وهو الرابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتل المظفر قطز في يوم السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وتلقب بالملك الظاهر أبي الفتوحات (^٢).
وكان أول ما تسلطن تلقب بالملك القاهر، فقال له بعض العلماء: "ما تلقب أحدٌ بهذا اللقب وأفلح"، وقدْ جُرب ذلك فتركه، وتلقب بالملك الظاهر.
وكان أصله تركي الجنس، أخُذَ من بلاده وهو صغير، فابتاع لشخص يُسمى العماد الصائغ، ثم اشتراه منه الأمير علائي الدين أيدكين البندقداري، فلما قبض الملك الصالح نجم الدين أيوب على الأمير أيدكين البندقداري، وأحتاط على موجوده، أخذ بيبرس من جملة الموجود، ثم إن الملك الصالح أعتقه، وجعله من جملة المماليك البحرية، وكان بيبرس شجاعًا بطلًا فأظهر في وقعة الفرنج التي كانت على المنصورة في أيام الملك المعظم توران شاه من الشجاعة ما لا يسمع بمثله، فلا زال يرقى إلى أن بقى أتابك العساكر في دولة الملك المظفر قطز، ثم بقى سلطان، كما تقدم.
فلما جلس على سرير الملك استقر بالأمير فارس الدين أقطاى المستعرب ويدعى أيضًا بالصغير أتابك العساكر، ثم حلف سائر الأمراء لنفسه، ثم قصد الدخول إلى الديار المصرية، فدخلها في الليل وطلع إلى القلعة.
فلما طلع النهار نادى المنادى في مصر والقاهرة: "ترحموا على الملك المظفر قطز، وادعوا بالنصر للسُلطان الملك الظاهر بيبرس".
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٠٨ - ٣٠ … ٣٤٢؛ جواهر السلوك ١١٥ - ١٢٥.
(٢) في النجوم الزاهرة ٧/ ٩٤: "أبو الفتوح".
[ ٦٤ ]
وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز، لما بلغ الناس هذه النصرة العظيمة، فلما نادى المنادى بذلك فمن الناس من أظهر الفرح والسرور بذلك، ومن الناس من أغتم لذلك وتأسف على قتل المظفر قطز، لأنه قتل من غير موجب لذلك.
فلما تم أمر الملك الظاهر بيبرس في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب المعروف بالجمدار (^١) واستقر أتابك العساكر، كما تقدم واستقر بالأمير لاجين الدرفيل دوادار كبير والأمير بلبان الرشيدي استقر دوادار ثاني وأخلع على الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوي واستقر أمير أخور كبير على عادته.
ثم في الموكب الثاني أخلع على من يذكر من أعيان الأمراء، وهم الأمير بدر الدين بيليك الخازندار فاستقر نائب السلطنة بالديار المصرية، وصار صاحب الحل والعقد في أيام دولته، وكان من مماليك الظاهر بيبرس اشتراه صغيرًا من حين كان أميرًا ورباه، فلما تسلطن أستاذه صار نائب السلطنة بمصر.
وقيل (^٢): أن التاجر الذي أباع الأمير بيليك إلى الملك الظاهر بيبرس، كان في سعة من المال، فذهب ماله كله، وصَارَ من جملة الحرافيش، فلما قدم إلى الديار المصريّة فوجدَ مَملوكة بيليك المذكور قدْ صَارَ صاحب الحل والعقد وتصرف في الأمور كما يشاء، فقال له بعض التجار: "لو أنك تدخل إلى الأمير بيليك، وتذكر له حالك، فعسى أنْ يُنعم عَليكَ بشيء".
فكتبَ قِصَّة وَدَخلَ إليه، وكانَ مضمون القصة هذه الأبيات، وهُمَا:
قدْ صِرْتُ مِنْ بَعدِ عِزّ في الهَوَانِ وَقَدْ … جَارَ الزمَانَ بِضيقٍ نِلتُ منهُ أَذَى (^٣)
وَالآنَ أَقبلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ بِمَا … ترضى فَلَا تَنْسَنِي "إنَّ الكرام إذا … (^٤)
فلما قراها الأمير بيليك قال: "من رافع هذه القصة، فقيل له: "هذا التاجر الذي أباعك للسلطان"، فقام إليه وأعتنقه، ثم أجلسه على مرتبته وأكرمه غاية الإكرام، وأنعم عليه بخلق وعشرة ألاف دينار. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر.
_________________
(١) لم يرد في بدائع الزهور وجواهر السلوك؛ وذكر قبل قليل أنه معروف بالصغير.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١: أن القول لصلاح الصفدي في تذكرته.
(٣) جاء البيت مختلفًا عما ورد ببدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١ والوافي بالوفيات ١٠/ ٢٧٧: "كنا جميعا في بؤس نكابده … والقلب والطَّرف منَّا في أَذًى وقَذَى".
(٤) بحر البسيط؛ الشطر الأخير به تضمين لقول الشاعر: "إِنْ الْكِرَامِ إِذا مَا أَيسروا ذكرُوا … * من كَانَ يألفهم في المنزل الخشن". انظر: الشفاء في بديع الاكتفاء، شمس الدين النواجي، ٦٠.
[ ٦٥ ]
ثم عمل الموكب بعد ذلك وأخلع على من يُذكر من الأمراء وهم: الأمير أيبك الأفرم الصالحي فاستقر أمير جاندار؛ ومن أمرائه الأمير بدر الدين بيسري الشمسي؛ والأمير سيف الدين قلاون [١٨] الألفي؛ والأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار المعزي؛ والأمير عزّ الدين بيدغانَ المعروف بسم الموت؛ والأمير بدر الدين أنص الأصفهاني؛ والأمير بلبان الهاروني، ثم أخلع على الصاحب بهائي الدين ابن حَنّا واستقر به في الوزارة؛ وهو الذي أنشأ مكان الأثار النبوي المطل على بحر النيل؛ ثم أخلع على الأمير جمال الدين أقوش النجيبي واستقر به أستادار العالية؛ واستقر بالأمير ركن الدين أياجي، والأمير سيف الدين بكجري حُجابًا؛ ثم رسم بإحضار المماليك البحرية الذي (^١) كانوا متفرقين في البلاد.
ثم أرسل مكاتبات إلى المُلُوك والنواب بسائر الممالك؛ فأخبرهم بما قدْ جَدَّدَ الله تعالى لهُ منْ أمر السلطنة، وطلب منهم بذل الطاعة فأجابوه الملوك والنواب بالسمع والطاعة.
