وَهُوَ السادس عشر من ملوك التُرك وَأَوْلادِهم بالديار المصرية؛ وَهُوَ الرابعُ من أولاد الناصر محمد بن قلاون، تسلطن بعد خلع أخيه الناصر أحمد، في يوم الخميس ثاني عشرين المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة (^٢).
فلما جلس على سرير الملك، وتمّ أمره في السلطنة استقر بالأمير أقسنقر السلاري نائب السلطنة بالديار المصريّة؛ واستقر بالأمير أيدغمش في نيابة الشام واستقر بالأمير طقز دمر في نيابة حلب؛ واستقر بجماعة كثيرة من الأمراء كلِّ واحدٍ منهم في وظيفة من الوظائف.
ثم قبض على الأمير الطنبغا المارديني وهو صاحب الجامع الذي في البرادعيّين، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثُم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمائة، فيها: قَبضَ عَلى الأمير أقسنقر السلاري نائب السلطنة، واستقر بالأمير آل ملك في نيابة السلطنة بمصر.
فَلَمَا تَولى آل ملك نائب السلطنة أمر بهدم خزانة البنود، وكانت داخل القاهرة، وكان يسكنها طائفة مِنَ الأرمن الأسرى، وكانت قبل ذلك حَبسًا يُحبس فيها أصحاب الجرائم، فَلمَا هَدَمَهَا جَعَلَهَا دَارًا للخمّارة لأنها كانت بالقُربِ من داره، فصار يجتمع بها أقوام من المناجيس والمقامرين والحرامية، ولا يقدر أحدٌ مِنَ النَّاسِ يَمنَعهُم من ذلك، لا والي ولا غيره من الحكام، فلما تضرر الناسُ من ذلك، فأخربها وَجَعلها أسطبلات وَقَاعَاتِ وَغير ذلك (^٣).
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٩٨ - ٥٠٦؛ جواهر السلوك ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٩٩: ١٢ محرم ٧٤٣ هـ.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٠٠: أن خزانة البنود لما هدمها آل ملك بنى مكانها مسجدًا، وأن المسجد لا يزال مقفولا إلى عصر ابن إياس.
[ ١٧٣ ]
ثُم دخلت سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فيها: أخذت الكرك، وَقُتلَ الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاون، وقد صار [١/ ٥٩] أخوه الملك الصالح يُجرَّد إليهِ العساكر تجرِّيدَة بَعدَ تَجرِّيدَة، فلم يبق بالقاهرة أميرًا ولا جُنديًا حتى خرج إليه، وَحَاصره فلم يقدروا عليه.
وهو مع ذلك لا يكلّ ولا يمل من القتال، حتى نفد جميع ما كانَ في خزائنه من الأموال، حتى أنه ضرب ما بقي عنده من الذهب وخلط معه النحاس، ونفقه على عسكره، فكانَ الدِّينَار منهُ يُساوي خمسة دراهم.
وهلك من كان عنده في قلعة الكرك من الجوع والعطش والعُري، فلما تمادى عليه الأمر تفرَّق من كان حوله من عسكره، وظهر عليه الخذلان بعد أن أقام في المحاصرة نحو ثلاث سنين، ثم إنهُمْ مَسكُوهُ في يوم الإثنين ثاني عشرين صفر من سنة خمس وأربعين وسبعمائة (^١) فعند ذلك أرسل إليه الملك الصالح الأمير منجك اليوسفي فقطع رأسه، وأحضرها بين يدي أخيه الملك الصالح.
وكان الناصر أحمد أشجع أخوته وأحسنهم شكلًا، ولكنه كان سيء التدبير في أموره، قليل المعرفة، الغالب عليه الجهل، فلم تُساعده الأقدار.
ثُم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة، فيها: مرض السلطان الملك الصالح وَأَقَامَ مَرِيضًا نحو أربعين يومًا، ثم مَاتَ في يوم الخميس حادي عشرين ربيع الأول سنة ست وأربعين.
فكانت مدة سلطنته بالديار المصريّة ثلاث سنين وشهر ونصف.
وَكَانَ خيار أولاد الناصر محمد بن قلاون، وله برٌ ومعروف وآثارٌ، فمن ذلك أنه أوقف قرية من ضواحى القاهرة تُسمى بيسوس (^٢) على كسوة الكعبة الشريفة؛ وكان يحبّ العدل في الرعيّة، وَسَاسَ الملك في هذه المدة أحسن سياسة، وَمَاتَ على فراشه بخلاف أخوته، وكانَ على مذهب بعض الخُلفاء يميل إلى الجوار المولدات والحُبش حتى السودان، وكان يحب من يمدح له في ذلك، فكان الشعراء يكثرُون له من مدح ذلك، فمن ذلك قول بعض الشعراء:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٠٣: يوم الإثنين ٢٢ ذي الحجة ٧٤٥ هـ.
(٢) في جواهر السلوك ١٨٥: "يليسوس"؛ والصحيح بيسوس: وهي من القرى القديمة، وهي الأن تسمى باسوس من أعمال القليوبية. (القاموس الجغرافي، محمد رمزي، ١/ ٢/ ٥٥).
[ ١٧٤ ]
يَكُونُ الخَالُ فِي خَدٍّ قَبِيحٍ … فَيَكْسُوهُ المَلاحَةَ وَالجَمَالا
فَكَيْفَ يُلَامُ مَشْغُوفٌ عَلَى مَنْ … يَرَاهُ كُلُّهُ فِي العَيْنِ خَالا (^١)
وَلَهم في هذا المعنى عدة مقاطيع.
ولما مات الملك الصالح دُفن في القبة التي بين القصرين، وقد رثاه الصلاح الصفدي:
مَضَى الصَّالِحُ المَرْجُو لِلبَأْسِ وَالنَّدَى … وَمَنْ لَمْ يَزَلْ يَلْقَى المُنَى بِالمَنَائِحِ
فَيَا لَكَ مِصْرُ كَيْفَ حَالُكِ بَعْدَهُ … إِذَا نَحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكِ بِصَالِح (^٢)
_________________
(١) بحر الوافر؛ البيتان لابن مسلمة. انظر: شرح مقامات الحريري ١/ ٢٣٤. وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٠٥: نسب البيتين لابن نباتة.
(٢) بحر الطويل؛ البيتان في أعيان العصر ١/ ٥٢٥. الوافي بالوفيات ٩/ ١٣١. ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
[ ١٧٥ ]