُم بعد أيام حضر الأحدب كبير العربان شيخ العركي، وَكَانَ قَدْ هَربَ مِنْ وجه السلطان والأمراء، فحضر طائعًا إلى الأبواب الشريفة، فأقرَّهُ السلطان على عادته شيخ العركي كما كانَ، وَأخلع عليه، وتوجه إلى بلادِهِ، وَفي ذلك يَقُولُ بعض الشعراء:
_________________
(١) في الأصل "مواذن". والتصحيح من بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٠ وجواهر السلوك ١٩٥.
(٢) الخبر جاء في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٠: بدون ذكر أي أعداد.
[ ١٩٧ ]
ما هادن السلطان أعدائه (^١) … إلا لأمر فيه إذلالهم
حَتَّى لَهُ تكْثَرُ أَمْوَالَهُمْ … وللظبى تكبر (^٢) أطفالهم (^٣)
وَفِيهَا بَرزَ مرسوم السلطان بأن اليهود والنصاري لا يستخدموا في ديوان، وَأَنْ تَكُونَ عَمائمهم عشرة أذرُع؛ وأنهم لا يركبوا مع مكارى مُسلم، وَإِذَا مَرُّوا بالمسلمين يَنزِلُوا مِنْ عَلى الحمير، ويظهروا المسكنة؛ وأنهم لا يدخلوا الحمام إلا بصليب في أعناقهم، وأشرطُوا عليهم أشياء كثيرة مِنْ هذا النمط.
وفيها توجه الأمير أرغون الكاملي نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية إلى مدينة الأبلستين، في طلب الأمير قراجًا بن ذُو الغادر أمير التركمان، ليقبضوا عليه، لكونه وافق بيبغا أُروس على العصيان.
فلما وصل إليه العساكر الحلبيّة، هَربَ بمن معه من التركمان، فَسَارُوا خلفه، وتبعوا أثره إلى أنْ أدركُوهُ بأَطراف بلاد الروم، فلما أحس بهم هَربَ، فنهبوا العسكر بيوته وبيوت مَنْ معهُ مِنَ التُركمان، وَأخَذُوا مَواشيهم.
ثُم إن قراجًا المذكور التجأ إلى ابن أرتنا عظيم الروم، فقبض عليه أرتنا، وجهزه إلى السلطان، فلما وصل إلى القاهرة، رسم السلطان بتسميره (^٤) فسمّرُوهُ، وَطافُوا به في القاهرة، ثُمَ وسَّطُوهُ في الرملة (^٥).
ثُم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فيها اتفق جماعة من الأمراء على [١/ ٧١] خَلع الملك الصالح، منهم: الأمير شيخُوا العُمري الناصري، ومعه جماعة من الأمراء، وكان الأمير طاز الناصري الدوادار مُسافرًا يَتصيّد بالبحيرة (^٦)، فاغتنم الأمراء هذه الفرصة.
_________________
(١) جاء في الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ٤٣٨: "ما هادن ارمن سلطاننا".
(٢) في المصدر السابق: "تكثر"
(٣) بحر السريع؛ البيتان لابن عبد الظاهر (انظر: المصدر السابق والوافي بالوفيات ١٠/ ٢١٥).
(٤) التسمير: نوع من الصلب على صليب من الخشب، تدق فيه أطراف المحكوم بالإعدام بالمسامير إلى الخشب، فيبقى المسمر ساعات أو أيامًا حتى يموت. (معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي ٤٤ - ٤٥).
(٥) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٢ وجواهر السلوك ١٩٦: أن أرغون هو من قبض على قراجا؛ بعكس ما ذكر هنا.
(٦) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٢: أن الأمير طاز كان في البحيرة بسبب العربان.
[ ١٩٨ ]
وكان الأمير شيخوا لما أُفرج عنه من السجن، وَحُضِرَ إلى القاهرة، أخلع عليه واستقر أمير كبير في دولة الملك الصالح، وهو أول من سُمي بأمير كبير، ولبس لها خلعة، وصارت الأتابكية من يومئذٍ وظيفة.
فَلَمَا اتفق رَأى الأمراء على خلع الملك الصالح، كان القائم في ذلك المقر السيفي سيف الدين شيخوا أمير كبير.
فلما كان يوم الإثنين ثانى شوال طلع الأمراء إلى الموكب على العادة، فقبضوا على الملك الصالح بحضرة شيخُوا، وخلعُوهُ منَ الْمُلْكِ، وَسَجَنُوهُ بِدُور الحرم، وَأعَادُوا أخاه الناصر حسن إلى السلطنة.