ثم إن الملك الظاهر قصد استجلاب خواطر الرعيّة، فأبطل مَا كَانَ المُظفر قطز أحدثه على الناس من أبواب المظالم عند خروجه إلى التجريدة، كما تقدم، فأبطل ذلك جميعه في أول سلطنته، وكتب به مساميح، وقرئتْ على منابر مصر وأعمالها، فطابت له قلوب الرّعيّة، وزادوا في الدعاء له بالنصر، كما قال القائل:
لَمْ يَبْقَ لِلْجُورِ فِي أَيَامِكُمْ أثرٌ … إِلَّا الَّذِي فِي عُيُونِ العِيدِ مِنْ حَوَرِ (^٢)
ثُم جاءت الأخبار من البلاد الشامية بأن الأمير علم الدين سنجر الحلبي أظهر العصيان، وخرج عن الطاعة، وجمع سائر أمراء دمشق، وتسلطن هناك، وركب بشعائر السلطنة، ولقب نفسه بالملك المُجَاهد (^٣)، وكتب بذلك إلى سائر النواب، وَخُطبَ باسمه على منابر دمشق وَأَعْمَالَهَا.
وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبي لما ثقل أمره على الناس في دولة الملك المنصور عليّ بن المعز أيبك التركماني، فقبض عليه المُظفر قطر قبل أن يلي السلطنة، وسجنه مُدّة، ثم إنه أفرج عنه، واستقر به نائب الشام، فلما قُتلَ المُظفر
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٢) بحر البسيط؛ البيت من قول الفضل بن شرف في المرقص الغيد جمع مفرده غيداء وهي الحسناء الناعمة التي تتمايل في مشيتها (انظر: خزانة الأدب ١/ ٤٦٣).
(٣) كذا في الأصل وجواهر السلوك ١١٧ والسلوك ١/ ٢/ ٤٣٨؛ وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١ "بالملك الأمجد".
[ ٦٦ ]
قطز وتولى الملك الظاهر بيبرس فشق ذلك على الأمير سنجر نائب الشام، وخرج عن الطاعة، وتسلطن، كما تقدم.
فلما بلغ الملك الظاهر ذلك كتب إلى سنجر المذكور كتابًا، وَوَبخهُ فِيهِ بقبيح فعله، وأمره بالرجوع عن ذلك، فعادت الأجوبة بالمخالفة وعدم الطاعة، وقد وافقه على العصيان جماعة من النواب، واضطربت أحوال البلاد الشامية في أول دولة الظاهر بيبرس، منها ما فعله هلاكوا من خراب البلاد، ثم بعد ذلك عصيان النواب. (^١)
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وستمائة، فيها قبض الملك الظاهر بيبرس على جماعة من الأمراء المُعزيّة، وقتل منهم جماعة، وقد بلغه عنهم أنهم يُريدون قتله، فبادر إليهم، وقبض على جماعة منهم.
وفيها: كان وصول الإمام أحمد بن الخليفة الظاهر بالله العباسي، وذلك عند خراب بغداد بما فعله هلاكوا، وقد تقدم ذلك، وكانَ قُدوم الإمام أحمد العباسي إلى الديار المصريّة في تاسع شهر رجب من سنة تسع وخمسين وستمائة (^٢)، فركب الملك الظاهر وخرج إلى تلقيه وأكرمَهُ وبالغ في اكرامه، وقد أوضحت ذلك في الجزء الأول عندَ تَراجم الخُلفاء لما قدم الإمام المستنصر إلى الديار المصرية.
ومن الحوادث في هذه السنة: كانَ قُدوم من يُذكر من المُلُوكِ إِلى الأَبْوَابِ الشريفة وهم: الملك الصالح إسماعيل [١٩] بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وأخوه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، وأخوهم الملك المظفر، فَلَمَا قدموا على الملك الظاهر فأكرمهم وأقرهم على ما بأيديهم من الممالك (^٣).
وفي هذه السنة: رتب الملك الظاهر بيبرس أربع قُضاة بالديار المصريّة مِنْ كل مذهب قاض كبير وتحت يده نواب، وكان قبل ذلك في الدول الماضية قاضي قضاة شافعي لا غير، والثلاثة نوابه وكان ذلك في أوائل سنة ستين وستمائة (^٤).
_________________
(١) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١: أحداث سنة ٦٥٩ هـ.
(٢) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١٢: أحداث سنة ٦٧٠ هـ؛ وفي السلوك ١/ ٢/ ٤٤٨، والنجوم الزاهرة ٧/ ١٠٩، وجواهر السلوك ١١٧: في أحداث سنة ٦٦٩ هـ.
(٣) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٢٣: في أحداث سنة ٦٦٢ هـ؛ وفي السلوك ١/ ٢/ ٤٦٠: في أحداث سنة ٦٦٩ هـ.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٢١ والنجوم الزاهرة ٧/ ١٢١: "وكان ذلك في أوائل سنة ثلاث وستين وستمائة".
[ ٦٧ ]
وفي هذه السنة: كان بمصر غلاء شديد حتى عُدمت الأقوات، فجمع السلطان الحرافيش كلهم وفرقهم على الأمراء، فأخذ لنفسه خمسمائة حرفوش، وأضاف إلى الأمير بيليك نائب السلطنة ثلثمائة حرفوش، وفرق البقية على الأمراء، ورسم لهم أن يعطوا لكلّ واحدٍ منهم في كل يوم رطين (^١) خُبز، فما رأى بعدها أحدٌ يَساءل من الفقراء (^٢).
ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة، فيها رتب السلطان لعب القبق (^٣).
وفي سنة اثنتين وستين في عاشر ذي القعدة ختَّنَ السلطان ولده الملك السعيد محمد، ورسم للأمراء والجند والرعيّة أن من كان له ولدٌ يَحضَرَهُ حتى يختنهُ مع ابن السلطان، فأحضروا الناس أولادهم، فبلغ عدَّتهم ألف وستمائة وخمسة وأربعون صغيرًا خارجًا عن أولاد الأمراء والجند، فرسم لكل واحدٍ منهم بكسوة على قدره ومائة درهم ورأس غنم، وأقام المُهم عمال بالقلعة سبعة أيام.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين، فيها كثر الحريق بمصر والقاهرة، وأشيع بين الناس أن هذا من فعل بعض النصاري، فرسم السلطان بجمع سائر النصاري، فلما جمعوا أمر بتحريقهم، فجمعت لهم الأحطاب والحلفاء.
فعند ذلك طلع الأتابكي فارس الدين أقطاي المستعرب إلى القلعة، فشفع فيهم على أن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار، وَيُصْلِحُوا ما فسد من الدور التي أحترقت.
ثم دخلت سنة أربع وستين فيها سافر السلطان إلى الشام، وحاصر قلعة صفد (^٤)، وافتتحها وعمر بها البرج الكبير.
_________________
(١) كذا في الأصل. والصواب "رطلين".
(٢) ما ورد في بدائع الزهور هو إجمالي عدد الحرافيش، وأما كيفية توزيعهم فلم ترد في بدائع الزهور. (انظر بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١٩).
(٣) لفظ تركي معناه نبات القرعة العسلية، وقد أطلق في العربية على الهدف الذي كان مستعملا في ملعب الرماية المعروف باسم القبق أيضا، وقد وصف المقريزي لعب القبق فقال: «والقبق عبارة عن خشبة عالية جدا تنصب في براح من الأرض ويعمل بأعلاها دائرة من خشب، وتقف الرماة بقسيما وترمي بالسهام جوف الدائرة لكي تمر من داخلها إلى غرض هناك، تمرينا لهم على إحكام الرمي» الخطط المقريزية ٣/ ٢٠١.
(٤) هي إحدى مدن فلسطين التاريخية، تقع المدينة في منطقة الجليل.
[ ٦٨ ]
وفيها: أخرج السلطان تجريدة إلى مدينة سيس (^١)، وكان باش العساكر الأمير عز الدين بيدغان المعروف بسم الموت، وقلاوون الألفي، وجماعة من العسكر، فتوجهوا إلى هناك ففتحوا مدينة سيس وقلعة اياس (^٢) وعدة قلاع ورجعوا إلى الديار المصرية.
ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة فيها أبطل السلطان ضمان الحشيش والنبيذ والبزر، وأمر بإراقة الخمور، وخراب بيوت المسكرات، ومنع الحانات من الخواطئ، واستتوب العلوق واللواطي، وعم هذا الأمر سائر جهات الديار المصرية والبلاد الشامية، فطهرت في أيامه تلك البقاع من جميع ما كان من المنكرات وحرج على ذلك غاية التحريج.
ثم أحضروا إليه في أثناء هذه الواقعة بشخص يسمى الكازروني وهو سكران، فأمر بصلبه فصلب، وعلقت الجرة في عنقه، فلما عاينوا ذلك أرباب المجون والخلاعة، فأمتثلوا أمره بالسمع والطاعة، وفي ذلك يقول الشيخ شمس الدين ابن دانيال (^٣):
لقد كان حد السكر من قبل صلبه … خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي: … ألا تب فإن الحد قد جاوز الحد (^٤)
قال الشيخ شمس الدين ابن دانيال الحكيم، رحمة الله عليه: "لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية في الدولة الظاهرية، سقى الله عهدها، وأعذب مشارب وردها، فوجدت تلك الرسوم دارسة، ومواطن الأنس بها غير آنسة، وأرباب المجون لذلك عابسة، ومن الخلاعة واللهو آيسة، وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولى الحراني والي القاهرة، أهراق الخمور،
_________________
(١) عامة أهلها يقولون سيس؛ وسِيسِيّةُ: بلد هو اليوم أعظم مدن الثغور الشامية بين أنطاكية وطرسوس على عين زربة، وهي اليوم مدينة في تركية في إيالة أطنة، وهي بلدة كبيرة ذات قلعة بأسوار ثلاثة على جبل مستطيل. (النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ٧/ ١٢٥ هامش ٤).
(٢) مدينة على الشاطئ الجنوبي الشرقي لآسيا الصغرى كان الميناء الرئيس لمملكة أرمينية الصغرى في فيليقية، وهي المملكة التي وقعت في ذلك الدور تحت سيطرة دولة المماليك. (السلوك ٣/ ١/ ١٥٠).
(٣) هو محمد بن دانيال بن يوسف الخزاعي الموصلي، الحكيم الكحال، الأديب، صاحب كتاب " طيف الخيال "، ت: ٧١٠ هـ. فوات الوفيات ٣/ ٣٣٠ رقم ٤٤٣).
(٤) بحر الطويل؛ البيتان في فوات الوفيات ١/ ٢٤٥. الوافي بالوفيات ١٠/ ٢١٤. بدائع الزهور القسم الأول ١/ ٣٢٦. خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ص ١٥٠.
[ ٦٩ ]
وإحراق الحشيش، وتبديد المزور، واستتوب العُلوق واللواطي، وحجر على البغايات والخواطئ، وقد آذى الخلاعة غاية الأذية، وصلب ابن الكازروني وفي حَلَقِهِ نَبَاذِيّة، فعند ذلك خطر بخاطري أن أنظم في هذه الواقعة قصيدة، وأجعلها في أسلوبها فريدة، فقلتُ في هذا المعني، وهو قولي من باب المجون وأرثي ابليس الملعون:
مات يا قوم شيخُنَا إِبْلِيسُ … وَخَلا منهُ رَبعَهُ المَأْنُوسُ
ونعاني حدسي بهِ إِذْ تُوفي … وَلَعَمري ممَاتُهُ مَحدُوسُ
هُوَ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَلتُ مَيْتًا … لم يُغَيّر لأمرِهِ (^١) نَامُوس
أين عيناه تنظر الخمرة إذ … عُطَلَ منها الراووق (^٢) والمحريس (^٣)
ومواعينها تُكسر (^٤) والخما … رُ مِنْ بَعْدِ كَسْرِهَا مَحْبُوسُ
أَينَ عَيْناهُ وَالحشائش تُحر … قنَ بِنَارٍ تُراعُ منها المجوس
قَلعُوهَا مِنْ البساتين إِذْ ذَا … ك صِغَارًا خضرَاءَ وَهيَ عَرُوسُ
والحرافيش حولها يتباكو … بدموع تطفى بِهنَّ الوَطِيسُ
أينَ عَيْنَاهُ تَنظر المزر قد أو … حش منه المَاجُورِ وَالقَادُوسُ
وعجين البقول قد بَددُوهُ … وهو بالتُربِ خُلطهُ مَبْسُوسُ
وَذَوُو القَصفِ ذَاهِلُونَ وَقَدْ كا … دَتْ عَلى سيلها تسيلُ النفوس
كم خليعِ يَقُولُ ذَا اليَومُ يَومٌ … مِثْلما قيل قمطرير عبوس
وفتى قائلا لقد هانَ عندي … بعد هذا في شربها التجريس (^٥)
وقضيب ونرجس وَسُعَادٌ (^٦) … باكياتٌ وزينب (^٧) وَعَرُوسُ
ذي تنادى حريفها (^٨) لِوَدَاعِ … لَا عِنَاقِ لاضم لا تَبْوِيسُ
وَيُنَادِي قَوَادَهُمْ شَهُ عَلِينَا … نجم ستى قدْ نَكَّسَتَهُ العُكُوسُ
_________________
(١) في خيال الظل ص ١٥١: "لحكمه".