وَاستمر الملك الصالح في دور الحرم مُحتفظًا به إلى أنْ مَاتَ في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة، ودُفنَ بتربة عمه الملك الصالح علي بن قلاون وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار قلاون، وهو في القبة التي بالقرب من السيدة نفيسة ﵂.
وكان الملك الصالح هَذَا مَليكًا جليلًا مُهَابًا، وافر العقل، قليل الأذى، دينا خيرًا، حَسنَ السيرة، مليح الشكل.
فكانت مدة سلطنته بالديار المصريّة إلى أن خُلع ثلاث سنين وثلاثة شهور وأربعة عشر يومًا.
ذكر من توفي في أيام دولته من الأعيانِ، وَهُمْ الخليفة الحاكم بأمر الله بن المستكفي بالله توفي في سنة أربع وخمسين وسبعمائة؛ وتوفي الشيخ أبو حيان المغربي (^١)؛ والشيخ زين الدين ابن الوردي (^٢)، وهو صاحب "كتاب البهجة"، وله شعر جيد، وكانَ مِنْ كبار عُلماءِ الشافعيّة؛ وتوفي الشيخ شمس الدين الذهبي المؤرّخ (^٣)؛ وتوفي القاضي شهاب الدين ابن فضل الله كاتب السر (^٤)، وهو صاحب كتاب الإنشاء، حيث يقُولُ في ذلك:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٠١: ورد خبر وفاته في سلطنة السلطان الصالح إسماعيل في أحداث سنة ٧٤٥ هـ، وهو الصواب؛ وهو أثير الدين محمد بن يوسف بن علي (انظر: ٥/ ١٧٥).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٢٤: ورد خبر وفاته في سلطنة السلطان حسن الأولى في أحداث سنة ٧٤٩ هـ، وهو الصواب.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٢١: ورد خبر وفاته في سلطنة السلطان حسن الأولى في أحداث سنة ٧٤٨ هـ، وهو الصواب.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٣٣: ورد خبر وفاته في سلطنة السلطان حسن الأولى في أحداث سنة ٧٥٠ هـ، وهو الصواب.
[ ١٩٩ ]
يا طالبَ الإنشاءِ خُذْ عِلمَهُ … عَنِّي فَعِلمِي غَيرُ مَنكُورِ
وَلا تَقفْ في بَابِ غَيري فَما … تَدخُلُهُ إلَّا بدستوري (^١)
وتوفي الحافظ بن قيم الجوزية؛ وتوفي ابن اللبان الشاعر (^٢)؛ وتوفي الشيخ شمس الدين ابن العفيف (^٣)، صاحب الأشعار اللطيفة، توفي في سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وَمَنْ شعره اللطيف، قوله:
زُرْتَكُمُ صُحبَةً وَوُدًّا … وَجدتكُمْ (^٤) مُغلقينَ بَابَا
سعيي إلى بابكم جُنُونٌ … عليه فأستأهلُ الحِجَابَا (^٥)
_________________
(١) بحر السريع؛ البيتان في التعريف بالمصطلح الشريف ص ١٤. ولم يرد ذكر البيتين في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٢٥: ورد خبر وفاته في سلطنة السلطان حسن الأولى في أحداث سنة ٧٤٩ هـ، وهو الصواب؛ وهو شمس الدين محمد بن أحمد الدمشقي (انظر: شذرات الذهب ٨/ ٢٧٩).
(٣) لم ترد ذكر وفاته في بدائع الزهور؛ وهو الشاب الظريف محمد بن سليمان بن علي، توفي شابًا بدمشق في يوم الأربعاء رابع عشر رجب سنة ثمان وثمانين وستمائة. (انظر: الوافي بالوفيات ٣/ ١٠٩ والمقفى الكبير ٥/ ٣٦٩).
(٤) في خزانة الأدب وغاية الأرب ٢/ ١٠٢ ومطالع البدور ومنازل السرور ص ٢٤: "ألفيتهم".
(٥) بحر مخلع البسيط؛ نسب ابن إياس البيتين لابن العفيف؛ والمصادر تذكر أن البيتين لابن الوردي. (انظر: خزانة الأدب وغاية الأرب ٢/ ١٠٢. مطالع البدور ومنازل السرور ص ٢٤).
[ ٢٠٠ ]