(٢) الراووق: يطلق على الباطية. خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ص ١٥١ هامش ٢.
(٣) المرجع السابق ص ١٥١: "القدريس" ومعنها: راعية للخمر. المرجع السابق ص ١٥١ هامش ٣.
(٤) في خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ص ١٥١: "والبواطي بها تكسرن".
(٥) التجريس: التشهير وأصله أن يركب المذنب دابة ووجهه إلى ذنبها وفي عنقه جرس. خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ص ١٥١ هامش ٤.
(٦) خيال الظل ص ١٥٣: "وكهار".
(٧) خيال الظل ص ١٥٣؛ "ونزهة".
(٨) الحريف الذي يعاملها "الزبون". خيال الظل ١٥٣ هامش ١.
[ ٧٠ ]
مَنْ لنَا مُنصف لجور زمان … لا قحاب (^١) فيهِ وَلَا خَندَرِيسُ (^٢)
وَتَرَى زَنكَلُونَ يَزْعق زيتون … وَنَاتُو يَصيحُ يَا جَامُوسُ
أين شكشاكتي (^٣) وطاجنة الفا … رَ وَأَينَ المزْرَاقَ (^٤) وَالدَّبُوسُ
نَهْبُو الحِصْنَ (^٥) وَالطَّرَاطِير وَالطَّا … رَ وَضَاعَتْ خريطتي (^٦) وَالقُلُوسُ
أرحلُوا هَذه بلادِ عِفَافٍ … وَسُعُود الخلاع فيها نُحوس
مَنْ لَنَا بَعد ذلك الشيخ إلف (^٧) … وَسَمِيرٌ ومؤنس وَأَنيس (^٨)
لم ترى بعده فتى ضَاحِك الس … ن وكل يبدو له تعبيس
فسأبكيه أرمد العين حتى … لشقائى يعيش جالينوس (^٩)
أقول: وكان الشيخ شمس الدين ابن دانيال الحكيم شاعرًا ماهرًا، وله شعر جيِّدٌ، وَهوَ صَاحب كتاب طيف الخيال، وكانت وفاته في سنة عشر وسبعمائة. ومما قاله في حرفته وصناعته، وهو قوله:
يا سائلي عن حرفتي في الورى … وضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقهُ … يَأخذهُ مِنْ أعين الناس (^١٠)
ولما وقف الشيخ إبراهيم بن المعمار على قصيدة الشيخ شمس الدين ابن دانال، فقال في المعنى هذا الزجل اللطيف منه:
مَنَعُونَا مَاءَ العِنبْ يَا أسَّين … رَبِّ سلّمْ لَا يَمنعُونَا التين (^١١)
هاك (^١٢) قل لي إِذَا مُنْعَنَا الرَاحُ … وَحُرمنَا مِنَ الوُجُوهِ الصِبَاحُ
_________________
(١) القحاب جمع قحبة وهي البغي المتكسبة بالفجور. خيال الظل ١٥٣ هامش ٣.
(٢) الخندريس: الخمر. خيال الظل ١٥٣ هامش ٤.
(٣) خيال الظل ١٥٢: "سكركتي" ومعنها شراب مسكر يصنع من طحين الذرة والشعير. خيال الظل ١٥٢ هامش ١.
(٤) المزراق الرمح القصير خيال الظل ١٥٢ هامش ٢.
(٥) خيال الظل ١٥٢: "نهبوهن".
(٦) خريطتي حافظة نقودي. خيال الظل ١٥٢ هامش ٣.
(٧) خيال الظل ١٥٣: "خذن".
(٨) خيال الظل ١٥٣: "وجليس".
(٩) بحر الرجز؛ جاءت هذه الأبيات في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٢٨ - ٣٢٧. خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ص ١٥٠ - ١٥٤. (جاءت على غير هذا الترتيب).
(١٠) بحر السريع؛ البيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور. وذكرهما ابن شاكر في ترجمة ابن دانيال (انظر: فوات الوفيات ٣/ ٣٣٣؛ الوافي بالوفيات ٣/ ٤٤؛ خزانة الأدب، ابن حجة، ٢/ ٦٤).
(١١) البيت هكذا في ديوان ابن العطار ق ٣٧/ ب: "منعونا ما العنب يا السين - الله يكفي لا يمنعونا التين".
(١٢) في المصدر السابق: "هات".
[ ٧١ ]
بيض يقينا (^١) تُستجلب الأفراح … والخليع كيف نراه يعيش مسكين
على ماء (^٢) العنب بكا الراووق … والشميع (^٣) صَارَ بِعَبَرَتْوَا مخنوق
والوتر بات من الغروب للشروق … مِنْ أَنِينُو تسمع لو في الليل حنين (^٤)
وهذا ما حسن من ايراده في المعني؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر بيبرس.
ثم دخلت سنة ست وستين وستمائة، فيها سافر السلطان إلى نحو بلاد الشام، وحاصر مدينة يافا (^٥) ففتحها هي والشقيف (^٦)، ثم توجه إلى مدينة انطاكية (^٧) ففتحها في يوم الجمعة ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة ثم فتح مدينة بغراص (^٨).
ثم دخلت سنة سبع وستين وستمائة، فيها رجع السلطان من السفر إلى الديار المصرية، وشق من القاهرة، وزينت له.
وفيها: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف، وَرَسم لنائب الشام بعمل الإقامات، وخرج من مصر في ثالث شوال فتوجه إلى غزة (^٩)، ثم توجه من غزة إلى الكرك (^١٠)، ثم توجه من الكرك إلى مدينة النبي ﷺ، فزار؛ ثم توجه إلى مكة المشرفة فدخلها في خامس ذي الحجة، فكانت في تلك الوقفة يوم الجمعة، وكان ولد السلطان الملك السعيد قد سافر صُحبة الركب المصري، فرجع الملك السعيد مع الركب المصري، ورجع الملك الظاهر مع الركب الشامي.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٢٨ وجواهر السلوك ١١٩: "نِبْقًا".
(٢) في ديوان ابن العطار ق ٣٨/ أ: "ماذا"؛ وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٢٨ وجواهر السلوك ١١٩: "موت".
(٣) في ديوان ابن العطار ق ٣٨ أ وبدائع الزهور ١/ ١/ ٣٢٨ وجواهر السلوك ١١٩: "الشمع".
(٤) من الزجل؛ الأبيات في ديوان ابن العطار ق ٣٧/ ب - ق ٣٨/ أ.
(٥) مدينة على ساحل بحر الشام من أعمال فلسطين (معجم البلدان ٥/ ٤٢٦).
(٦) لعل المقصود بها شقيف أرنون التي قال عنها ياقوت (معجم البلدان (٣/ ٣٥٦) أنها «قلعة حصينة جدا في كهف من الجبل قرب بانياس من أرض دمشق بينها وبين الساحل»، انظر أيضا أبو الفدا، تقويم البلدان، ص ٢٤٤).
(٧) وهي في الإقليم الرابع، ولم تزل أنطاكية قصبة العواصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير. (معجم البلدان ١/ ٢٦٦).
(٨) مدينة في لحف جبل اللكام، في البلاد المطلة على نواحي طرسوس. (معجم البلدان ١/ ٤٦٧).
(٩) مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، وهي من نواحي فلسطين غربي عسقلان (معجم البلدان ٤/ ٢٠٢).
(١٠) قرية في أصل جبل لبنان. (المصدر السابق ٤/ ٤٥٢).
[ ٧٢ ]
ثم دخلت سنة ثمان وستين وستمائة، فيها: رجع السلطان إلى الديار المصرية بعد أن زار القدس والخليل ﵇ ثانيًا.
وفي سنة تسع وستين: أرسل صاحب طرابلس للسلطان هدايا جليلة وأظهر الطاعة للسلطان.
وفي سنة سبعين وستمائة: بلغ السلطان حركة التتار، وأنهم واصلون، فخرج إليهم السلطان بنفسه، ثم أقام بدمشق إلى أن دخلت سنة إحدى وسبعين. ففيها: بلغه أن التتار وصلوا إلى البيرة (^١)، فتوجه من الشام إلى الفرات، وكان معه من الأمراء، الأمير قلاوون الألفي، والأمير بيسري، وجماعة من الأمراء؛ فكسبوا التتار على حين غفلة، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأسروا الذي بقى.
ثم دخل السلطان إلى البيرة، وأخلع على من بها من الأعيان، وفرّق على الرعية جملة من المال، ورجع إلى الديار المصرية، وهو في غاية النصر.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة، فيها: هجم الوباء بالديار المصرية، ومات فيه خلق كثير من النساء والأطفال والجوار والعبيد (^٢).
وفي هذه السنة: توفى الشيخ عبد العظيم أبي الحسين بن الجزار الشاعر، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيد، وكان مولده في سنة إحدى وستمائة، ووفاته في سنة اثنتين وسبعين وستمائة (^٣)، فكانت مدة حياته إحدى وسبعون سنة، وعاصر الشيخ أثير الدين أبو حيان المغربي، والشيخ قطب الدين القسطلاني، وغيرهم من العلماء والفضلاء، ومن شعره الرقيق لنفسه وهو قوله في المعاشرة للناس، هذه الأبيات:
مَنْ مُنْصِفي من معشرٍ … كَثُروا عَليَّ وَأَكثَرُوا
صادقتهُمْ وَأرى الخرُو … جَ مِنَ الصَّدَاقَةِ يَعسُرُ
_________________
(١) بين بيت المقدس ونابلس، خربها الملك الناصر حين استنقذها من الإفرنج. (معجم البلدان ١/ ٥٢٦).
(٢) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٣٣: في أحداث سنة ٦٧١ هـ؛ وفي جواهر السلوك ١٢٢: أحداث سنة ٦٧٢ هـ.
(٣) وفاته في فوات الوفيات ٤/ ٢٧٧ وذيل مرآة الزمان ٤/ ٦١ والبداية والنهاية ١٧/ ٥٦٩: ت: في شوال ٦٧٩ ه
[ ٧٣ ]
كالخط يُسهل في الطرو … س ومحوه يتعذر
وإذا أردت كَشْطَه (^١) … لكنَّ ذاكَ يُؤْثرُ (^٢)
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة، فيها زوج السلطان ولده الملك السعيد محمد بابنه الأمير سيف الدين قلاون الألفي.
وفي سنة أربع وسبعين، فيها جرد السلطان العساكر إلى بلد النوبة، وذلك أن ملك النوبة تجرأ وحضر إلى الأعمال القوصية (^٣) وإلى أسوان فأحرقها؛ فلما بلغ السلطان ذلك فعيّن له تجريدة، وكان بها من الأمراء، الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، وجماعة من العسكر، فتلاقوا هم وملك النوبة على أسوان فانكسر ملك النوبة وقتل منه جماعة كثيرة، وما سلم منهم إلا القليل، ومسك أخو ملك النوبة وأولاده وأخته وأقاربه، وهرب ونجي بنفسه.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وستمائة، فيها دخل الملك السعيد على بنتِ الأمير قلاون الألفي، وكان له مهم عظيم (^٤).
وفيها سافر السلطان إلى دمشق، ثم توجه إلى حلب، ثم إلى الدربند (^٥) فمهد البلاد من فتن التتار، وقتل منهم خلقًا كثيرة، نحو خمسة آلاف من التتار.
ثم إن أهل قيسارية (^٦) أرسلوا يطلبون من السلطان أمان، فأرسل لهم السلطان أمان، ثم إن السلطان دخل إلى قيسارية، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودًا، ونزل بدار السلطنة وصلى بها الجمعة، ثم حصل بينه وبين أبغا ملك التتار وقعة عظيمة على الأبلستين (^٧)، فقتل من الفريقين فوق المائة ألف إنسان.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٣٤ وذيل مرآة الزمان ٧/ ٤٠٢ والفلاكة والمفلوكون ص ١٣٤: "كشطته".
(٢) من مجزوء الكامل.
(٣) وهي بلدة كبيرة بها جامع ومدرستان وحمام وأسواق. وهى اليوم تتبع مركز منفلوط بمحافظة أسيوط (الانتصار ٢/ ٥٨. القاموس الجغرافي ٢/ ٤/ ٧٥ - ٧٦).
(٤) سبق وجاء الخبر في أحداث سنة ٦٧٣ هـ؛ وفي جواهر السلوك ١٢٣: في أحداث سنة ٦٧٥ هـ.
(٥) المنافذ والممرات الجبلية في جنوب شرق آسيا الصغرى، بينها وبين بلاد الشام، وهي غير الدربند أو باب الأبواب على بحر طبرستان. (عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ٢/ ١٥٧ هامش (٣).
(٦) بلد على ساحل بحر الشام تعدّ في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. (معجم البلدان ٤/ ٤٢١).
(٧) هي مدينة مشهورة ببلاد الروم. (المصدر السابق ١/ ٧٥)؛ وهي اليوم تعرف البستان مدينة قديمة في محافظة مرعش في تركيا.
[ ٧٤ ]
ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة، فيها توعك جسد السلطان الملك الظاهر بيبرس، فرجع إلى دمشق، وثقل في المرض فأسقوه الحكماء دواء مسهل، فأفرط في الإسهال، وقويت عليه الحمى، وسلسل في المرض أيامًا، ثم مَاتَ في يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة ومَاتَ وَلَهُ مِنَ العُمر نحو ستين سنة (^١).
وكأن ملكًا جليلا خفيف الركاب، مشهورًا بالفروسية، والإقدام في الحرب، والثبات عند التقاء الخصوم، وكان كريمًا، سخيًا، حسن الوجه، طويل القامة، مليح اللحية، مهابًا في موكبه، ولكنه كان مُحبًا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعيّة لأجل التجاريد والأسفار.
ولما مَاتَ رثاه القاضي محيى الدين ابن عبد الظاهر (^٢) كاتب السر الشريف، بهذه الأبياتِ اللطيفة:
الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسي خيفة تَتَقَلقَلُ
لهَفى على الملك الذي كانت به … الدنيا تطيبُ فَكُلِّ قفرٍ مَنزل
الظاهر السلطان من كانت له … مِننَ عَلَى كُلِّ الورَى وَتَطولُ
لهَفى عَلى آرائه تلك التي … مثل السهام إلى المصالح ترسل
لهَفى عَلى تلك العزائم كيف قد … غفلت وكانت قبل ذا لَا تَعْفِلُ
ما للرماح تحولتهَا رَعَدَة … لكنها إذ ليسَ تَعَقِلَ تَعْقِلُ
سَهُمْ أَصَابَ وَمَا رُئى من قبله … سهم له في كل قلب مقتل
أنا إن بكيت فَإِنَّ عَدْرِي وَاصْحٌ … ولئن صبرت فإنني أتمثل
خلف السعيد لنا الشهيد فأدمع … منهلة في أوجه تتهلل (^٣)
ولما مَاتَ الملك الظاهر خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الملك السعيد محمد، والملك العادل سلامش، وسيدى خضر، ولكنه لم يتسلطن؛ وخلف من البنات سبعة.
_________________
(١) وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٣٨: "وعاش من العمر نحو اثنتين وستين سنة"؛ في السلوك ١/ ١/ ٦٣٦: "وقد تجاوز الخمسين سنة" و"وفاته الخميس سابع عشرى المحرم".
(٢) هو عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان الجذامي السعدي محيى الدين قاضي أديب مؤرخ من أهل مصر، ت ٦٩٢ هـ، وله "الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة" نقل عن المقريزي كثيرًا من خططه، و"سيرة الظاهر بيبرس" نظمًا و"الألطاف الخفية" وغير ذلك. (انظر: فوات الوفيات ٢/ ١٧٩ - ١٩١. الروضة البهية، مقدمة المحقق، ص ١٠ - ١٨).
(٣) بحر الكامل؛ الأبيات في كنز الدرر وجامع الغرر ٨/ ٢١٥. عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ٢/ ١٨٣. تاريخ ابن الفرات ٧/ ٩٠ - ٩٢.
[ ٧٥ ]
وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع عشرة سنة وشهرين ونصف. وأما فتوحاته التي فتحها في أيامه فهى قيسارية، وأرسوف (^١)، وصفد، وطبرية (^٢)، ويافا، والشقيف، وأنطاكية، وبغراص، والقصير (^٣)، وحصن الأكراد (^٤)، والقرين (^٥)، وحصن عكار (^٦)، وصافيتا (^٧)، ومرقبة (^٨)، وحلباء (^٩)، وبانياس (^١٠)، وأنطرسوس (^١١)، وكانت هذه البلاد بأيدى الفرنج.
ثم أخذ مدينة سيس بالأمان، ودركوش (^١٢)، وتلميش (^١٣)، وكفردنين (^١٤)،
_________________
(١) مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. (معجم البلدان ١/ ١٥١).
(٢) وهي بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية وهي في طرف جبل وجبل الطور مطل عليها، وهي من أعمال الأردن في طرف الغور (انظر: المصدر السابق ٤/ ١٧).
(٣) قصير معين الدين بالغور من أعمال الأردن. (نفسه ٤/ ٣٦٧).
(٤) هو حصن منيع حصين على الجبل الذي يقابل حمص من جهة الغرب، وهو جبل الجليل المتصل بجبل لبنان، وهو بين بعلبك وحمص. (نفسه ٢/ ٢٦٤).
(٥) حصن من حصون الأرمن، وكان لطائفة يقال لهم الاسبتار، وهو من أمنع الحصون على صفد. (نهاية الأرب ٣٠/ ٣٣٢).
(٦) وهي قلعة على مرحلة من طرابلس في جهة الشرق، بوسط جبل لبنان في واد، والجبل محيط بها. (صبح الأعشى ٤/ ١٤٤).
(٧) بلدة وحصن في جبال العلويين بسورية. (تاريخ البرزالي المقتفي لتاريخ أبي شامة ٣/ ٥٦ هامش (٢).
(٨) مدينة مرقبة على ساحل البحر. (خطط الشام، كرد عل، ١/ ٢٢٢).
(٩) منطقة منبسطة مملوءة بالقرى والسكان والمزارع. (موسوعة القبائل العربية، محمد سليمان الطيب، ١٠/ ٣٢٦).
(١٠) من أعمال منطقة الجولان، وتقع بالقرب من الحدود الفلسطينية على مسيرة ٢٥ كم للشمال الغربي من القنيطرة عاصمة المنطقة، وينبع منها نهر الأردن، وهي أقصى الينابيع شرقًا، وكانت تسمى قديمًا مدينة بان على اسم أحد آلهة اليونان، ومنه اشتق الاسم الحديث. (موسوعة بلادنا فلسطين، مصطفي مراد الدباغ، ١/ ٦٣ - ٦٤).
(١١) بلد من سواحل بحر الشام وهي آخر أعمال دمشق من البلاد الساحلية وأول أعمال حمص. (معجم البلدان ١/ ٢٧٠).
(١٢) حصن قرب أنطاكية من أعمال العواصم. (معجم البلدان ٢/ ٤٥٢).
(١٣) حصن قرب أنطاكية. (انظر: نهاية الأرب ٣٠/ ٣١٠).
(١٤) لم ترد في بدائع الزهور؛ وهو حصن قرب أنطاكية. (انظر: المصدر السابق ٣٠/ ٣١٠).
[ ٧٦ ]
ورعبان (^١)، ومرزبان (^٢)، وكينوك (^٣)، وأدنة (^٤)، والمصيصة (^٥).
والذي صار إليه من أيدى المسلمين وهي دمشق، وبعلبك (^٦)، وقلعة الصبيبة (^٧)، وقلعة شيزر (^٨)، وعجلون (^٩)، وبصري (^١٠)، وصرخد (^١١)، والصلت (^١٢)، وحمص، وتدمُر (^١٣)، والرحبة (^١٤)، وتل باشر (^١٥)، وصَهْيون (^١٦)، وقلعة الكهف (^١٧)، والقدموس (^١٨)، والخوابي (^١٩)، والكرك، والشوبك (^٢٠).
_________________
(١) مدينة بالثغور بين حلب وسميساط قرب الفرات معدودة في العواصم، وهي قلعة تحت جبل. (معجم البلدان ٣/ ٥١).
(٢) مدينة بالثغور بين عين تاب ورعبان. (انظر: المختصر في أخبار البشر ٤/ ٧٥).
(٣) وهو قريب من مرعش. (عقد الجمان، تاريخ المماليك، ٢/ ١١٩).
(٤) مدينة في الجنوب الشرقي للأناضول، على الجهة اليمنى من شاطئ نهر سيحان، تبعد عن شاطئ البحر إلى الداخل نحو ٥٠ كيلومترا، وهي شرقي طرسوس، تبعد عنها ٣٨ كيلومترا. (نيل الأمل في ذيل الدول، عَبْد البَاسِط المَلَطي، ٨/ ١٨ هامش ٥).
(٥) وهي مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. (معجم البلدان ٥/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٦) مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا. (معجم البلدان ١/ ٤٥٣).
(٧) اسم لمكان به قلعة بانياس، وهو من الحصون المنيعة. (تقوم البلدان، ص ٢٤٨).
(٨) قلعة تشتمل على كورة بالشام قرب المعرّة. (معجم البلدان ٣/ ٣٨٣).
(٩) حصن وربضة في جبل الغور الشرقي قبالة بيسان. النجوم الزاهرة ٦/ ٣٠٤ هامش (٥).
(١٠) بالشام من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران. (معجم البلدان ١/ ٤٤١).
(١١) بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق، وهي قلعة حصينة وولاية حسنة واسعة. (المصدر السابق ٣/ ٤٠١).
(١٢) بليدة وقلعة من جند الأردن في جبل الغور الشرقي جنوبي عجلون. (انظر: تقويم البلدان، ص ٢٤٥).
(١٣) مدينة قديمة مشهورة في برية الشام. (معجم البلدان ٢/ ١٧).
(١٤) قرية بحذاء القادسية على مرحلة من الكوفة على يسار الحجاج إذا أرادوا مكة. (معجم البلدان (٣/ ٣٣).
(١٥) قلعة حصينة وكورة واسعة في شمالي حلب. (المصدر السابق، ٢/ ٤٠).
(١٦) حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص لكنه ليس بمشرف على البحر، وهي قلعة حصينة مكينة في طرف جبل. (نفسه ٣/ ٤٣٦).
(١٧) حصن «الكف» بغير هاء. قلعة بالقرب من القدموس على نحو ساعة. (صبح الأعشى ٤/ ١٤٧).
(١٨) وهي قلعة بالقرب من الخوابي. (المصدر السابق ٤/ ١٤٧).
(١٩) في جبل نهران (خطط الشام ١/ ٢٢٢).
(٢٠) قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأيلة والقلزم قرب الكرك. (معجم البلدان ٣/ ٣٧٠).
[ ٧٧ ]
وفتح في أيامه بلاد النوبة، وأعمالها، وفتح عدة بلاد من بلاد السودان، وفتح قلعة العميدين (^١) من أعمال برقة، وفتح عدة جزائر من أعلا الجنادل (^٢).
وأما الذي أنشأه في أيام من العمائر، فمنها: أنه عمر الحرم الشريف النبوي، وعمر قبة الصخرة بالقدس الشريف، وزاد في أوقاف الخليل ﵇، وعمر قناطر شبرا منت (^٣) بالجيزة، وعمر أسوار مدينة الإسكندرية، وَعمر منار ثغر رشيد، وَرَدَمَ فم بحر دمياط بالقرابيص (^٤) حتى لا تدخله مراكب الفرنج، وعمر الشواني وإعادتها لما كانت عليه بالصناعة، وحفر بحر أشموم طناح (^٥)، وعمر القلاع التي أخربها هلاكوا، وعمر المدرسة التي بين القصرين التي إلى جانب المدرسة الصالحية النجميّة، وعمر الجامع الكبير الذي بالحسينية، وعمر خان بالقدس الشريف، وحفر خليج الإسكندرية وباشره بنفسه، وجدّد عمارة المنار بالإسكندرية، وجدّد عمارة جامع الأزهر وأعاد فيه الخطبة بعد مَا أَقَامَ وَهُوَ خَرابٌ من أيام الحاكم بأمر الله، وعمر بلدًا بالشرقية عند العباسة وسماها الظاهرية (^٦)، وعمر القصر الأبلق بدمشق، وله أثار كثيرة غير ذلك.
وهو الذي رتَّبَ خيل البريد، بسبب سُرعة أخبار البلاد الشامية، حتى قيل: "كان الخبر يصل من البلاد الشاميّة إلى قلعة الجبل في أربعة أيام ويعود في مثلها"، فكانت أخبار البلاد الشامية ترد عليه في الجمعة مرتين، وقيل: "أنه أنفق على ذلك مَالًا عظيمًا حتى تم له ترتيب ذلك".
وَكَانَ مُبتدأ هذا الأمر في سنة تسع وخمسين وستمائة، وَمَا زَالَ أمر البريد مستمرًا بين القاهرة ودمشق إلى أيام الملك الناصر فرج بن برقوق، فلما جرى له مع تمرلنك ما جرى وَخُربت البلاد الشامية في هذه الحركة، فبطل أمر خيل
_________________
(١) هي آخر الحدود الغربية للديار المصرية (انظر: التعريف بالمصطلح الشريف ص ٢١٨).
(٢) جمع جندل، وهي الحجارة: موضع فوق أسوان بثلاثة أميال في أقصى صعيد مصر قرب بلاد النوبة. (معجم البلدان ٢/ ١٦٦. الانتصار ٢/ ٩٢).
(٣) هي من القرى القديمة من أعمال الجيزية (القاموس الجغرافي ٢/ ٣/ ١٥).
(٤) هي الحجارة ومفردها قرباص، ويظهر أن أصل اللفظ يوناني: Dozy: Supp.Dict.Ar.V. ٢ P. ٣٢٣.
(٥) وهي قرب دمياط، وهي مدينة الدقهلية، وهي مدينة ذات حمامات وأسواق وجامع وفنادق، وهي على خليج النيل الشرقي، وهي اليوم من قرى مركز دكرنس (انظر: معجم البلدان ١/ ٢٠٠. الانتصار ٢/ ١٧٨. القاموس الجغرافي (٢/ ١/ ٢٢٩).
(٦) هي من القرى القديمة أنشأها الملك الظاهر بيبرس في سنة ٦٦٦ هـ، وهي الآن تابعة لمركز أبي حماد بالشرقية. (انظر القاموس الجغرافي ١/ ٢/ ٦٨ - ٦٩).
[ ٧٨ ]
البريد من يومئذ مع جملة ما بطل من شعار المملكة، وكان إبطاله في سنة ثلاث وثمانمائة.
وكان خيل البريد عبارة عن مراكز بين القاهرة ودمشق، في كل مركز عدة خيول تُعرف بخيل البريد، وعندها رجال يعرفون بالسواقين، ولا يقدر أحد يركب من خيول البريد، إلا بمرسوم سلطاني؛ وكان عند كل مركز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغير ذلك، وهذا كله لأجل سرعة مجيء الأخبار من البلاد الشامية إلى القاهرة بسرعة، وفيه يقول بعض الشعراء:
يوما بمصر ويوما بالحجاز ويو … ما بالشام ويوما في قرى حلب (^١)
وقال الشيخ زين الدين ابن الوردي (^٢) في الملك الظاهر بيبرس:
الملك الظاهر آثاره … مُعجبة الراحل والقَاطِن (^٣)
تأملوا أخباره وانظروا … ما فعل الظاهر بالباطن (^٤)
ولما مات الملك الظاهر بيبرس كتم الأمير بدر الدين بيليك موته عن العسكر، فإنه مات في بعض الأسفار خارجًا عن دمشق، فكتم موته وحمله في محفة إلى أن دخل إلى دمشق، فجعله في تابوت وعلقه في بيت وأظهر أنه مريض، ورتب حضور الأطباء على عادتهم.
ثم أخذ الأمير بيليك خزائن المال، وقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فحمل معه محفة في الموكب، وجعل قدامها الجنائب، وهي محترمة لا يجسر أحد أن يقرب إليها ولا يتفوه بموت السلطان، واستقر الأمير على ذلك إلى أن دخلوا إلى قلعة الجبل بالقاهرة، فعند ذلك أشيع موت السلطان.
وقيل: أنه دُفن بدمشق، رحمة الله عليه، ولما مات الملك الظاهر تولى من بعده ابنه محمد الملك السعيد.
_________________
(١) بحر البسيط؛ البيت لسيف الدولة المهمندار (انظر: كنز الدرر ٨/ ٢١٢. السلوك لمعرفة دول الملوك ٢/ ٩٨). في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٣٢: "يوما بمصر ويوما بالشام ويو … ما بالفرات ويوما في قرى حلب".
(٢) هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن الوردي المعري الكندي، شاعر أديب مؤرخ، ولد في معرة النعمان بسورية سنة ٦٩١ هـ، ت ٧٤٩ هـ، ومن كتبه "ديوان الشعر" و"تتمة المختصر" وغيرها. (انظر: فوات الوفيات ٣/ ١٥٧ - ١٦٠. النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٠).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٤١: "الملك الظاهر أخباره * تشمل للراحل والقاطن".
(٤) بحر السريع.
[ ٧٩ ]
وَمَاتَ في أيام الملك الظاهر بيبرس من أعيان العُلماء جماعة كثيرة منهم: الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية وكان يُلقب بسلطانِ العُلماء، وكان له كرامات خارقة؛ وتوفي الامام أبو شامة وكان من أكابر العلماء؛ وتوفي القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز الشافعي (^١)؛ والشيخ أبو الحسن بن عدلان (^٢)؛ والشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد؛ والد الشيخ تقي الدين، والقرطبي صاحب التذكرة، والشيخ ناصر الدين الطوسي، واللورقي (^٣)، وغير ذلك من العلماء والأعيان.
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خليفة العلامي المصري الشافعي، وزير فقيه، له نظم حسن ولي الوزارة مع القضاة بمصر، ثم استعفى وتولى التدريس بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وتوفي كهلا سنة ٦٩٥ هـ. (انظر: فوات الوفيات ١/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٢) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن عدلان شيخ الشافعية، ولد سنة ٦٣٣ هـ، ومات سنة ٧٤٩ هـ. (انظر: أعيان العصر ٤/ ٢٩٧).
(٣) هو القاسم بن أحمد بن الموفق الأندلسي المرسي اللورقي، من علماء العربية بالأندلس، ت ٦٦١ هـ، له "شرح المفصل" و"شرح الشاطبية" وغير ذلك. (نفح الطيب، ٢/ ١٣٧).
[ ٨٠ ]